الدراما التلفزيونية تتقدم .. النص الروائي يتراجع!

القاهرة ـ من أحلام محمود
الصورة المرئية أشد تأثيراً

في عصر يتسم بإيقاع شديد السرعة، عصر يزاحم فيه الانترنت والفضائيات الكتاب بمختلف أشكاله ومحتوياته سواء كانت رواية أو فكر أو شعر أو غيرها من أشكال الكتابة، في ظل هذا العصر الذي نعيشه الآن سيطرت الثقافة المرئية على الثقافة المقروءة، فسيطرت الأعمال الدرامية التي يتم بثها عبر الفضائيات على عقل المتلقي، مما دفعه إلى الاستسهال، ودفعه إلى التخلي عن القراءة، هذا الأمر هو الذي دفعنا لكي نتوقف أمام هذه الظاهرة، لنطرح العديد من التساؤلات حول العلاقة بين النص الروائي المكتوب والنص الدرامي، ومدى تأثير كل منهما على الآخر، كما أننا نتساءل .. هل ما زالت القراءة تحتفظ بسحرها القديم لدى القارئ؟ هذا التساؤل يجيب عنه النقاد والروائيون وكتاب السيناريو.

يقول الناقد أمجد ريان: إن العلاقة بين النص القصصي المنشور والنص الدرامي تمر بثلاث مراحل، بدءاً بالمرحلة التقليدية التي تمثلت في منتصف القرن الماضي حيث كان التوجه في الإخراج والفن توجهاً تقليدياً، عرفنا من خلاله أسماء مثل حسام الدين مصطفي وحسن الإمام، وهؤلاء المخرجين كانوا يحاولون تقليد النص الأدبي تقليداً تاماً، ومع دخول الحداثة وتطور الدراما حدث تغير فاختلف النص الدرامي عن النص القصصي، حيث تعامل كل مخرج مع النص برؤية مختلفة، وقد يقدم المخرج النص الواحد بأكثر من رؤية وهذا يتوقف علي الظروف النفسية والثقافية الخاصة بالمخرج، والتي تؤثر في الشكل النهائي للنص القصصي، وحينما أتعامل مع روايات نجيب محفوظ وأفلامه فإنني أحقق نوعين مختلفين من المتعة.

ابراهيم عبدالمجيد

ويشير ريان إلى أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك التزام بمعطيات النص القصصي كما أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك ارتباط بين النص الدرامي وتوزيع النص الروائي، فمثلاً على الرغم من النجاح الذي حققه الكاتب أسامة أنور عكاشة من خلال كتاباته للتليفزيون إلا أنه عند عرض رواياته في السوق حققت توريعاً ضعيفاً، فهو لم يحقق في مجال النشر ما حققه في مجال الدراما التليفزيونية؛ ومن الممكن أن يتحقق العكس بالنسبة لكاتب آخر في مرحلة ما بعد الحداثة فقد حدث نوع من التفتيت فالمخرج قد يتعامل مع جزء من الرواية ولا يقدمها بالكامل كما فعل السيناريست بشير الديك مع رواية "الناس في كفر عسكر" للأديب أحمد الشيخ فيحمل النص دلالات ورؤي كبيرة وعميقة.

أما الروائي إبراهيم عبد المجيد فيرى أنه بتحويل العمل الأدبي إلى نص درامي يحقق نفعاً للكاتب حيث ينتشر اسمه ويحقق له شهرة أوسع، وذلك نتيجة لتأثير الإعلام الواسع الانتشار، وتراجع القراءة لارتفاع ثمن الكتاب ورغم ما يحقق الكاتب من شهرة وانتشار؛ إلا أن ذلك لا ينعكس على أعماله المنشورة أو مبيعاته وهذا عكس ما يحدث في العالم حيث تزداد مبيعات الروائي في حالة تحويل أعماله المكتوبة إلي دراما، أما في مصر فإن الأمر يختلف حيث يكتفي المشاهد بما شاهده وبالتالي يقل توزيع الرواية ولا يحقق الروائي ما حققه في التليفزيون.

النص الأصلي

ويري د. إبراهيم عوض أستاذ النقد الأدبي بجامعة عين شمس أن العرب لا يقرأون ومع ذلك فلو أن هناك قارئا فإنه يستسهل مشاهدة التلفزيون أو السينما، لأن النص المكتوب يحتاج إلى التركيز والخيال، وهو لا يريد أن يفكر ولكن لكلٍ متعته، ومن يرد القراءة سيقرأ، ويبقي أن نقول إن البعض قد يلتزم بالنص الأدبي، والبعض قد لا يلتزم مما يؤثر على معني النص القصصي.

محمدصفاء عامر

ويتفق معه د. شعبان مرسي أستاذ الدراسات الأدبية بجامعة القاهرة في أن تحويل الرواية إلى نص درامي يؤثر على القراءة كثيراً ؛ لأن الصورة المرئية أشد تأثيراً فقراءة الرواية كاملة أفضل كثيراً من تحويلها لدراما تلفزيونية لأن المسلسل يتطلب في بعض الأحيان إضافة أو حذفا بعض المشاهد أو جزءا من الحوار ليدخل بذلك بعض التعديلات علي النص الأصلي المكتوب في الرواية، رغم أنه من الواجب أن يلتزم كاتب السيناريو بأحداث القصة الأصلية، لأن هذا التعديل يؤثر في فكر المشاهد ولغته فالنص يكون مكتوبا بلغة فصحي وينقل بالعامية، ولو التزم كاتب السيناريو بالفصحي الخفيفة سيرفع من شأن اللغة عند الجمهور عامة، إلا أنه لا يمانع من كتابة دراما خاصة بالتليفزيون مباشرة، بعيداً عن تحويل الروايات إلى أعمال درامية لأن ما يحدث يعد خلطاً ولو نظرنا للغرب، نجد الفنون متعايشة فالقصة لها طريقة والمسرحية لها طريقة والمسلسل التلفزيوني أيضاً له طريقة وأخرى أما الخطأ عندنا فهو تداخل الفنون.

فن الرواية

ويختلف الكاتب والسيناريست محمد صفاء عامر مع الرأي الذي يقر بإيجابية تأثير الدراما على قراءة الرواية فمن وجهة نظره أن انصراف الناس عن القراءة بوجه عام، وقراءة الرواية بوجه خاص، أمر بعيد عن التلفزيون، بل إن تناول الدراما التلفزيونية للرواية الأدبية يثير الفضول ويحفز المتلقي إلى الرجوع للرواية الأصلية ليكتشف بنفسه ما إذا كان النص مطابقاً أم لا فهناك الكثير من الشباب قرأوا "ثلاثية" نجيب محفوظ بعد مشاهدتها وهناك آخرون يقرأون الآن رواية "بنت من شبرا" بعد عرضها مسلسلاً، فالأثر هنا إيجابي وليس سلبياً.

محمد البساطي
وفي رأي الروائي محمد البساطي إن الرواية فن والدراما فن، ولا أجد تأثيراً بينهما، بل إن من يعجب بالعمل الدرامي سيسعي لشراء النص الأصلي لقراءته.

أما الروائي جمال الغيطاني فيقول إن لكل فن لغته التي تميزه عن لغة الفن الآخر، ومن الطبيعي أنه في حالة تحول النص الروائي إلي نص درامي، أن يختلف التكوين ولكن المهم الحفاظ على الأفكار الأساسية في النص الأصلي. ويري الغيطاني أن الدراما تخدم توزيع الرواية الأصلية، وهذا ما حدث لي في تجربة ذاتية، فالعمل الدرامي "الزيني بركات" (الذي أعده كاتب السيناريست محمد السيد عيد) كان سبباً في توزيع الكتاب الأصلي.