أصحاب الواحدة: تراجيديا فحول الشعراء العرب

دمشق
اليتيمات والمنسيات من الشعر العربي

يأخذنا الباحث العراقي محمد مظلوم في كتابه الجديد "أصحاب الواحدة" الصادر حديثاً عن منشورات الجمل إلى مختارات من الشعر العربي محققاً كتابه بالاعتماد على شعراء القصيدة الواحدة التي تنسب عادةً إلى شاعر لم يقل سواها، حيث لا تقتصر هذه القصيدة الواحدة على أن تكون هوية نهائية لشاعرها بل إن أغلب القصائد يتنازع عليها عدة شعراء، إذ ينسب بعضها إلى أكثر من شاعر لتتداخل فيها الأبيات الأصلية بالأبيات المنحولة.

ويقول مظلوم في مقدمته.. يأتي هذا الكتاب لفك الالتباس الذي لحق بمفهوم القصيدة الواحدة من أجل الدخول إلى مناقشته بوصفه مصطلحاً يجرى تداوله أحياناً في غير المغزى الذي وضع من أجله، فمصطلح أصحاب الواحدة هو تعبير نقدي ولد أساساً في سياق تطور النقد العربي القديم في جهوده لإيجاد مفاهيم خاصة يشير بها إلى توصيف نموذج شعري محدد لشاعر ما اكتملت فيه شروط الجودة والفرادة فميزته عما سواه من نماذج أخرى للشاعر نفسه.

ويوضح الكاتب أن أغلب أصحاب الواحدة هم من هوامش الناس من صعاليك ومتصوفة ولصوص ومجانين ومنفيين وشعراء مغمورين ومغامرين ومنبوذين وعشاق مقهورين من عوام الناس في عصرهم، فهم ليسوا بشعراء بلاط ليذهب شعرهم في البلدان وبفعل مدائح جرت بها ألسنتهم فجرت معها شهرتهم في الآفاق إذ أن ظروف حياة أولئك الشعراء بما عاشوه من تراجيديا وموت مبكر ونفي وابتعاد عن ثقافة المركز هي السمة المميزة التي جعلت من أخبارهم قليلة وأسهمت في ندرة أشعارهم لتجعل من قصائدهم نماذجاً فذة في الحب والحرب والموت والوحشة.

ويعود مصطلح أصحاب الواحدة إلى ابن سلام الجمحي حيث أول ما ورد في كتابه طبقات فحول الشعراء وكان يعني به الشعراء الذين أجادوا في قصيدة واحدة مع أن لهم قصائد أخرى كثيرة أو قليلة وعلى هذا المعيار الخاص جعل ابن سلام معلقة عنترة بن شداد الميمية واحدته لأنه نادرة برأيه على الرغم من أن له شعراً كثيراً إضافة إلى أنه رأى أن طرفة بن العبد أشعر الناس واحدة بمعلقته المشهورة إذا ما قورنت معلقة هذا الشاعر بأفضل واحدة لأي شاعر آخر غيره.

ويستشهد مظلوم بقصيدة طرفة بن العبد مبيناً أنها الأطول من بين المعلقات فقد بلغت في جمهرات القرشي مائة وعشرين بيتاً لتشكل أكثر من ربع شعر طرفة كونها قصيدة قالها وهو في العشرين من عمره لتكون وعداً شعرياً بشعر آتٍ وخرقاً واختلافاً مبكراً عن السائد والمعهود إذ بلغ بحداثة سنه ما بلغ القوم في طول أعمارهم.

والملاحظ في كتاب "أصحاب الواحدة" أن مظلوم انتقى مختاراته مرتكزاً على شروط نقدية معتبراً الواحدات كمعلقات إضافية إلى جانب المعلقات المشهورة في الشعر العربي على نحو الأصمعيات والمفضليات والحماسات فأصحاب الواحدة وفق مفهوم النقد العربي الكلاسيكي هم شعراء أتوا بالعجائب والفرائد من الشعر في قصيدة أو بضع قصائد إذ ان أغلبهم ليسوا في عداد الشعراء الفحول لكنهم أجادوا إجادة لافتة في قصيدة معينة فذاعت شهرتهم بها.

ويورد الكاتب مظلوم واحدات أنفق شعراءها وقتاً طويلاً في صياغتها وإعادة بنائها حتى أصبحت ديوان حياتهم ومرآة شخصياتهم عبر أطوار شتى كما هو الحال في يتيمة سويد بن أبي كاهل التي تخضرمت بين العصرين الجاهلي والإسلامي، وواحدة توبة بن الحمير التي تؤكد كتب النقد العربي عن بدايات متعددة لها إضافة إلى قصائد يتيمات أخريات كيتيمة دوقلة ويتيمة ابن زريق ويتيمة خالد القناص.

واشتملت مختارات الكتاب قصائد من جميع عصور الشعر العربي منذ العصر الجاهلي مروراً بالعصور الإسلامية.. عصر الرسالة والخلافة والعصرين الأمويين والعباسي وصولاً إلى العصور المتأخرة الأيوبي والمملوكي انتهاء إلى العصر الحديث كما تغطي هذه المختارات لأصحاب القصيدة الواحدة خريطة الشعر العربي التقليدية من بغداد شرقاً إلى الأندلس غرباً.

ونقرأ في الكتاب العديد من القصائد اللافتة على نحو قصيدة لقيط بن يعمر الإيادي والأفوه الأودي وأبو صخر الهذلي ومالك بن الريب وسحيم الحبشي وابن أبي السعلات والأحيمر السعدي وصالح بن عبد القدوس والصمة القشيري وكعب الغنوي والأسود بن يعفر وعبد يغوث الحارثي وأبو البقاء الرندي وقصائد أخرى مختلفة.

ويذكر أن كتاب "أصحاب الواحدة".. اليتيمات والمشهورات والمنسيات من الشعر العربي يقع في 232 صفحة من القطع المتوسط وقد نشر أجزاء منه في كتاب في جريدة عن صحيفة تشرين السورية ومحمد مظلوم من مواليد بغداد 1963 خريج قسم الدراسات الإسلامية بجامعة بغداد عام 1987 وهو شاعر وكاتب وناقد من مؤلفاته غير منصوص عليه.. ارتكابات.. المتأخر.. عابراً بين مرايا الشبهات.. النائم وسيرته معارك.. أندلس لبغداد.. فقهاء المارينز وأهل الشقاق.(سانا)