ليس بإسقاط المالكي وحده يحيا العراق

بقلم: انس محمود الشيخ مظهر

على الرغم من تأكيد الاطراف السياسية المشاركة فيه على مضيهم قدما في إجراءاتهم في سحب الثقة عن المالكي الان ان اجتماع النجف اظهر التردد الواضح في مواقف بعض المشاركين فيه القيام بهذه الخطوة نتيجة لتخوفات مرحلة ما بعد سحب الثقة ولوجود ضغوط ايرانية على بعض الاطراف السياسية المشاركة فيه لثنيهم عن الاستمرار في ضغوطهم في هذا الاتجاه.

المعطيات السياسية تشير الى ان الاطراف السياسية الثلاث (التحالف الكردستاني والعراقية والتيار الصدري) لا تشترك فيما بينها في مبررات سحب الثقة عن رئيس الوزراء، فالتيار الصدري وبالرغم من اختلاف الموضوعين من حيث المنطلقات الا ان اتهام الهاشمي في تورطه هو وجماعته في عمليات ارهابية جعل التيار يعيد حساباته مرة اخرى في اولوياته في امكانية فتح المالكي لكافة الملفات الممكنة ضد خصومه السياسيين بغية اضعافهم او استبعادهم والتخوف من فتح ملف مذكرة القاء القبض الموجهة ضد رئيس التيار الصدري مقتدى الصدر واتهامه بقتل عبدالمجيد الخوئي سنة 2003، وما اثار حنق الصدريين على المالكي ا كثر هو ادخاله جماعة عصائب الحق المنشقة عن التيار الى العملية السياسية الامر الذي اعتبره التيار تحديا له لما تشكل العصائب من احراج حقيقي للتيار وتهديدا لمكانته عند مقلديه.

اما القائمة العراقية وبالرغم من انها قد تبدو الاكثر تصلبا في مواقفها تجاه المالكي الا ان المشاكل التي بينها وبين المالكي لا تتعدى موضوع الخلاف حول المناصب الحساسة في الدولة، وفي الحالتين (حالة التيار الصدري والعراقية ) فان باستطاعة المالكي فتح باب الحوار معهما والتوصل الى تطمينات وحلول نهائية معهما الامر الذي يمكِن المالكي من التخلص من قضية سحب الثقة عنه وبشكل نهائي، وانا على يقين بان حال تأكد المالكي من جدية الاطراف في سحب الثقة عنه فانه مستعد لتقديم جميع التنازلات للطرفين الصدري والعراقية من اجل بقائه على سدة الحكم في بغداد.

ومن هذا المنطلق نستطيع ان نقول بان المشاكل الحقيقية هي تلك التي تتعلق بالتحالف الكردستاني مع المالكي والتي تتعلق بقضايا ما تسمى بالمناطق المتنازع عليها وكذلك صلاحيات الحكومة المركزية والاقليم فيما يخص الصناعة النفطية والقوات المسلحة وملف البيشمركة وملفات اخرى كثيرة والتي تتعدى موضوع المناصب والمصالح الشخصية بين الطرفين.و في حقيقة الامر فان هذه الملفات لا تتعلق بشخص المالكي فحتى لو تم اسقاط حكومة المالكي فان هذه المشاكل سوف تستمر بين المركز والاقليم مهما تعاقب الاشخاص على رئاسة الوزراء في العراق، لذلك فان الجهد الكبير لتحركات التحالف الكردستاني يجب ان لا ينصب في سحب الثقة عن المالكي وانما يجب ان يبذل في اتجاهات اخرى تكون حلولا لتداعيات مشاكل الملفات العالقة وليست حلولا للملفات العالقة نفسها بين المركز والاقليم.

- سواء بقي المالكي في السلطة او اسقط فان من اهم النقاط التي يجب على الاقليم التركيز عليها في هذه المرحلة هي ترتيب اوراق تحالفاته المستقبلية في الداخل العراقي واتجاهاته، هل هي باتجاه العراقية واحزابها ام باتجاه التحالف الوطني واحزابه وتكتلاته.. ولا اظن احدا ينكر انه وبالرغم من مضي تسع سنوات على تغير النظام البعثي في العراق وبدء العملية السياسية فان التحالف الوطني لم يكن جادا في حل المشاكل العالقة بين الاقليم والمركز وخصوصا ما يتعلق بالمناطق المستقطعة وهذا التأخير لم يكن لأسباب فنية مثلما يدعي ساسة التحالف الوطني بل كان الامر مقصودا لاستمرار المشاكل هذه والتي تخص في حقيقتها المكون السني العربي والمكون الكردي، وان أي حلول نهائية لهذه الملفات تعني حل للمشاكل بين الجانبين والذي يعني بدوره تحالفا متوقعا بين الطرفين (المكون السني العربي والمكون الكردي) مقابل التحالف الوطني واغلبيته السياسية في الحكومة وهذا ما لا يصب في صالح المكون السياسي الشيعي. وانطلاقا من هذه النقطة فان التحالف الكردستاني مدعو لمكاشفة الطرفين السني والشيعي في العراق ووضعهم امام مسئولياتهم في ضرورة حل هذه المشاكل ومن ثم التحرك على اساسها لبناء التحالفات وليس العكس. وللأسف فان ما يحدث الان هو ان التحالف الكردستاني ينجرف بعيدا في اتخاذ مواقف من هذا الطرف او ذاك من دون ان تكون هناك مواقف واضحة للأطراف هذه من الملفات الكردية.

- النقطة الاخرى التي على التحالف الكردستاني (والمتحالفين معه) الاهتمام بها اكثر من اهتمامه بسحب الثقة عن المالكي هي الحفاظ على العملية الديمقراطية في العراق والحيلولة دون رجوع اي نوع اخر من الدكتاتوريات سواء كانت دكتاتورية شخص او دكتاتورية طائفة، وسواء كان الدكتاتور هذا هو المالكي او غيره من مشاريع جاهزة للدكتاتورية في العراق. وهذا لا يتحقق بسحب الثقة عن المالكي وحسب بل صب الجهد الدبلوماسي والسياسي لتحديد فترة رئاسة الوزراء في ولايتين فقط وحشد الاصوات في البرلمان لهذا الشأن، وبذلك فحتى لو بقيت الملفات الكردية بدون حلول او سوِف فيها بين المركز والاقليم فان بقاء الديمقراطية في العراق سوف يمنع تهديد المنجزات الكردية والمكتسبات الكردية وكذلك المنجزات التي حققها العراق على هذا الطريق.

- العمل على اخراج المؤسسات الامنية والعسكرية من نطاق التبعية لأي حزب سياسي او طائفة سياسية بخطوات عملية وليس فقط بمقترحات نظرية، واخراج العناصر التابعة للمالكي والمعروفة بولائهم له ممن ادخلوا لهذه الاجهزة بشكل مخطط بغية السيطرة على كل المفاصل الحساسة في الدولة، بمعنى تطبيع المؤسسات هذه كما كانت عليها قبل اقتحام المالكيين لها في الفترة الاخيرة.

- محاولة توزيع مؤسسات الدولة ووزاراتها على مدن اخرى وعدم اقتصارها على العاصمة بغداد حيث ان وجودها بكاملها في العاصمة تعني بشكل او باخر امكانية السيطرة عليها من قبل مكون واحد وتسيير امورها بما ينسجم ومصلحة هذا المكوِن او ذاك وليس مصلحة العراق وشعبه ككل، وهذا لا يعني افراغ للعاصمة من اسباب وجودها على الاطلاق بل هي ديمومة لمكانة بغداد وذلك لان التركيبة السياسية في العراق وتعقيداتها وانعدام الثقة بين اطيافه تحتم على ساسته العمل وبكل الوسائل من اجل ارجاع الثقة بين هذه المكونات بغية العمل بروح الفريق الواحد رغم اختلاف الانتماءات الطائفية او العرقية او حتى الحزبية.

- العملية السياسية في العراق لا تعاني من معادلة توافقية واحدة وانما من معادلتين توافقيتين معقدتين وهما اولا التوافق الموجود بين القوائم الشيعية والسنية والكردية والتي تأسست العملية السياسية على ضوئها، وثانيا التوافق الموجود في داخل قائمة التحالف الوطني والذي يعتبر الخطر الحقيقي على سيادة العراق. وقد يقول قائل ان التوافقات الداخلية داخل القائمة الواحد ة موجودة داخل القوائم الاخرى ايضا وليس التحالف الوطني فقط، ونقول نعم التوافقات موجودة في كل القوائم ولكن ما يميز التحالف الوطني هي انها القائمة التي تمثل الاغلبية الشيعية في العراق والتي قامت العملية السياسية على ان تكون رئاسة الوزارة من حصتها والسبب الاخر والذي لا يمكن انكاره هو ان هذا التحالف الوطني يعاني من تدخلات ايرانية بشكل واضح مما يؤدي الى ان تكون كل الاتجاهات السياسية الموجودة داخلها مرهونة بالإرادة الايرانية التي تضع الجهة الاكثر ولاء واطاعة لها في صدارة التحالف ويكون مرشح رئاسة الوزراء منها وبذلك فان كل الأحزاب المنضوية تحت قائمة التحالف الوطني تتجنب البقاء خارج بركات التأثير الايراني وبالتالي تقع فريسة الدوامة الايرانية التي تتحكم بهذه الاحزاب شاءت ام ابت.وهذا ليس اتهام للأحزاب الشيعية بقدر ما هي قراءة للواقع الشيعي السياسي في العراق والذي يعتبر الجانب الايراني حليفا له امام القوة الاخرى في العراق والتي تمثل القوة السنية المستقوية بالدول العربية.

واذا ارادت الاطراف العراقية الاخرى الغير شيعية سواء كانت الكردية ام السنية العربية التخلص من هذا التأثير الايراني فعليها استقطاب الاطراف الفاعلة في التحالف الوطني كالتيار الصدري والمجلس الاعلى وتفكيك ما يسمى البيت الشيعي ليس في سبيل اضعاف القوة الشيعية في العراق بل من اجل تضعيف التأثير الايراني عليها والاخذ بيدها لتتحرر من عقدة الخوف من كل ما هو سني في داخل العراق وخارجه.

- الاستمرار في المطالبة بتطبيق المادة 140 من الدستور والمتعلقة بالمناطق المتنازع عليها وفي نفس الوقت البحث لإيجاد حلول بديلة عن هذه المادة في حال التماطل في تطبيقها وعدم الاقتصار في حل اشكالية المناطق المتنازع عليها فقط، والخروج لافاق اخرى لحل هذه المشكلة، وهذا لا يعني عدم الاصرار على تطبيق المادة 140 وانما ايجاد بدائل ترفدها بالقوة وتجعل المماطلة في تنفيذها غير مجدية من قبل الاطراف الاخرى وهناك الكثير من الحلول الاخرى لمشكلة المناطق المتنازع عليها لا اظن الطرف الكردي بغافل عنها.

انس محمود الشيخ مظهر

كردستان العراق – دهوك

Portalin2005@yahoo.com