في أعماق الصحراء يرددون: مدد يا شاذلي

كتب ـ محمد الحمامصي
اعرف الله وكن كيف شئت

مع بداية شهر ذي الحجة يشد العديد من الناس رحالهم قاصدين حميثرا، حيث مقام الولي المتصوف الكبير أبى الحسن الشاذلي، في رحلة موازية ومناظرة لرحلة الحج إلى الأراضي المقدسة وزيارة المدينة المنورة، حيث قبر الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، فالمعتقد الشعبي الذائع الصيت بين عوام الناس وكثير من دراويش المتصوفة الفقراء، أن الحج وزيارة مقام الشاذلي لسبع مرات يقابل حجة للبيت الحرام.

حول المكان، حميثرا والمقام والقادمين والطقوس التي تجرى وخصائص المولد، وحياة ورحلة الولي المغربي يقوم كتاب "في رحاب الصحراء.. مدد يا شاذلي" للكاتب الروائي أحمد أبو خنيجر، والصادر عن سلسلة الإصدارات الخاصة بالهيئة العامة لقصور الثقافة، مصحوبا بملزمة ملونة من الصور الفوتوغرافية التي التقطها بنفسه للعديد من المظاهر التي تجرى داخل صحراء البحر الأحمر بصعيد مصر والمعروفة بحميثرا.

قسم الكاتب كتابه إلى ثلاثة فصول تسبقهم مقدمة حول التصوف وطبيعته ورحلة الإنسان للتعرف على ذاته عبر محاولاته الدءوبة للتواصل مع الله، عبر حالات الحلول والتوحد والخلوة والأذكار والطقوس والأدبيات والمرجعيات الصوفية عبر تاريخ التصوف منذ دخوله مصر على يد زنون المصري مع نهاية القرن الثالث الهجري، مرورا بقرني التصوف: الرابع والخامس. وتكوين الطرق الصوفية الكبرى المعروفة الآن: الشاذلية والبدوية والرفاعية والدسوقية والجيلانية، كل طريقة تنتسب لوليها الذي أخذت اسمها منه.

في الفصل الأول من الكتاب والمعنون بالطريق والمصدر بمقولة للشاذلي، يستعرض الكاتب الطرق التي تقود الذاهبين لحميثرا، القادمين من الصعيد والوادي عبر الطريق الغربي، وأيضا القادمين من الدلتا وشمال مصر عن الطريق الموازى للبحر الأحمر ثم نزولا لقلب الصحراء، من ناحية مرسى علم ليلتقى الجميع عن منطقة سيدي سالم لينطلق الجميع نحو حميثرا، يستعرض الكاتب حكاية الطريق والإعدادات للرحلة الطويلة والشاقة، وحالة الأخوة والمودة التي تحل على جميع الذاهبين للمقام، حكايات كثيرة عامرة بالدفء والدلالة، وحكايات عن المقامات الصغيرة لصغار الأولياء المنتشرة على جانبي الطريق في قلب هذه الصحراء القاحلة.

وعلى شكل مواز يفرد الكاتب في ختام فصله صفحات لمقتطفات من حياة الولي المغربي ورحلته الخاصة من بلدته المغربية وتعلمه ومعاناة بتونس، حتى إقامته بمصر ومصاحبة الناس له، ورحلات الحج المتكررة التي كان يذهب لها عبر الطريق البري وميناء عيذاب على البحر الأحمر، ثم العبور لجدة على الناحية الأخرى من البحر.

في الفصل الثاني المعنون بوادي الشاذلي، يصف الكاتب المكان خلال النهار وما يدور به من طقوس وأحداث وحكايات، والدورة وألعاب الرفاعية وحميثرا وجبل المظلوم، والمقام ودعاء القادمين.

وفي الفصل الثالث: ليل السحر والذكر، يسرد الكاتب ما يجرى بالليلة الختامية وما بها من بهاء الأذكار والتواشيح وزحمة المولد وتنزل البركات.

يقول أبو خنيجر "يأتي الناس إلى مقام الولي الكبير أبي الحسن الشاذلي بمقاصد مختلفة ومتنوعة، فالحالة مولد، واحتفال بولي، لذا ستجد النشاطين الديني والدنيوي متجاورين، متلازمين، فبينما الساحات عامرة بالذاكرين والمريدين، ستجد الطرق مرصوفة بالباعة، الذين يبيعون الأقمشة والمأكولات والمشروبات الغازية، وأيضا اللعب والهدايا الرخيصة، والكتب الدينية المليئة بحكايات وكرامات الأولياء وخوارقهم، وبعض التفاسير الخفيفة والأذكار، وصور الأولياء، وأشرطة الكاست لكبار المنشدين: ياسين التهامي وعبدالنبى الرنان، وأحمد برين، وحنان النيل، ومحمد العجوز، وأحمد التوني، وأمين الدشناوي وغيرهم؛ وقبل هذا وبعده، باعة الحلوى والفول السوداني والحمص؛ ولن تعدم وجود اللصوص والحلاقين والشحاذين وقراء الطالع والحالمين، والمرضي الذين جاءوا بغرض التبرك طلبا للشفاء، وأيضا بعض الأجانب والقادمين من دول أخرى، وبعض دارسي الفلكلور، والمتصوفة الجدد.

ويصور الكاتب المكان الذي يقع في المقام قائلا "يقوم المقام بين جبلين، في وادي ضيق، هو وادي الشاذلي، المكان شبه مغلق، من الغرب يقف حميثرا، الجبل بشموخه ووعورته المستمدة من جبال البحر الأحمر، ومن الشرق يناظره جبل المظلوم، وفي الجنوب سلسلة من الجبال القصيرة نوعا، يقوم المقام بوسط الوادي، محتميا بظل الجبلين، فالقادم لن يأتي إلا عن طريق الشمال، عن طريق مدق متلوي يسير كلما سنحت له الجبال بذلك، قادما من عند سيدي سالم، الولي الذي أقام مريدوه مقامه على الطريق الواصل بين مدينتي: مرسي علم، وإدفو، كأنما هو نقطة الانطلاق نحو مقام الولي الكبير: الشاذلي".

ويضيف عن رحلة الزائرين "العربات القادمة من الشمال عن طريق البحر الأحمر، أو القادمة من عمق الوادي والصعيد عن طريق إدفو، تتجمع كلها عند سيدي سالم، تقف للتبرك، ولتأخذ قسطا قليلا من الراحة قبل أن تقطع المسافة المتبقية جنوبا والتي تقترب من 120 كليو مترا، تبعد سيدي سالم حوالي 60 كيلومترا عن سواحل البحر الأحمر، طوال الطريق لن تلمح سوى الجبال العالية والتي يغلب عليها اللون الوردي وبعض أشجار صحراوية قليلة ومتناثرة، لن تعدم وجود جمل أو اثنين، وبعض بيوت أهل الصحراء، بيتين أو ثلاثة، بينما مسافة بعيدة، بيوت بنيت من الخشب وبعض الحجارة والوبر".

ويتساءل الكاتب عن السبب الذي أتى بالولي الكبير إلى هذه البقعة المقفرة؟ ويقول "هو علي عبد الله بن عبدالجبار المولود بقرية غمارة القريبة من مدينة سبتة المغربية سنة 593 هـ، وينتهي نسبه إلى الإمام الحسن بن على رضي الله عنه، اكتسب لقبه: الشاذلي. من قرية شاذلة التي بدا فيها بالوعظ والتعليم، فذاع صيته وعليت شهرته، وقد حكي أنه سأل ربه لِمَ سميت الشاذلي، ولست بشاذلي، فقيل له: يا علي إنما أنت الشاذّلي، بتشديد الذال، يعني المفرد لخدمتي ومحبتي. يقدم إلى مصر سنة 642 هـ ويكثر الإتباع حوله، ليقود جيش الدراويش في الحرب ضد الصليبيين في معركة المنصورة، تحت قيادة شيخ الإسلام: العز بن عبدالسلام؛ في أواخر حياته يفقد بصره لكنه يظل على حاله الدائم من الحركة والذهاب للحج، ولما كان طريق الشمال الذاهب لمكة قد قطع بسبب الصليبيين، فكان الذهاب للحج يتم عن طريق ميناء عيذاب، التي هي مدينة القصير حاليا على البحر الأحمر، في سنة 656 هـ توافيه المنية وهو بقلب الصحراء، عند حميثرا، يقال إنه قادهم نحو هذا المكان البعيد عن طريق عيذاب، كان قد دعا الله أن يدفن بأرض لم يعص الله فيها، وكانت حميثرا التي وصلها هو صحبته ليلا، وحطوا رحالهم بجوار البئر التي سوف تعرف باسمه، بئر شاذلي، في ليلته يختلي بتلميذه وصفيه أبى العباس المرسي، يوصيه بدفنه هنا، ثم يوصي أتباعه: إذا أنا مت فعليكم بأبي العباس المرسي، فإنه الخلفية من بعدي. ومع إن للشيح أولادا ذكورا، لم يستخلف واحدا منهم، كما يفعل رجال الطرق الآن، لكنه أختار الأنسب والأكثر علما.

من أقواله الإمام التي يوردها أبو خنيجر "اعرف الله وكن كيف شئت". وأيضا: "استعذ بالله من شر الدنيا إذا أقبلت، ومن شرها إذا أدبرت، ومن شرها إذا أنفقت، ومن شرها إذا أمسكت". ولم يترك كتبا أو أشعارا، لكنه ترك الكثير من الأذكار والأوراد والأحزاب: حزب البحر الكبير، والحزب الصغير، وحزب الشاذلي، وحزب الفتح، يمكن أن تجد أثرها عند بن عطاء الله السكندري في الحكم.

وعن الاحتفال بالمولد يقول: "الاحتفال ليس بيوم ميلاد الولي، لكن في ذكري وفاته، أي الأيام السابقة للحج، حيث تبلغ ذروة الاحتفال في الليلتين التاسعة والعاشرة من ذي الحجة، طوال اليومين يصعد خلق كثير حميثرا، رغم الوعورة والصعوبة لن تعدم وجود الكبار رجال وسيدات وأطفال وشباب وأحبة، الكل يصعد للقمة، يطوفون حول راية الشاذلي، البعض يلتقط الأحجار الصغيرة ويبنيها فوق بعضها، بناءً مدورا، كل حجر تقابله أمنية يبتهل بها، والبعض يأخذ قبضة من الرمال أو التراب من حول العلم تبركا، والبعض يقف للصلاة، وآخرين يرفعون أيديهم بالدعاء.

"شاذلي يا أبو الحسن" هذا هو النداء الذي يردده الجميع، خاصة الطوائف والطرق الصوفية التي تخرج من ساحاتها المبنية قريبا من المقام، تحمل البيارق بين غناء القصائد وترديد الابتهالات، تخرج كلها بعد صلاة العصر، فيما يسمى بالدورة، وتتجمع حول المقام، القائم بسرة الوادي، حيت تلتف كل جماعة وتؤدي أذكارها توقيعا وغناءً ورقصا بالبيارق، بينما السادة الرفاعية قد أخذوا في إظهار مواهبهم مع المسامير التي تخترق أجسادهم والسيوف التي تضرب البطون، ويمر فوق الراقدين على حد السيف الموضوع على البطون واحد منهم، بينما الحقلة تجلجل "شاذلي يا أبو الحسن"؛ أيضا ستجد بعض النسوة قد وضعن طبقا به حناء فوق رأس واحدة منهن، ذاهبات نحو المقام، معهن عرائس ومن يرغبن في الزواج، وغنائهن على الدف والطبلة "شاذلي يا أبو الحسن". ليتم توزيع الحناء على الجميع داخل المقام؛ وذبائح تنحر على العتبة وتغمس الأيادي في الدم الساخن وتطبع على الملابس والوجوه والحوائط.

بعد صلاة العشاء تستعد الساحات لاستقبال الذاكرين وكبار المنشدين والمداحين، كل ساحة استقدمت شيخا شهيرا ليصدح طوال أيام الاحتفال بالقصائد والأوراد وقص كرمات الأولياء، لن يفرغ المديح وينفض إلا عند ارتفاع صوت المؤذن بنداء صلاة الفجر، والتي بعد أدائها سيهرع الكثير لمغادرة المكان للحاق بأيام العيد بين الأهل والرفاق.