محاكمة مبارك..فضيحة القرن

بقلم: سيد أمين

الآن اتضحت الصورة جيداً، وظهر جلياً لمن تشرفت بمتابعتهم لكتاباتي طيلة أربعة عشر شهراً من عمر "الثورة المصرية" صحتها، ها هو مبارك يحصل على حكم البراءة، براءة لبست ثوب الإدانة، براءة سيحكم بها في أول جلسة أمام محكمة النقض، لأنه إذا كانت المحكمة "الوهمية" قد حكمت بالبراءة على جميع مساعدي وزير الداخلية ونجلي مبارك من تهم قتل المتظاهرين، فبالقطع ستحكم بالبراءة على مبارك والعادلي، لأنه لا يعقل أن يكون الرجلين العجوزين قد خرجا بنفسيهما وقتلا آلاف المتظاهرين.

هو حكم سياسي من الدرجة الأولى، لم تراع فيه ابسط قواعد العدالة او حتى المنطق، سبقته شواهد تدل على طبيعته قبل خمسة أيام من النطق به، أهمها جاءت من خلال تسريبات صحفية متعمدة نشرتها احدى الصحف المصرية الكبرى الخاصة على لسان إحدى الصحفيات وثيقات الصلة بجهاز أمني حساس بضلوع جمال وعلاء مبارك في عمليات تربح وفساد، ثم بعد يوم او يومين وجدنا النائب العام يحيل تلك الوقائع الى محكمة الجنايات، وكان الهدف استخدام تلك القضية لإبقاء المتهمين الاثنين قيد الحبس الاحتياطي المؤقت لحين امتصاص الغضب الشعبي جراء حكم البراءة في قتل المتظاهرين، وبالقطع فإن من ينجو من أحكام بقتل آلاف المتظاهرين سينجو من أحكام إهدار المال العام!

ثاني المشاهد، أحكام البراءة التى استمرت في الصدور في كل محاكم مصر تجاه قتلة الثوار، الامر الذى يضع تساؤلاً كبيراً: اذا كان هؤلاء جميعا برآء من قتلة الثوار، فهل يا ترى قتلتهم هم فضائيون هبطوا من السماء؟

كما ان اختيار المستشار أحمد رفعت يضع تساؤلاً اهم خاصة ان شقيقه عصام رفعت رئيس تحرير الاهرام الاقتصادي كان صديقاً مقرباً للغاية من مبارك واسرته، وانه ايضاً كان مشرفاً على صفقة تصدير الغاز لاسرائيل.

أظن ان الصورة الآن قد صارت واضحة تتماشى مع ما قلته سابقاً، قلت إن ما يحدث في عالمنا العربي يأتي في أطار مخطط كوني واحد، مخطط "يرمم" النظم العميلة لأمريكا و"يهدم" النظم المعادية ويستبدلها بأخرى موالية له، قلنا إن "ربيعنا العربي" هو استكمال لخطة بوش في القضاء على " النظم المارقة".

وفي مصر،هذا البلد الأحق والأولى بالثورة، قلت ان ثورته كلها مسرحية هزلية من أجل ترميم نظام مبارك لا هدمه، من اجل تقويته وتحصينه من اى انهيار مفاجئ غير محسوب العواقب، من أجل إطالة أمد الهيمنة الأمريكية على مصر، واستمرار ذات العصابة الداخلية والخارجية في استنزاف مواردها وتحويلها الى الخارج أولا بأول، فضلاً عن تجهيل شعبها وتسطيح وعيه من أجل أن يستمر تخلف مصر عن القيام بدورها العربي والاقليمى والعالمي وتستمر سوطاً يجلد الراغبين في الفرار من الحظيرة الأمريكية.

لكنها مسرحية مأساوية وقودها دم الأبرياء الذين اندمجوا في العرض وصدقوا أن إرادتهم هي التي خلعت وثبتت، وأنها هي التى تغير وتفعل، فراحوا يندفعون داخل المشهد، بينما يتلقفهم محرك "عرائس الماريونت" من خلف ستار ليجعلهم جزءاً من عرضه المبهر، تارة أبطالاً وتارة "كومبارسات"، تارة ضحايا وتارة جناة، تارة مظلومين وتارة ظالمين وفى كل الأحوال هم لا يغيرون شيئاً، لأن كلمة النهاية كتبت قبل ان يبدأ العرض أصلاً.

لم يحدث في التاريخ أن ثار شعب من الشعوب الحية على نظام حكم فاسد ثم عاد ليختاره مجدداً، اللهم إلا إذا كان ذلك من شطحات المؤلف "الفاسد" للعرض واستعراضاً لقدراته الخارقة وتمكنه من أدواته، ومن تنفيذ بنات أفكاره "الجهنمية"، التى تجعله يجري انتخابات لمجلس شعب لم يعترض عليها أحد ليأخذها حجة على نزاهة انتخابات مزورة للرئاسة، ومن خلال الصناديق وبديمقراطية "شكلية" كاملة ونزيهة، وان كانت جوهريا هي مزورة بشكل غير مسبوق، من خلال إضافة أصوات الملايين في كشوف الناخبين على خلاف الحقيقة.

ورغم ان أصوات الأغلبية ذهبت لتأييد مرشحي الثورة إلا أن تمكن المؤلف من أدواته جعله يسمح بأن تكون للانتخابات جولة إعادة بين أقليتين، أحلاهما مر، إما مرشحه وإما مرشح الإخوان المسلمين، وبذلك يكون قد أهدر الثورة وأصوات الثوار.

وأنا في الحقيقة اعتبر انه من الجور الشديد أن نسوي بين مرشح نظام مبارك ومرشح الإخوان المسلمين، فنحن جميعاً ومن بيننا الإخوان ضحايا لهذا النظام، ومن المفروض على الثوري الحق ألا يؤدي عملاً يزكى به شفيق على مرسي، فشفيق هو مرشح النظام الذي يعد العدو الأول للثورة، أما مرسي فهو ابن تنظيم يعد مكوناً رئيسياً من قوى التغيير في مصر، حتى لو اختلفنا معه إيديولوجياً، كما ان ثورتنا لم تقم في الاصل ضد الاخوان المسلمين بل قامت ضد الحزب الوطني ولجنة السياسات اللتين ينتمي إليهما شفيق.

ولو هدأنا رشدنا لعمل الأصوب، في تلك اللحظات الفاصلة في تاريخ مصر، والتي تعود بها الى اجواء النكسة 1967، لقدم كافة المرشحون الثوريون الذين لم يسمح "المؤلف" بفوز اي منهم ومعهم أيضاً الدكتور محمد مرسي اعتذاراً للشعب عن خوضهم تلك الانتخابات الرئاسية ومشاركتهم في تمثيل دور الكومبارس والمحلل لتوصيل تلميذ مبارك النجيب أحمد شفيق الى كرسي الحكم، في انتخابات لا نزاهة فيها، ولا سلطة لأصوات الشعب عليها.

حال سبيلنا حينئذ كمن يتساءل "إذا كان مبارك الطيار قد حكم مصر أكثر من 30 عاماً بالظلم والقهر فترى كم من السنين وبأي وسائل من القهر سيحكمنا الفريق شفيق الذي بنى المطار نفسه؟".

الثورة الحقيقية يجب ان تبدأ الآن، فقد انحرفت عن مسارها منذ عام ونصف العام، تكبدنا خلالها الدم والجهد والعرق وفقدان الأمن ويجب ان نستقر بالخلاص النهائي.

لفتة:

بينما كنت اقلب اوراقي القديمة، وقعت يدي على قصاصة ورق تتضمن ابيات شعر كتبتها في عام 2009 أثناء تصاعد حملة التوريث، ابيات لم تكن مضبوطة جيداً لكنني ارتأيت ان انشرها لكم لكونها تجسد ما يحدث في مصر الآن .. واعذروني على عنف الفاظها:

شالوا الملك..

جابوا الملك.

متورثة..

وتملي ماشية بزمبلك

متسخرة ومحكومة من برة..

بريموت.

واي كلب شوقه يركب..

يركبك.

والخلق عايشة ورب العزة..

عيشة موت.

ورغم ده مملوكة دايماً..

لم تمتلك.

قال أهرامات وحضارة..

سابقة الكون.

ونسيوا إن إحنا كمان..

بلاد فرعون.

بلاد تاريخها كله..

مقصلة وخوازيق.

وناس تنفرم لجل غيرها..

يترسم بالذوق.

سيد أمين

Albaas10@gmail.com