الشاعر محمود عبدالصمد يؤكد أن الكتابة فضيحةٌ تحتفي بالواقع

حاورهُ في الإسكندرية: عِذاب الركابي
التراث ُالإنسانيّ واحدٌ!

محمود عبد الصمد زكريا: هذا الشاعرُ لهُ اسمهُ المُميزُ من بينَ أبناء جيلهِ، في الوسط الثقافي السكندري والمصري عامة، حياتهُ شعرٌ .. وكلامهُ شعرٌ .. ويُؤسّسُ علاقاته الصباحية على إيقاع ِ قصيدةٍ، صعبٌ أنْ تفلتُ من أصابعه، وهيَ سيفهُ .. وامرأتهُ .. ودليلهُ!

هذا ما جذبني وشدّني إليه، إنّهُ في جميع جلساتنا السكندرية الليلية يحتكمُ للشعر، في كلّ موقف، وكلّ حديث، وكلّ مفاجأة ..، ما رأيت شاعرا ً يُراهنُ على الشعر، بهذا الحماس، مثلما رأيته عند الشاعر محمود عبد الصمد زكريا.

يتفجرُ شعرا ً إنسانيا ً، يتسمُ بالعمق ِ.. والإثارة .. والشفافية، ويلجأ من حين ٍلآخر إلى ظلال النثر، فهوَ استراحتهُ، وربّما من خلال ِكتاباته النثرية والنقدية يطرحُ أسئلة، تحيرهُ .. وتؤرّقهُ .. بل هي أسئلة جيلهِ المثقل بهموم ِ العصر .. وتناقضات الحياة!

صدرت لهُ العديد من الدواوين الشعرية: (الحبُّ والنهر) 1987، و(لكنهُ عبد الصمد) 1991، و(هديل) و(عرس الدم) 2000 و(عزفٌ جديد على وجع ٍ قديم) 2003. ولهُ أيضا ً خمس مجموعات شعرية مخطوطة، بالإضافة ِإلى الدراسات النقدية الهامة!

أكتبُ لأعترف .. لأتطهر

• يقولُ أحد الكتّاب الكبار:" أكتبُ لأنّ هذا العالمَ لا يرضيني، ويغضبني" لماذا تكتبُ؟ وما جدوى الكتابة؟

- الكتابة ُفضيحة ٌتحتفي بالواقع! والفضيحة ُتفرضُ سلطتها لممارسة فعل التغيير، إنها نوعٌ من إجبار الواقع على تعديل مساره، والرجوع إلى رشده ِأولا ً بأول! قدْ يغتالها الواقعُ ببطْء، فالواقعُ لا يتشبثُ بالكتابة، لكنها تتشبثُ به ِوتتمسكُ بتلابيبه، وتفتديه .. نعم الكتابة تفتدي الواقع َ دائما ً! هكذا يذهبُ الشعراء والأدباء الحقيقيون إلى الموت بأشكالٍ موغلةٍ في المفارقة، لكنهم دائما ًيحسنون الحضور من الغياب!

أكتبُ لأعترف .. أتطهر .. لأبلور مخاوفي وأخطائي، لأسجّل التاريخ، أكتبُ لأنّني مأخوذ بالمستقبل، لأستفزَ الكتابةَ في الآخرين! أكتبُ لأنّ الكتابةَ نزيفٌ يُؤجلُ جنازة َ الحياة! لأنّني لا أستطيع خنقَ هاجسَ الكتابة في داخلي! أكتبُ لأقرا .. لأتعلم ..لا يوجدُ علم بدون قراءة، وليسَ ثمة قراءة بدون كتابة! الله كتبَ الحياة، وكتبنا لنقرأها، ونقرأ أنفسنا، إذا محوتَ الكتابة فقد محوتَ الحياة!

إنني جاهز ٌللرهانِ على الشعر

* والشعرُ .. هلِ تراهنُ عليه في زمنِ الابتذال والعري والهزال الثقافي؟

- لنْ أكونَ متشائماً لدرجة القول بأنّ المراهنة على الشعر الآنَ هيَ مراهنة على جوادٍ يحتضرُ .. لكنّني سأكونُ متفائلا ً، وأقولُ: إنني لا أرى احتضار جواد الشعر.. ربّما أعترفُ أنّهُ يمرُّ الآنَ بإحدى كبواتهِ، فهوَ يكبو، وينهضُ، هكذا دائما، وهوَ لا بدَ يمرّ بمراحلهِ الثلاث: الابتداع والإبداع والتكرار أو الاجترار، وأراهُ الان يمرّ بهذهِ المرحلة الأخيرة.

كانت لهُ نهضة كبيرة في عصرِ المعلقاتِ وسوق عكاظ، ثمّ كبا، ثمّ نهضَ في العصر ِ الأندلسي، ثمّ كبا في العصر ِ المملوكي، ثمّ نهضَ في عصر الإحياء، ثمّ نهضَ على يدِ روادنا في العصر ِ الحديث، وها هوَ يكبو، لكنهُ سينهض، سيفيق. ربما لا أراهنُ عليه الآنَ، ولكنني جاهزٌ للرهان، ومستعدٌ لهُ، ولعلي أعملُ جاهدا ًمع غيري كثيرين لتجهيزه لسباقٍ قريبٍ!

* والقراءة ُ.. أليست حلما ًمنقذا ًلجفاف ِ الروح ِ.. ماذا تقرأ؟ ولِمنْ؟ وما الكتاب الذي تحبّ الرجوع إليه من حين ٍ لآخر؟

- أقرأ ُ أولا ًو دائما ًالواقعَ من خلال المراقبة، فهي أول نعمةٍ يضعها الله في مهد الكاتب. أستعين على هذهِ القراءة بقراءة نفسي، وقراءة ما يبدعهُ الآخرون من كتابة، أوْ لنقل بقراءة الآخرين للواقع.

ولِمَنْ؟ للقديم بغية الاعتبار، والحفاظ على الارتباط بالجذور وعدم الإنبتات عنها، فهي التي ترسخ وقوفي بثبات في مواجهة الريح. وكلّ جديد هوَ خارجٌ من رحم ِ قديمه، والفرع الذي ينبت بعيدا ً عن أصله مصيره لا محالة للذبول .. والموت .. والزوال! للجديد بغية استشراف المستقبل.. والتجاوز.. والتغيير!

أما عن الكتاب الذي أحبّ الرجوع إليه من آنَ لآخرَ، فربما يضيقُ الورقُ ذرعا ًبكتابة قائمة بذلكَ، ولكن اللغة العربية هي قرآن ثمّ شعر ونثر، لذا سأكتفي بذكر: القرآن الكريم، ديوان الشعر العربي- خاصة المتنبي - كتاب وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي، وكليلة ودمنة لابن المقفع.

لكلّ شاعرٍ مساهمة .. لا يُمكنُ إغفالها

• ومَنْ من الشعراء ما زال يستوقفكَ، ويستفزكَ، ويجيبُ على أسئلتك، قديما ً وحديثا ً.. مصريا ً وعربيا ً!؟

- أعتقد ُ أنني أشرت إلى أبي الطيب من القدامى، أما المحدثين من مصر والبلدان العربي فهم كثرُ، ولكلّ منهم مذاقهُ الخاص، ويكملُ بعضهم الآخر في منظومة الشعر المعاصر

أمل دنقل، محمود درويش، نزار قباني، علي أحمد سعيد (أدونيس)، عبدالمنعم الأنصاري، علي الشرقاوي، سامي مهدي، عبد الله البردوني، حفيظ الدوسري، وأحمد مطر.. إلخ! وأود أنْ أؤكد على أنّ لكلّ شاعر ٍ حقيقي مساهمة متميزة، لا يمكن إغفالها أوْ التغاضي عنها، فلكلّ منهم رؤيتهُ، وبهم جميعا ً يكتملُ المشهدُ!

التراثُ الإنسانيّ واحد

• هلْ يستهويكَ الشعرُ المترجم؟ ما رأيك بما يترجمُ من شعر؟ ومنْ من شعراء الغرب تقرأه وتشعرُ أنّه قريبٌ منك، بلْ قريب من همومنا وأحزاننا كمبدعين، أليسَ التراث الإنساني واحدا!؟

- التراثُ الإنسانيّ واحد بالفعل – كما تقول - هذا على المستوى الإنساني، لكن على المستوى البشري، وفرق بين الإنسان والبشر، فإنّ لكلّ بيئةٍ ملامحها التي تبلورُ وتحدّد شخصيتها، وبالتالي تميزها عن غيرها، وما يصلحُ في بيئة قدْ لا يصلح في بيئة أخرى تبعا ً لمجموعة القيم والعادات والتقاليد التي نشأت عليها وترسّخت بداخلها.

الشعرُ- كما تعلمُ - استعارة موّسعة. واستعارة مجازية بلاغية تتكيء على الإيحاء والخيال أكثر مما تتكيء على الوضوح ِ والمباشرة، فعنصر الجمال مقدّم على ما سواه، والتصوير الفنّي من أهم سمات الجمال في الشعر.

الترجمة قدْ تحافظ على جسدِ الشعر ِ طريا ، لكنّها تفقدهُ روحه، لذا لا يبقى من الشعر المترجم سوى الفكرة، الموضوع، حيث ينتقل النصّ بالترجمة من كونه نصّا ً شعريا ًإلى كونه نصّا ً فقط، لذا فأنا أقرأ الشعر المترجم ليسَ على انّه شعر، بلْ على أنه نصّ يطرحُ فكرة ومعالجة، أفهم منها طبيعة الآخر الأجنبي، وأرى ملامحه. هناك بالفعل مَنْ تشعر أنّه قريبٌ منكَ.. من فكركَ .. من همومك، حينما قرأت طاغور مثلا ً لمْ اشعر أنّهُ غريبٌ عنّي، على عكس آرتور رامبو مثلا، وهكذا، ربما تكون الرواية المترجمة أصدقَ في نقل أثرها من الشعر.

لكلّ فنّ ٍ لغتهُ

• أنا أرى أنّ الرواية والقصّة خالدان بكونهما الشعري .. هلْ تقرأ الرواية والقصّة؟ ماذا يعجبك في هذين الفنين العملاقين؟ ومَنْ مِنَ الروائيين يدهشك؟

- بالطبع أقرأ القصّة َوالروايةَ، وأشاهدُ السينما والمسرح أيضا، وهنا أودّ أنْ أشيرَ إلى أنّ المتابعَ لمسير الفنون والآداب في الربع قرن الأخير بشكل ٍجيد، سوف يقفُ لا محالة على ما امتازت بهِ هذهِ المسيرة من حراك ٍفكري ومعرفي هائل، ومن صلاتٍ شابكة بينَ أجناس الآداب والفنون: شعر- قصة – مسرح – رواية – تشكيل – موسيقى .. إلخ، على نحو أزاح الحدود الفواصل بينها، وسلط الضوء على مناطق التقاطع التي لا يمكن لفنّ واحد بدونها أنْ يستقل بالنظر، وأبرز من الإشكالات المعرفية ما يفوت المتتبع الحريص، وهكذا انسلت المذاهب والنظريات من حدبها، ونزت بينها نوازي الخلاف المنهجي، وأنتجت من الأسئلة فوق ما قدمت من إجابات. لذا أراك تقول إنّ القصة والرواية خالدان بكونهما الشعري.

لكن دعني أقول لك: إنّ لكلّ فنٍّ لغته، بمعنى وسيلة اتصاله التي يستطيع من خلالها التفاهم مع متلقيه والتأثير فيه. أنا أرى القصة والرواية هما الأقدر من فنون الكتابة على نقل الواقع بشكل ٍ مباشر وواضح وصريح وحيادي، مضافا ًإليه رؤية ورأي المؤلف، وهما يقتضيان مهارة ً بالغة ًفي المراقبة والحكي ورسم الشخوص والتصرفات والطبائع.. إلخ!

ربما أشير في هذا الصدد إلى القاص محمد حافظ رجب، والروائي إبراهيم عبد المجيد.

* في ضوء هذهِ الأحداث الكارثية .. ما دور الكلمة؟ وما دور الشعر؟ وكيف تفسّر صمت ومهادنة .. ولا مبالاة بعض المثقفين عما يحدث في الواقع العربي؟

- "الكلمة ُكان.. وما سيكونْ

الكلمة ُنبضٌ.. ورئاتٌ .. وعيونْ

الكلمة ذئبٌ في لحظة ِ فتكٍ،

موتٌ، وحياة ٌ، وجنونْ

أما عن صمت ِ بعض المثقفين، فالصمت كما تعلمُ إمّا صمت العارف، أوْ الخائف، أوْ الجاهل، والعارف الصامت في هذهِ الظروف شيطانٌ أخرس، وهوَ جبانٌ، أوْ ميت، وقد كفانا شرّه رغم ما يشكله من عبء ثقيل علينا، على كلّ حال هوَ أخفّ وطئا ًمن الشيطان الناطق المثقف الذي يبلور العمالة والخيانة العظمى في أبهى حالاتها، هوَ أكثر خطورة من العدو الصريح، إذا جاءك الخطر من أمامك أوْ من خلفك، فأنت تستطيع مواجهته ومقاومته، أما إذا جاءك من داخلك، فتلك الطامة الكبرى.

متى يكون ُ لنا نظرية نقدية عربية؟

• لك العديد من الدراسات النقدية القيمة.. ما رأيك بما يكتب من نقد؟ هل استطاع أنْ يواكب حركة الإبداع الدائبة مصريا ًوعربيا ً؟ مَنْ مِنَ النقاد يعجبك؟ وأنت كشاعر متميز هلْ أنصفكَ النقد؟

- النقد معطى معرفي يجبُ الإفادة منهُ تاريخيا، ويجب تأمل واستغوار مراحل إنتاجه حيث يمكننا من كشف الوجوه الخفية للمعرفة نراثيا، وبلورتها، ومن ثمّ يجب دراسته دراسة تأويلية أكثر من دراسته دراسة استعمالية.

أرى أنّهُ من الضروري جدا ًأنْ يفرزَ كلّ جيل ٍ نقاده من داخله، ليكونا الأقدر على الممارسة الحيوية الموضوعية وعلى تفكيك التجارب، وبالتالي صياغة السياق المعرفي لجيلهم، بذلك فقط يستطيع النقد مواكبة الإبداع، ولكن الحاصل أنّ الإبداع الآني يخضع دائما ًللنقود القديمة فيقع عليه بذلك نوع من أنواع الظلم البيّن، لنْ يواكب النقد الإبداع إلا إذا تزامن ميلاد النقاد مع ميلاد المبدعين. نحنُ نعيش إلى حدّ كبير على نوعين من النقد: نقد قديم، ونقد غربي مستورد. والسؤال متى يكون لنا نظرية نقدية عربية آنية على غرار نظرية الجرجاني مثلا ً!؟

على الأدب الليبي أنْ يقتحمَ السوقَ الأدبية

* عربيا ً .. هلْ قرأت الأدب الليبي.. مَن تذكر من الشعراء؟ والأدباء؟ وما رأيك؟

- أحد مؤلفاتي النقدية كتاب: (البحر مستقبل الفيافي) صدر عام 1990، وهو عبارة عن خمس دراسات عن خمسة دواوين للشاعر البحريني علي الشرقاوي. أعتقد أنني لوْ حاولت كتابة دراسة عن الأدب الليبي، عن إبراهيم الكوني مثلا، فأن عنوانها سيكون (حتى لا تسحب البواخر الصحراء إلى البحر). أنا متحمس لذلك بالفعل، لكن للأسف الأدب الليبي تائه عن السوق الأدبية، لذا فإنه من الصعوبة أن تحصل على أعمال الأدباء والشعراء الليبيين، نسمع، ونقرأ مقتطفات شعرية هنا. وهناك لشعراء أمثال – الراحل علي الفزاني، وفوزية شلابي، ومحمد الفقيه، وغيرهم لكننا لا نستطيع الحصول على دواوينهم، لذلكَ فإنّ على الأدب الليبي أنْ يقتحمَ السوق الأدبية، وإلا فسوف يظل مغيبا ً، وفي ذلكَ ظلمٌ كبير لهؤلاء الأدباء والشعراء.

* ما جديد الشاعر المبدع محمود عبدالصمد زكريا؟

- في مصرَ الجديد الذي بينَ يديّ لأي شاعر ٍ أوْ أديب هوَ قديم بالنسبة لهُ، والمقربين منهُ حيث يعود زمن كتابته إلى ستة أو سبعة أعوام على الأقل، وربما عشرة، ولن أخوض في تفاصيل ذلكَ، لذا فإن آخر ما طبع لي هوَ ديوان "عزف جديد على جرح قديم" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2003. ولديّ خمس مجموعات شعرية مخطوطة تبحث عن النور بعناوين: (تجليات طائر الذات، سيد الخائنين، السيد المستحيل، حديث عابر لشاعر سبيل، القرين. فضلا ًعن مجموعة كبيرة من الدراسات النقدية. ولكن! يظل الشاعر واعدا ً حتى العقد السادس من عمره!