البصرة: تحريم النظر في رسالة 'الموسيقى'!

بقلم: رشيد الخيّون

رسالة "الموسيقى" هي إحدى أهم رسائل الجماعة البصرية "إخوان الصفا وخلان الوفا" (القرن الرابع الهجري)، ولا يُفهم من قرار مجلس محافظة البصرة القاضي بتحريم الغناء وما يتعلق به من عيدان ومعازف، ومظاهر الأفراح، إلا تحريم النظر في هذه الرسالة.

عندما تكون في مركز القرار، وفي ظل نظام يقدم نفسه أنه حر ديمقراطي، عليك ترك اعتقاداتك الشخصية والدينية والمذهبية في دارك، لأنك تدير شأناً عاماً. فيمكنك داخل سيارتك ودارك أن تسمع ما تريد، لكن أن تحاول جعل البلاد على شساعتها سيارة وداراً لك فهذا لا صلة له بما تدعيه من بناء عراق جديد.

إنها الروح المتسلطة نفسها، تلك التي كانت تقهر الناس بأمر شخصي في حملة إيمانية وهؤلاء يقهرون الناس بأمر مجلس محافظة في حملة إيمانية أيضاً، لكن في عسر وتخلف. مع علمنا أن الغناء والموسيقى ليس فيهما خيانة ولا إفساد وطني، فإذا كان أعضاء مجلس المحافظة يطلبون الثواب بمنعهما فهما سيتحملان ذنوب ما يُلجأ إليه من أضرار، المخدرات مثلاً، وما يحاول الشباب الفرجة عما يعانونه من كروب.

قال رئيس مجلس البصرة: "المنع جاء فقط لتلك الحفلات الغنائية... وإن السبب يعود لكون المدينة تعد مُحافِظَة... المنع هو فقط للحفلات الغنائية الماجنة وليس لجميع الحفلات الأخرى، كون المجلس يدعم الحفلات الشعرية والمسرحية والحفلات التي تكون لغرض تنشيط الواقع الثقافي".

أولاً: مَن يحدد الماجن من غير الماجن، وفي عرف الأحزاب الدينية أن الغناء والموسيقى مجون كلهما؟

ثانياً: سُمح بالشِّعر والمسرح والحفلات الداعمة للثقافة. أرى هذه الفتوى مطابقة لجواب استفتاء: "هل يجوز لزوجة أن ترقص لزوجها"؟! فرد رجل الدين: "أن لا تصاحب الرقص آلات موسيقية ومعازف" (موقع الإسلام سؤال وجواب)! فالشعراء ينتظرون قصائدهم تُغنى، ولا أدري إذا كان رئيس مجلس المحافظة قد ارتاد المسرح ووجده بلا موسيقى أو أغانٍ! لا أزيد على تعليق الشاعر البصري طالب عبد العزيز: "هكذا قرار يحول المدينة إلى مأتم كبير"!

نعم، هؤلاء يريدون إدارة البلاد بأحكام المأتم! وِمن عجب أن مجلس المحافظة، حسب موقعه الرسمي، تبنى مشروع البصرة عاصمة العراق الاقتصادية، وأنها ثغره الباسم، فمِن أين تأتي البسمة وقد حرمتم الفرح؟ وقرار آخر دعا فيه المسيحيين المغتربين إلى العودة لدارهم البصرة. فمثل هذا القرار، وإعلان البصرة منطقة حداد مزمن لا يشجع الاقتصاد ولا المسيحيين على العودة لديارهم، مع أنهم تركوها بفعل تشدد القوى نفسها، وما جهدت لفرضه على أجواء البصرة.

"إخوان الصفاء" بشهادة مجايلهم أبي حيان التوحيدي (ت 414 هـ) أنهم بصريون: "سألني وزير صمصام الدولة في حدود 373 (هـ)... إني لا أزال أسمع مِنْ زيد بن رفاعة قولاً يريبني، ومذهباً لا عهد لي به (...) فقد بلغني يا أبا حيان أنك تغشاه وتجلس إليه وتكثر عنده، ولك معه نوادر عجيبة" (الإمتاع والمؤانسة). أجاب أبو حيان: "قد أقام بالبصرة زماناً طويلاً، وصادف بها جماعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة". هؤلاء هم "إخوان الصفاء". أذكر ذلك كي أثبت أن البصرة منذ ذلك التاريخ اهتمت بالموسيقى وتأليف الألحان.

ومِن بين الـ 52 رسالة، وهي الرسائل المعروفة بـ"رسائل إخوان الصَّفاء"، والتي أنجزتُ فيها كتاباً سيرى النُّور قريباً، تأتي رسالة "الموسيقى"، وتعمد الإخوان، أقصد أهل الصفاء لا "إخوان" هذه الأيام، أن تكون ضمن القسم الرياضي، فالرياضيات عندهم أساس العلوم، وهم مؤمنون بالله أشد الإيمان، وما من عِلم إلا غرضه السعادة بالدنيا والآخرة، فيذهبون إلى عمران الدنيا والدين معاً في أكثر من رسالة، والموسيقى إحدى ساندات الإعمار.

في ذلك الزَّمن خشي "إخوان الصفاء" أن يُساء فهمهم، في "الموسيقى" بالذات، من مجايليهم وما بعدهم، على شاكلة مجلس البصرة، فقالوا: "نريد أن نذكر في هذه الرسالة الملقبة بالموسيقى الصناعة المركبة من الجسمانية والروحانية، التي هي صناعة التأليف في معرفة النسب، وليس غرضنا من هذه الرسالة تعليم الغناء وصنعة الملاهي، وإن كان لابد من ذكرها، بل غرضنا هو معرفة النسب وكيفية التأليف اللذين بهما وبمعرفتهما يكون الحذق في الصنائع كلها" (الرسالة الخامسة)، أي الإعمار.

لكنهم قالوا: "فنقول الآن الموسيقى هي الغناء، والموسيقار هو المغني، والموسيقيات هي آلة الغناء، والغناء هو ألحان مؤلفة، واللحن هو نغمات متواترة، والنغمات هي أصوات متزنة" (نفسه). اعتبر هؤلاء البصريون، قبل أكثر من ألف عام، الموسيقى "ترطب الأجواء وتحول الغضب إلى سكون" (نفسه) بل إنهم عزوا أسباب إيجاد الموسيقى "لدفع الكوارث والأوبئة". وأن أصل صناعتها هم الحُكماء (نفسه). وذكروا الآلات العازفة في زمانهم، وهي بالعشرات، لكن السيد بينها هو العُود (نفسه).

تستخدم الآن الموسيقى بأعلى المستويات وأصخبها في المواكب الحسينية والتكايا الصوفية، ومن ذلك الوقت حذر إخوان الصَّفاء مِن "الأبيات الموزونة أيضاً ما يثير الأحقاد الكامنة، ويُحرك النفوس، ويُلهب نيران الغضب" (نفسه). تلك الأبيات المغناة، والتي لو نظر مجلس محافظة البصرة لوجد أن نيران الغضب المنطلقة في تلك الأجواء هي المضرة، لأنها تورث الثأر، وموجهة إلى أناس صاروا رمماً، لكن الغضب الجمعي يتحول بطرفة عين إلى الجهة التي لا تنفعل لتلك النغمات.

اسم البصرة ليس مثلما ما ورد في المعاجم: "الحجارة"، كي تكون شديدة على أهلها بحرمة الغناء والموسيقى، إنما هو من متعلقات الماء، المعروف بليونته ويغرس المسامحة، فأصل الاسم آرامي، باء "بَصْرة" اختزال لمفردة "بيث" (بيت) الآرامية أو السريانية، ولعل لصاحب "مباحث عراقية" يعقوب سركيس (ت 1959)، السبق في هذا الكشف. قال: "زادني الإطلاع على كلمة بصرياثا في الذهاب إلى كون الكلمة (بَصْرة) آرامية، فسألت أحد عارفي اللغة الكلدانية فقال: بَصْر الجزء الضعيف، وبَصْريا، بصريى: الأقنية. وبيث صريى وباصريى وباصرا: محل الأكواخ" (مجلة سومر1948). وبعد حذف الألف من باصريى أو باصرا تصبح الكلمة بَصْرة بكل يُسر. دعوها لينة كاسمها، ولا تحرقوا ما تبناه "إخوان الصفاء"، شأنكم شأن مَن حرّم قراءة رسائلهم، وحرّم علم الكلام، وكل منتجات العقل! إن مثل هذا الإجراء الأناني يُجرئ على التعصب ويقود إلى التكفير، وبالتالي يُقدم الموت الطاحن بالتفجيرات ثمناً لشراء الجنة!

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com