تاريخ الإخوان المسلمين(4): من خيانة الملك فاروق إلى محاربة الاتحاد السوفييتي

بقلم: د.سالم حميد

كانت الخلايا السرية لتنظيم الإخوان المسلمين في مصر تتكون من مجموعات يبلغ عدد أفرادها من خمسة إلى سبعة أعضاء، يخضعون مسبقاً لتدريبات عسكرية، ثم يوجهون للانضمام في منظمات أخرى معنية في مختلف الشؤون الحياتية، ومنها الدينية والرياضية والشبابية، أي أن تنظيم الإخوان كان متغلغلاً في كافة شؤون حياة المصريين.

من جهتها، أثنت بريطانيا، عبر سفارتها في القاهرة، على هذا النمو الإخواني الكبير، وكانت على تواصل مستمر مع جماعة الإخوان.

ومن مظاهر قوة جماعة الإخوان، أنها هي من قامت باختيار رئيس الوزراء المصري بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث تم اختيار إسماعيل صدقي باشا، الموالي لها، والذي قدم لها بدوره معسكرات التدريب العسكري، وذلك بسبب حالة الحرب المشتعلة ما بين الحكومة المصرية والشيوعيين، التي اقتضت الاستعانة بالإخوان.

الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، كان أحد أعضاء حركة الإخوان، ثم انضم إلى جمال عبدالناصر عام 1949 في تنظيم "الضباط المصريين الأحرار"، واستطاع هذا التنظيم الاستيلاء على الحكم وإلغاء عهد الملكية في مصر، وهو العهد الذي عاش فيه المصريون أجمل أيامهم قبل استيلاء العسكر على الحكم.

ورغم دعم الملك فاروق غير المحدود لهم، آثر الإخوان التنكر لفضله والتخلي عنه، مع العلم أن تنظيم الضباط الأحرار نفسه كان يضم عدداً من الإخوان، وكان أنور السادات هو الوسيط ما بين الجماعة والضباط الأحرار.

يُذكر أن السادات تم اختياره شخصياً من قبل حسن البنا عام 1945 ليكون عضواً في الضباط الأحرار، هذا بالإضافة إلى ضباط آخرين. ولكن جمال عبدالناصر لم يدرك مدى خطورة الإخوانيات إلا في الخمسينات، عندما علم أن للإخوان علاقات مباشرة مع الاستخبارات البريطانية والأميركية والسوفيتية والفرنسية.

القضية الفلسطينية، كانت الورقة الرابحة بالنسبة للجماعة، واكتسبوا الزخم لدعوتهم بفضلها، إذ لعبت الحروب العربية اليهودية دوراً في تفشي الفوضى في الوطن العربي بعد هزيمة الجيوش العربية أمام إسرائيل، بينما ظل الإخوان مستمرين في بناء وحداتهم الشبه عسكرية والمدعومة من بعض الدول العربية، وكانت القضية الفلسطينية الدعاية التي استغلاها الإخوان لترويج أنفسهم سعياً وراء السلطة.

وظل البريطانيون يدعمون إخوان مصر ويعززون علاقاتهم بنظرائهم في الوطن العربي، وخير مثال على ذلك مفتي القدس أمين الحسيني، الذي يعود تاريخ تعاونه مع الإخوان بوساطة انكليزية إلى العام 1935 عندما تم ترتيب لقاء بينه وبين عبدالرحمن شقيق حسن البنا، وتم الاتفاق بينهما على تعزيز الأصولية الإسلامية بمباركة بريطانية بهدف القضاء على القومية العربية أو أية قوى عربية أخرى كالشيوعية أو اليسارية أو العلمانية.

والغريب أن إسرائيل هي الأخرى دخلت الساحة الأصولية وقررت دعم الحركات الإسلامية للقضاء على القومية العربية، نظراً لخطورة الدعوة القومية على أمنها، وبسبب هذا التخوف كانت الجماعة تحقق قفزات متتالية، ونجح سيد رمضان، صهر حسن البنا، في تشكيل أفرع للإخوان في فلسطين والأردن ولبنان وسوريا، بدعوى الإعداد لمحاربة إسرائيل، وذلك ما لم يتم!

يُعرف عن أمين الحسيني كرهه لليهود، وسبق للزعيم النازي ادولف هتلر استقباله لدعم القضية الفلسطينية، ويُذكر أنه درس في الجامع الأزهر، ولكنه فشل في إكمال دراسته، ثم عمل مترجماً لوكالة رويترز للأخبار في القدس، وتعرض للاعتقال عام 1920، ولكن البريطانيين اطلقوا سراحه، ثم قاموا بترقيته وتعيينه مفتياً للقدس رغم أنه لا يتمتع بمؤهلات علمية!

بل أن البريطانيين قاموا بتزوير الانتخابات بقصد تعيينه مفتياً عام 1921، ولكنه اقيل من هذا المنصب عام 1937 بعد اكتشاف علاقته مع النازية الألمانية، ولكن البريطانيين سرعان ما قاموا إثر الإقالة بإنشاء "المجلس الإسلامي الأعلى" عام 1938 وعينوه رئيساً عليها، وكان المجلس مسؤولاً عن الأوقاف الإسلامية.

وسبق للحسيني إقامة مؤتمر إسلامي في القدس عام 1931 بدعم مباشر من جماعة الإخوان، ثم سافر إلى بلدان عدة لجمع المال وحشد الدعم، وقبل ذلك كان مسؤولاً في برلين عن النشرات الألمانية الدعائية المؤيدة لهم في منطقة الشرق الأوسط، كما ساهم في تأسيس شبكة من الجواسيس، كان أغلبهم من البوسنيين المسلمين، ولكنه غادر ألمانيا بعد انهزامها في الحرب، وذهب إلى فرنسا، لكن البريطانيين قرروا استغلال نفوذه ودعايته السياسية بدلاً من اعتقاله، فأرسلوه إلى مصر عام 1946 في ضيافة الملك فاروق.

من المهام التي أوكلتها الاستخبارات البريطانية للحسيني الاشراف على محطة الشرق الأدنى الإذاعية، وقد انبهر البريطانيون بكفاءة الحسيني في حشد عواطف الناس، وفي العام نفسه قام الحسيني وحسن البنا بتشكيل قوات شبه عسكرية تحت مسمى "المنقذين"، بلغ تعدادها نحو 10 آلاف فرد مسلح، وفي عام 1947 عاد الحسيني إلى غزة ليعلن قيام الدولة الفلسطينية وينصّب نفسه رئيساً لها.

لكن الحسيني لم يهنأ كثيراً بذلك التنصيب بعد هزيمة الجيوش العربية 1948 أمام إسرائيل، فقام الإخوان على الفور باستغلال الهزيمة لإشاعة الفوضى والخراب في مصر، لتنتهي سنوات العسل بين الملك وبين الإخوان الذين فضلوا الانقلاب عليه.

أعلن الملك حظر تنظيم الإخوان، فكانت ردة الفعل الإخوانية عنيفة، وقاموا باغتيال رئيس الحكومة المصرية محمود فهمي النقراشي باشا في العام نفسه 1948، فقرر الملك الانتقام بترتيب عملية اغتيال حسن البنا وذلك في يناير 1949.

عملية اغتيال البنا لم تؤدِّ إلى إنهاء الحركة الإخوانية، لأنها حركة ذات أساس قوي، وضعها البنا بأذرع أخطبوط؛ إن قطعت له ذراعاً فسيضربك بأخرى، وقام الإخوان فوراً بتعيين حسن إسماعيل الهضيبي مرشداً أعلى، فقام بتقوية علاقاته مع جميع أجزاء الهيكل السياسي المصري وتحديداً حركة الضباط الأحرار، والتي تمكنت بفضل الدعم الإخواني من إنهاء الملكية المصرية عام 1952.

كما كان لسيد رمضان دور مهم في بقاء الحركة الإخوانية بعد اغتيال البنا ودعم المرشد الجديد، إذ قام بتقوية علاقاته الخارجية للحصول على الدعم المالي السخي من بعض الدول العربية خاصة السعودية، التي كانت تخشى الشيوعية هي الأخرى، وكان البنا قبل اغتياله معتاداً على الذهاب إلى السعودية من أجل المال.

من جهة ثانية، كان الدبلوماسيون الأميركيون في مصر والسعودية على اتصالات دائمة مع الإخوان، وهذا ليس بالأمر المستغرب بعد أن وصل عدد الإخوان في مصر وخارجها إلى ملايين الأعضاء، وانجذبت الولايات المتحدة لهم بسبب مناهضتهم للحركة الشيوعية "الملحدة".

سبق أن ذكرنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة أن الولايات المتحدة كانت ضعيفة أكاديمياً بعد الحرب العالمية الثانية في شؤون الشرق الأوسط، فكانت الاستخبارات الأميركية تعمل على توظيف المتمكنين من اللغة العربية كضباط استخبارات على الطريقة البريطانية، ونظراً لتعرض جميع دول الخليج العربي للاحتلال البريطاني باستثناء السعودية، فقد كانت نقطة الارتكاز الأميركية في المنطقة اثناء الحرب الباردة هي السعودية، وثانياً من أجل النفط السعودي، حيث تم توقيع أول اتفاقية نفطية بين السعودية والولايات المتحدة عام 1933.

وقد لعب دور الوسيط العميل البريطاني المعروف بعبدالله فيلبي، واسمه الحقيقي هو هاري سانت جون بريدجر، وتحوله إلى الإسلام لم يكن إلا ظاهرياً فقط من أجل تحقيق غاياته، فمعروف عنه انه كان ملحداً عندما درس في جامعة كمبريدج، واستطاع على مدى السنوات اللاحقة تحقيق العديد من المكاسب المادية من أعمال تجارية، فكان أول وكيل لسيارات فورد الأميركية في السعودية، ووكيلاً لشركة النفط "ستاندر اويل اوف كاليفورنيا"، هذا بخلاف العطاءات المجزية التي منحه إياها الملك عبدالعزيز.

وفي ظل التنافس البريطاني الأميركي على نفط الشرق الأوسط، وافقت بريطانيا على تنازلها عن النفط السعودي لأميركا شريطة استحواذها وحدها على نفط الخليج والعراق وإيران.

عمل سيد رمضان بإخلاص وتفانٍ من أجل الحركة الإخوانية، خاصة بعد استيلاء جمال عبدالناصر للسلطة في مصر، وكانت السعودية أحد أهم الداعمين له، وذلك بعد بروز السعودية بعد الثروة النفطية كقوة إقليمية منافس لمصر في المنطقة العربية، كما قامت الولايات المتحدة هي الأخرى بتعزيز دور سيد رمضان، وقام الرئيس الأميركي دوايت ايزنهاور باستقباله في البيت الأبيض عام 1953، وكان رمضان حينها يبلغ من العمر 27 عاماً فقط، وتوفي عام 1995 في سويسرا.

من المرجح أن سيد رمضان وُلد عام 1926، وفي عام 1946 قام حسن البنا بتعيينه سكرتيراً شخصياً، وكذلك محرراً في جريدة "الشهاب" الإخوانية، ثم توطدت علاقته أكثر بالبنا وأصبح اكثر قرباً منه بعد زواجه من ابنته، وفي عام 1945 سافر إلى القدس ولاحقاً إلى عمّان ودمشق وبيروت من أجل افتتاح فروع مراكز الإخوانيات في تلك المدن.

وتعتبر حركة "حماس" الفلسطينية أول مركز إخواني يتم افتتاحه في القدس عام 1945، مع العلم أن اسم "حماس" لم يتم اعتماده لمقر الإخوان الفلسطيني إلا في حلول ثمانينات القرن الماضي، وفي العام 1947 وصل عدد مكاتب الإخوان في فلسطين إلى 25 مكتباً، وبلغ عدد افراده نحو 20 ألف فرد، وكل ذلك في فترة قصيرة بسبب دهاء سيد رمضان.

ولم يكتفِ رمضان بالعواصم العربية، بل اتجه أيضاً إلى الدول الإسلامية ومنها باكستان، حيث نجح في تأسيس حركة إخوانية باكستانية بزعامة أصولي اسمه أبوالأعلى المودودي، ونال رمضان الكثير من المساحة الإعلامية الباكستانية وعاش هناك بعد اغتيال البنا، ولم يعد إلى مصر إلا في العام 1950، ولكن قبل عودته إلى مصر كان رمضان قد نجح في تأسيس كتيبة عسكرية من الطلبة الأصوليين تحت اسم "تنظيم الطلبة المسلمين"، وعلى مستوى الأردن وفلسطين نجح رمضان في تأسيس حركة شبيهة تحت اسم "حزب التحرير الإسلامي"، وتوسع في الانتشار في الأردن إلى أن اصبح مقره الرئيس في ألمانيا.

نجاحات سيد رمضان المتعددة هي ما شجع الولايات المتحدة على ضرورة استمالته واتخاذه حليفاً لها، واستقباله استقبال الملوك في البيت الأبيض عام 1953، وكذلك سويسرا هي الأخرى احتضنت رمضان ووافقت بمباركة أميركية في تأسيس مركزه الإسلامي في جنيف ستينات القرن الماضي، وذلك بسبب مواقفه المناهضة للشيوعية والتي تحاربها سويسرا أيضاً.

ولكن الفرحة الأوروبية الأميركية لم تكتمل؛ فبسقوط الملكية في العراق خمسينات القرن الماضي وتحولها نحو الشيوعية، وكذلك نجاح جمال عبدالناصر في إذاعة "صوت العرب"، والتي استطاع من خلالها تجييش مشاعر العرب واستهبالهم والاستخفاف بعقولهم البسيطة وجرهم نحو القومية التي استحسنها العرب عموماً، وشكلت خطراً على الهيمنة الاوروبية الأميركية على الوطن العربي عبر الإخوان المسلمين.

السياسة الإخوانية أيضاً لم تكن بتلك السهولة كي تنهزم، خاصة وأن المال كان يأتيها من الشمال والشرق والغرب، فكان التنظيم الإخواني يعمل على جذب فئة الطلبة من أصحاب التخصصات العلمية والإدارية، ليصوروا لهم أن السياسة الأميركية ذات قيم دينية بينما السياسة السوفييتية إنما سياسة ملحدة، وكانت الأصولية الإسلامية عبارة عن سلاح حاربت به الولايات المتحدة عدوها اللدود الاتحاد السوفييتي.

وعمل الإعلام الأميركي في الخمسينات على تصوير بلاده على أنها دولة تقية دينية، بينما يضطهد الاتحاد السوفييتي الدين واتباعه.

كانت الولايات المتحدة تنطلق بشكل أعمى لمحاربة الشيوعية بالإسلام السياسي، وها هي اليوم تشرب السم نفسه الذي صنعته بيدها! فكان بإمكانها محاربة الشيوعية باستحداث وسائل أخرى دون الحاجة إلى استخدام الدين، ولكنها استخدمت أخطر أداة على وجه الأرض ألا وهي "الإخوانيات".

د.سالم حميد

كاتب من الإمارات