إنقاذ الثورة أم إنقاذ جماعة الإخوان

بقلم: د.يحيى القزاز

موقفي واضح، مكتوب ومعلن، ولن أقبل بنتيجة انتخابات تعلن فوز أحمد شفيق رئيسا للجمهورية مهما بلغت نزاهتها ولو وصلت 100%، وبالرغم من مقاطعتي في الجولة الأولى إلا أنني سأصوت في الإعادة لصالح د. محمد مرسي، وهي مسألة أخلاقية بالدرجة الأولى ولا علاقة لها بأدنى درجات الاقتناع، فالجماعة لا تعرف إلا مصالحها، وتنتفض عندما تمسها النار ولا تتحرك لإنقاذ غيرها عندما يحترق في آتونها.

عرفت الجماعة حجمها الطبيعي وتابعوهم من السلفيين، وتأكدوا أنهم ليسوا أغلبية، والشعب اختارهم في البرلمان لأن هويته إسلامية بلا جدال ولا مزايدة، وعندما اساءت الجماعة استخدام السلطة البرلمانية انفض الشعب من حولهم، وبعد أن حصلوا على 75% من الناخبين في البرلمان حصلوا على 25% في انتخابات الرئاسة.

أشعر بمرارة تفوق مرارة العلقم، وأنا أرى أحمد شفيق (من فلول النظام البائد) يدخل منافسا على رئاسة الجمهورية مع د. محمد مرسي الإخواني بعد حصوله على المركز الثاني في الانتخابات. وما كان ليحصل على المركز الثاني لولا مواقف الإخوان المخزية من الثورة، فكانوا أول من انقض عليها وغدر بها، وتاريخهم منذ نشأتهم يتسم بالانتهازية السياسية، اتفقوا مع ضباط ثورة يوليو ضد الأحزاب السياسية، ووافق الإخوان على حل جميع الأحزاب مقابل ألا تحل جماعتهم في عام 1953، وحاولوا الانقضاض على ثورة يوليو –كما انقضوا على ثورة يناير 2011- ولم يفلحوا ودفعوا الثمن. ومرت الأيام وقامت ثورة يناير وغدروا بها، وفازوا بالانتخابات البرلمانية بالتحالف مع السلفية السياسية وتحالفوا مع الجنزوري ودعموا وزارته بينما يستشهد الشباب برصاص الشرط المدنية والعسكرية جزاء رفضهم الجنزوري ووزارته، واعترف بذلك د.سعد الكتاتني في مقابلة تليفزيونية مع المذيع أحمد منصور في برنامجه "بلا حدود". ادعوا أن الشرعية للبرلمان وليست للميدان، وعندما تعطلت مصالحهم عادوا للميدان بدون اعتراف بالذنب.. المهم كانوا ضد الثورة، وسمحوا لشفيق بعبور قانون العزل السياسي الذي أقروه وطبقوه على الجنرال عمر سليمان فقط باعتبار أن شفيق ضعيف ولن ينجح في الحصول على صوتين ونسوا أو تناسوا جهاز الدولة الداعم للفلول وأعضاء الحزب الوطني المنحل في حالة بيات شتوي منتظرين صيف الانتشار والانقضاض. وافقوا على ترشح شفيق وبذلك أقروا بالمساواة بينه وبين المرشحين الثوريين، وبتلك المساواة يصبح لا فرق بين هذا وذاك، ومن يتذكر الثورة الآن ويريد إنقاذها فلماذا لم يتذكرها من قبل؟ وخاصة أن هناك قاعدة إسلامية يجب وأن يتذكرها المتاجرون بالدين تقول "درء المفاسد أولى من جلب المنافع" ولم يتحوطوا ويدرؤوا مفسد شفيق ويبعدوه، وكعادتهم عندما تمسهم النار يسارعون بالاستنجاد بالآخرين باسم الوطنية دونما حياء ولا اعتذار.

الإخوان بعدم رفضهم دخول شفيق الانتخابات وعدم تطبيق قانون العزل عليه أقروا بالمساواة بينهم وبينه وإلا لماذا قبلوا دخوله الانتخابات الرئاسية؟! الحديث من قبل الإخوان عن المفاضلة بين مرشح ثوري يريد التغيير وإنقاذ الثورة ومرشح قادم من رحم النظام الفاسد كلام فارغ ويثير الأعصاب، واين كانوا من ذلك وشفيق يتبجح ويترشح وهم الأغلبية في البرلمان؟ إذا كان شفيق قادم من رحم النظام الفاسد ومشاركا في الفساد فجماعة الإخوان كانت مهادنة للنظام الفاسد ويحبس أعضاؤها ثمنا لحماية مصالحهم الاقتصادية، وتصريحات قيادتهم المهادنة خير دليل على ذلك ايام مبارك المخلوع.

لا أظن أن أحدا خبرهم وعاشرهم وتعامل معهم يثق فيهم سياسيا، وعندما يتجاوزون أزمتهم ويحصلون على ما يريدون يلتفون وينطلقون كعادتهم ويتعاملون مع صاحب السلطة الأقوى. والسؤال الأهم هل مرسي من يحكم الدولة أم المرشد الذي بايعه مرسي؟ وما الفرق بين قسم الرئاسة وبيعة السمع والطاعة للمرشد؟ وهل تُحل الجماعة وتكتفي بالحزب حتى لا تكون دولة داخل دولة لها ذراع سياسي؟

الحل الوحيد للجماعة إن كانوا يعتبرون شفيق معاديا للثورة ومن الفلول هو ألا يمنحوه شرف المنافسة معهم على مقعد الرئاسة، ويجب وان ينسحبوا من الانتخابات ويدعون أنصارهم للنزول إلى الميادين وعمل مليونية كما قامت مليونية من أجل إسقاطه وقت أن كان رئيسا للوزارة في عهد مبارك، وقد حدث وسقط شفيق وأعاده الإخوان في انتخابات بعدم مد مظلة قانون العزل السياسي ليناله.

ما تسعى إليه الجماعة -بعد إعلان الإعادة بين مرشحها وشفيق- من ادعاء انقاذ الثورة وتشكيل مجلس رئاسي برئاسة د.مرسي وعضوية الأستاذ حمدين صباحي ود. أبو الفتوح هو التفاف واحتيال وعمل انتهازي بامتياز من الجماعة، وإن قبله صباحي وابوالفتوح فسيعود عليهما بالوبال وفيه شبهة انتهازية سياسية تمكنهم من الحصول على منصب في الجمهورية الثالثة، فأين كان جميعهم من إنقاذ الثورة وقت أن ترشحوا لانتخابات الرئاسة؟ أو لم يعرفوا أن الثورة في خطر؟! ولماذا لم يتحد الصديقان ويتنازل أحدهما للآخر لإنقاذ الثورة؟ لا أظن من يحصل على موقع مع مرسي سيكون ممن ينقذون الثورة بل ممن ينقذون أنفسهم ويحصلون على مناصب وعلى نصيبهم في الكعكة. ولا أدري كيف يغيب عليهم أنهم يشاركون في انتخابات تحت نظام مبارك ويدعون إنقاذ الثورة من شفيق؟

من يريد أن يدعم د.مرسي فليدعمه بلا مقابل، وهو موقف أخلاقي نبيل يليق بالداعمين، ولا يليق بجماعة انتهازية طوال عمرها، غرتها الأماني وفاخرت بأعدادها من المهمشين والفقراء. الإخوان بتصرفاتهم وغرورهم هم المتسببون دون غيرهم في عودة انتاج النظام القديم بإساءة استخدام سلطة البرلمان، وإعاقة مسيرة الثورة، والغدر بها والتنكر لثوارها.

أرجو من مرشحي الرئاسة وبالذات الأستاذ حمدين صباحي ود.عبدالمنعم أبو الفتوح ألا يشتركا مع مرسي في أكاذيبه وجماعته عن إنقاذ الثورة، فأنا أرى المطلوب إنقاذه هو وجماعته من مقاصل شفيق إن فاز بالرئاسة وأنا لست ضد مؤازرة الغريق حتى ينجو شهامة وكرما وليس طمعا في مناصب نائب الرئيس. سيسقط حمدين صباحي وأبو الفتوح من نظر أنصارهما لو قبلوا مناصب مع د.مرسي، يقفون معه كنوع من المؤازرة الأخلاقية، وليس اقتسام فتات ما يتركه مرسي وجماعته. اين كنتما قبل ذلك ولماذا لم تنقذا الثورة يا أيها الصديقين ويتنازل أحدكما للآخر؟ قد يحن د.أبوالفتوح لجماعته ويسجل نقطة لصالحه بوقوفه بجانبها في محنتها، قد يجني ثمارها لاحقا، ويضحي بمن انتخبوه نكاية في جماعة الإخوان.

إنقاذ الثورة يكون بالانسحاب والعودة للميدان حتى خروج شفيق من الانتخابات، نحن في ثورة، ولسنا في انقلاب لصالح جماعة ضد جماعة، وإلا كان المطلوب إنقاذ الجماعة وليس إنقاذ الثورة، فالثورة غدرت بها الجماعة، ولا بأس من إنقاذ الجماعة من حبل المقصلة. انقذوا الجماعة ولا تنخدعوا باتفاقات تلزمها بقواعد، فالشرط على الغريق لإنقاذه عمل غير أخلاقي وعديم الجدوى ممن لم يحترم عهدا وهو يدعي أن مرجعيته إسلامية.

د. يحيى القزاز