معركة التقاط الأنفاس

بقلم: أحمد أبودوح

ما هذا الذي يحدث؟ أهي الحقيقة؟ أم هو الكابوس الذي لم تتمن الثورة يوماً أن تراه؟ هل من المعقول أن يكون الشعب هو من اختار لنفسه السيناريو الأسوأ؟ أم أنها المؤامرة التي لم أتمن يوماً أن أؤمن بها؟

في نهاية المطاف فإن النتيجة النهائية التي خرجت اللجنة العليا للانتخابات بها علينا هي صعود كل من أحمد شفيق ومحمد مرسي لجولة الإعادة وهي بالتأكيد النتيجة التي لم يتمن خروجها كل من يساند هذه الثورة، بل لم تتمنّها غالبية الشعب المصري التي اختارت أن تمنح أصواتها للثورة ممثلة في المرشحين حمدين صباحي وعبدالمنعم أبوالفتوح وخالد على والبسطويسي والحريري مجتمعين، ومن ثم فإن شكل الفترة المتبقية من المرحلة الانتقالية سوف يتحدد طبقاً لمدى تقبل هذه الكتلة الضخمة المكونة من هؤلاء الذين اختاروا تيار الثورة للنتيجة النهائية للانتخابات أو رفضهم لها.

ولكن تظل الحالة المسيطرة على البلاد الآن هي حالة الاستقطاب الانتخابي التي لا ترتبط بأي حال من الأحوال بالواقع السياسي أو بخريطة القوى الممثلة لأطياف المجتمع المصري المختلفة والتي لم تعد العملية الانتخابية تعبر عنها بعد خروج مرشحي الأغلبية دفعة واحدة من السباق، أي أننا نستطيع أن نقول إن مصر الآن سوف تدخل في "بيات ثوري" لفترة مؤقتة حتى تتمكن من الإنتهاء من حالة الزخم الانتخابي وما يصاحبه من حوار مجتمعي ـ أحياناً ما يتسم بالعنف والقسوة ـ وبعدها سوف تهيمن على الأجواء حالة من الترقب لطبيعة الأداء الجماهيري الذي سوف يعقب هذه المرحلة كرد فعل على النتائج النهائية للعملية الانتخابية وما أسفرت عنه من إعادة تشكيل لقمة هرم السلطة في مصر.

بالعودة إلى الواقع الذي نعيشه هذه الأيام، فإن وصول الفريق أحمد شفيق إلى جولة الإعادة يعد مثالاً واضحاً على رغبة قطاع عريض من أبناء الشعب المصري على إنهاء الحالة الثورية التي سيطرت لعام ونصف على مجريات الأحداث، واستسلام سريع لمخططات الدولة الأمنية في محاولاتها لاستمرارها في بسط سيطرتها على أحشاء الدولة وشرايينها بما يسمح بالإبقاء على الهيكل الرئيسي للنظام دون تغيير يذكر.

أما وصول الدكتور محمد مرسي إلى جولة الإعادة في مواجهة شفيق فهو يعني أن الثورة لم تتمكن بعد من ملء الفراغ القديم بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين بعد أن كان من المنتظر للقوى الثورية أن تنجح في الاستحواذ والسيطرة على هذا الهامش الناتج عن الصراع بين هذين القطبين ومحاولة توسيعه وتضخيمه حتى يتمكن من احتواء كل من لا ينتمي إلى هذا التيار أو ذاك.

لقد أتت الانتخابات الرئاسية لتمثل ملخصاً لحالة الصعود والهبوط في الرسم البياني لتوجهات الشعب المصري على مدار العام والنصف الماضيين، وهو ما أدى في النهاية إلى أن تظهر هذه الانتخابات في شكل حوار مجتمعي حول مضمون الدولة والطبيعة الجوهرية للنظام الذي سوف يتسلم السلطة فيها وليس شكلها المستقبلي فقط، إلا أن هذا الحوار قد أدى إلى إفراز نموذجين تجمع بينهما متشابهات عديدة تصل فيما بينها إلى حد التطابق أحياناً وهما الدولة الدينية والدولة الأمنية المستبدة، وهو ما سوف يؤدي بطبيعة الحال إلى إفراغ الثورة من مضمونها ولو بشكل مؤقت حتى تتمكن من استعادة عافيتها وتواجدها المؤثر في الشارع لكي تعود لتطيح بهذين النموذجين ـ اللذين لا يعبران عن تطلعاتها ـ بطريقة ديمقراطية كما نتمناها جميعاً.

أحمد أبو دوح