أسطورة الفترة الانتقالية وحقائق المسار الفعلي للتطورات في مصر

بقلم: خليل كلفت

تعيش مصر النظام الحاكم والشعب المحكوم، مصر الثورة والثورة المضادة، في حالة اسم شهرتها رسميًّا وشعبيًّا هو الفترة الانتقالية. ومن المفترض أن تمتد هذه الفترة الانتقالية من 11 فبراير 2011، يوم الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس مبارك تحت ضغط الثورة، ولإنقاذ النظام وحمايته، إلى اليوم الذي يقوم فيه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتسليم السلطة لرئيس الجمهورية المنتخب وهو ما يُفترض حدوثه في موعد لا يتجاوز 30 يونيو 2012. ورغم مواعيد متعددة وأشكال متعددة جرى إقرارها أو اقتراحها لتسليم السلطة من العسكريِّين إلى المدنيِّين فقد صار 30 يونيو القادم هو الموعد الذي تم إقراره بصورة نهائية لا تشترط إلا إجراء الانتخابات الرئاسية قبل ذلك التاريخ. والمحتوى الذي ينطوي عليه هذا الحديث عن الفترة الانتقالية هو أن فترة ستمرّ بين إسقاط نظام مبارك بمختلف مؤسساته وقيام نظام جديد يستند إلى مؤسسات جديدة، تُوصف بأنها مؤسسات الثورة.

ومن مضامين الفترة الانتقالية كما يوحي أولئك الذين صاغوا عبارة الفترة الانتقالية وفرضوها كإطار عام للتطورات الجارية في الفترة المعنية إحلال نظام ثورة 25 يناير 2011 محل نظام العهد البائد، الاستبدادي الفاسد. غير أن النظام القادم (تماما مثل النظام الحالي) لن يكون نظام الثورة بل سيكون استمرارا لنظام مبارك البائد ولنظام المجلس العسكري الحالي، لأن نظام الثورة يعني ببساطة أن تحل الثورة بطبقاتها الشعبية وقيادتها وطليعتها الفكرية والسياسية محل نظام مبارك ونظام طنطاوي. غير أن المسار الفعلي للتطورات ترشِّح بوجه عام سيطرة إحدى القوتين الكبيرتين المتنافستين على السلطة: المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية أو الإخوان المسلمون على رأس الإسلام السياسي، دولة المجلس الأعلى والمخابرات من خلال السيطرة من وراء الكواليس على سلطات رئيس جمهورية يكون ألعوبة في يد هذا المجلس، أو الدولة الدينية تحت أي عناوين تجميلية. ويتمثل الاتجاه الأساسي للتطورات في استمرار حكم المجلس العسكري من خلال سيطرته الفعلية على رئيس الجمهورية القادم بكل سلطاته الاستبدادية الواسعة. وتتراجع مخاوف سيطرة الإسلام السياسي على مؤسسات الدولة جميعا بما فيها رئاسة الجمهورية من خلال فوز عبدالمنعم أبو الفتوح أو محمد مرسي، حيث يميل ميزان القوى بين المجلس العسكري والإسلام السياسي بصورة حاسمة لصالح المجلس العسكري، كما تدل المشاجرات الناشبة منذ فترة بين الطرفيْن. وبالطبع فإن المجلس العسكري هو الذي ينظم الانتخابات الرئاسية الوشيكة وبالتالي فإن معجزة فوز المعارضة الإخوانية بالرئاسة لا تمثل احتمالا كبيرا، ولا مبرر لافتراض نزاهة الانتخابات في مصر التي لم تشهد مطلقا منذ انقلاب 1952 العسكري انتخابات نزيهة، بالإضافة إلى تراجع شعبية الإخوان المسلمين والإسلام السياسي طوال ما يسمَّى بالفترة الانتقالية بحكم سياساتهم ومواقفهم المضادة للثورة الشعبية على طول الخط، وكذلك بحكم الانقسامات الحادة التي تجتاح فصائل الإسلام السياسي فيما بينها وداخل كل فصيل منها. والحقيقة أن رهانات الإسلام السياسي باءت بالفشل لأن سياسته اعتمدت على التحالف الذيلي مع المجلس العسكري ضد الثورة فلم يكسب سوى پرلمان عاجز وخسر قلب الشعب، كما خسر من جديد ثقة القطاعات غير الإسلامية من الطبقة الرأسمالية التابعة للإمپريالية، وسرعان ما اتضح لكل من يهمه الأمر أن المجلس العسكري إنما كان يتعامل معهم في إطار استخدامهم خلال الفترة الانتقالية ليس إلا، إلى أن يتم إحراق ورقتهم في لحظة ملائمة تأتي بصورة طبيعية أو يتم افتعالها افتعالا. ويكاد الفوز أن ينحصر في عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح ومحمد مرسي. وفي حالة فوز المرشح عمرو موسى يكون المجلس العسكري قد ضمن سيطرة حديدية على الرئيس بكل سلطاته، أما في حالة فوز أحد المرشحيْن الآخريْن والتفاف الإخوان والإسلام السياسي بوجه عام حوله فإنه سيكون بدوره مُجْبَرا على الخضوع لسيطرة المجلس العسكري رغم مشكلات وأزمات ومشاجرات محتملة. وبالطبع فإن هذا الاحتمال ينطوي على مخاطر لأننا سنكون إزاء قوى سياسية إسلامية تعمل من أجل إقامة الدولة الدينية "الإسلامية" بل دولة الخلافة الإسلامية، وإزاء صراع بينها وبين النظام العسكري من ناحية وبينها وبين القوى السياسية المدنية والديمقراطية والعلمانية من ناحية أخري. ويبدو أن الاحتمال الأكبر هو إنجاح عمرو موسى والاعتماد على ولائه للنظام.

وإذا كان الاحتمال الكبير هو سيطرة المجلس العسكري الأعلى من خلال الرئيس الأكثر احتمالا فإن هذا يعني أن نَقْل السلطة من العسكر إلى المدنيِّين لا يمثل في محتواه الفعلي سوي استمرار نفس النظام أي استقرار السلطة خالصةً للقطاع الأكثر قوة من قطاعات الثورة المضادة أي القيادة الحالية للجيش كرأس حربة لذات الطبقة الرأسمالية التابعة للإمپريالية مع تراجع الإسلام السياسي إلى موقع المعارضة رغم أنه تعبير سياسي عن قطاع من قطاعات ذات الطبقة الرأسمالية التابعة للإمپريالية. ومعنى هذا هو الانتقال في نهاية الفترة الانتقالية من النظام الرأسمالي التابع برئاسة مبارك إلى نفس النظام بدون مبارك (كما هو الحال الآن أيضا قبل تسليم السلطة المزعوم للرئيس المدني المنتخب). ولكي نرى بوضوح الطبيعة الزائفة لنقل السلطة إلى الرئيس القادم، يمكن أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال: ماذا ستكون شعاراتنا منذ اليوم الأول لتسليم السلطة للرئيس العتيد؟ ستكون بالطبع نفس الشعارات: الشعب يريد إسقاط النظام، لا لحكم العسكر من وراء الكواليس، لا للدولة الدينية، دستور جديد ديمقراطي يقوم على المواطنة دون تمييز بدلا من الدستور الذي يجري إعداده الآن، الحريات السياسية، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الأجور العادلة المربوطة بالتضخم وتطوُّر الأسعار، الرعاية الصحية المجانية للمواطنين، استقلال القضاء، استقلال الصحافة، التعليم الجيد المتطور المجاني للجميع! فماذا يعني هذا سوى أن النظام البائد هو الذي سيستمر متنكِّرا في زي النظام الجديد، نظام الثورة المزعوم؟! على أن الوضع الذي يبدأ بما يسمَّى بتسليم السلطة سيكون أسوأ أضعافا مضاعفة بفضل استخدام المجلس العسكري لسلطات الرئيس وتضاعُف سيطرته الفعلية بالتالي، ومعنى هذا أن المجلس سوف يتمتع بمزايا السلطات الرئاسية دون أن يكابد ويلاتها التي سيكون على الرئيس الجديد وحده أن يكابدها. ولا غرابة في كل هذا. فجميع رؤساء الجمهورية منذ انقلاب 1952 العسكري ظلوا يعتمدون على المؤسسة العسكرية والمخابرات والأمن وكان الفرق يتمثل في أيهما يسيطر على الآخر: الرئيس أم الجيش؟ ولكنهم جميعا كانوا يحسبون ألف حساب للجيش الذي كان ينبغي دائما إغراقه في المزايا والامتيازات حيث لم تكن تكفي شعبية أو إنجازات هذا الرئيس أو ذاك لموازنة قوة الجيش؛ خاصةً إذا كان الرئيس مجرَّدا من الإنجازات الحقيقية، أو عندما كانت كوارثه تقلِّل من وزن إنجازاته أو تؤدي إلى تحييدها.

وعند تسليم السلطة إلى الرئيس المنتخب، يمكن أن نتصور انتقال الإخوان المسلمين وبقية قوى الإسلام السياسي إلى عقد الصفقات الصغيرة مع النظام الجديد القديم بعد أن يتضح تماما أن "نقبهم على شونة"، كما يقال، وبعد أن يكون حلمهم قد استحال إلى كابوس. ذلك أن الثورة الشعبية منحتهم حلما كبيرا أقاموه على أساسيْن هما، من ناحية، انضمامهم إلى الثورة خلال أيامٍ في يناير وفبراير 2011 حيث اعتبروا أنفسهم الممثل الرئيسي إنْ لم يكن الوحيد للثورة إذ يروِّجون لأكذوبة أنه ما كان للثورة أن تنجح بدونهم، كما يفعل المجلس العسكري أيضا، ومن الناحية الأخرى، حقهم الطبيعي، فيما يتصورون، في الحصول على المكافأة والتعويض من الدولة التي اضطهدتهم طوال ستين سنة. وصحيح أن الدولة اضطهدت الإخوان المسلمين واضطهدت غيرهم واضطهدتهم أكثر من غيرهم كخط عام في سياق الحل الأمني ضد الإخوان والشيوعيِّين وغيرهم بدلا من الصراع الفكري والحرية والتعددية؛ رغم فترات من التهادن والتعاون مع الإخوان المسلمين من خلال صفقات مشينة في بعض الفترات خاصةً في عهدي السادات ومبارك. غير أن الاضطهاد قد يرتِّب حقوقا أخرى ولكنه لا يرتِّب الحق في الحكم لا للإخوان ولا لغيرهم. ويتجاهل الإخوان المسلمون ومختلف فصائل الإسلام السياسي أنهم انضموا إلى الثورة بروح الانتهازية للحصول على مغانمها بدليل أنهم كانوا يمثلون قطاعا أساسيا من قطاعات الثورة المضادة طوال الفترة المسماة بالانتقالية. وعندما نشبت خلافات أدت إلى مشاجرات بينهم وبين المجلس العسكري يحاولون الآن أن يربطوا قوى الثورة بعجلتهم لاستخدامها في تحركاتهم في سياق مشاجراتهم ضد العسكر، تماما كما استخدمهم العسكر في الفترة السابقة، مع الاستعداد لبيع هذه القوى عند أول منعطف سياسي أو عند أول صفقة متواضعة مع النظام الحاكم.

وقد تمثَّل حلم الإخوان والإسلام السياسي في حكم مصر وتحويلها إلى دولة دينية (بل إلى دولة الخلافة الإسلامية وإنْ بعد 500 سنة كما يصرِّح محمود غزلان، الناطق باسم جماعة الإخوان المسلمين، دون مواربة) من خلال السيطرة على النظام والطبقة الرأسمالية والشعب في سياق "مذاهب" هي في حقيقتها "أسباب لجلب الدنيا إلى الرؤساء"، كما يقول أبو العلاء! ومن الجلي أن هذا الحلم ينكسر في الوقت الحالي، وسيكون عليهم أن ينتقلوا بسرعة من الحلم إلى العِلْم، عِلْم موازين القوى في الواقع الفعلي وليس في أحلام اليقظة، وسيكون عليهم بالتالي أن يتراجعوا بصورة منظَّمة مع إثارة سحابة كثيفة من الإيحاء بأجواء معركة لم يستعدوا لها ولا يريدون خوضها.

ومع هذا ظل معظم الثوار يسيئون فَهْم العلاقة التي بدتْ ملتبسة بين المجلس العسكري والدين السياسي، فقد تصوروا أحيانا أن الإخوان مع الشعب ضد العسكر فذهبوا إلى حد المطالبة بتسليم سلطات رئيس الجمهورية إلى الپرلمان الإخواني الوهابي أو رئيسه أو لجنة يقوم بتعيينها، وهذا بحجة أنه المجلس الذي جاءت به انتخابات نزيهة؛ مع أنها لم تكن انتخابات نزيهة ولا يحزنون. وتصوَّر الثوار في أحيان أخرى أن المحتوى الفعلي لهذه العلاقة الملتبسة يتمثل في تحالف مقدَّس بين أطراف داخلية وخارجية تريد أن تحكم مصر بالإخوان المسلمين، ومن هنا كان من السهل أن ينظر الثوار إلى أي مشاجرة بين الطرفيْن على أنها تجري في إطار توزيعٍ للأدوار يقوم به تحالف جرانيتي أو فولاذي بين العسكر والإخوان. وبالطبع فقد قاد افتضاح أمر السلوك السياسي المُعادي للثورة لدي الإسلام السياسي بكل وضوح إلى الشعار الصحيح وهو إسقاط العسكر والإخوان والوهابيِّين جميعا. وسقط شعار "الإيد الواحدة" مع كلٍّ من الإخوان والعسكر على السواء. ومع هذا فإن الشعار الإخواني البراق عن "ثورة الميدان والپرلمان" أخذ يضلل الكثيرين من الثوار، ويجدِّد خرافة "الإيد الواحدة" مع الإسلام السياسي، ليلتفّ نضالهم في الحقيقة في مليونيات ومسيرات بعينها حول هذا الفصيل أو ذاك من فصائل الإسلام السياسي مع أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. وهكذا نجد الثوار يناضلون أحيانا تحت رايات زائفة، وأحيانا كثيرة بشعارات خاطئة وزائفة ومفتعلة، وكأننا في حفلة زار ليكون علينا أن نجري مهرولين نحو الاتجاه الذي يأتي منه صوت طبلة الزار، وليس كل هذا سوي النتيجة المنطقية للوعي التلقائي الذي يحكم حتى حركة كثيرين من قيادات الثوار.

وبالطبع فإن الطبقات العاملة والشعبية وقياداتها الثائرة والثورية هي التي تواجه بوصفها الثورة مختلف قوى الثورة المضادة أي الطبقة الرأسمالية التابعة الحاكمة ونظامها ومجلسها العسكري ومختلف قطاعاتها الأخرى من الإسلام السياسي والليبرالية اليمينية ورجال الحزب الوطني ونظام مبارك في السياسة والإدارة والاقتصاد. وإذا كانت الثورة المضادة منقسمة، كما نري بوضوح، بين هذه القطاعات السياسية المتنوعة فإن هذا يضعفها ويعزِّز نقاط ضعفها ويمثل قوة مضافة إلى قوى الثورة غير أن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن الثورة المضادة ضعيفة أو هشة أو أن من السهل الهجوم عليها للإطاحة بها في مدى منظور. وهنا تتعدد وتتكاثر الأوهام والشعارات البراقة المضلِّلة والرايات الزائفة.

ومن الأمثلة البارزة على هذا ذلك الإلحاح الشديد على شعار تسليم السلطة إلى الرئيس المنتخب في 30 يونيو 2012، فهذا الشعار هو شعار وهدف وتخطيط ومؤامرة المجلس العسكري، وقد فُرِض عليه هذا التاريخ غير أن تسليم السلطة إلى الرئيس المدني المنتخب هو هدفه الحقيقي الذي يحقق مصلحته. لماذا؟ لأن قوة السيطرة الفعلية للمجلس العسكري سوف تتضاعف بانتخاب الرئيس وتسليمه السلطة، لأنه، من خلال السيطرة على رئيس الجمهورية "الأراجوز" المحتمل، سوف يسيطر من وراء الكواليس على سلطاته الواسعة فيستخدمها لصالحه دون أن يُلْقَي عليه اللوم عن كل ما هو مسئول عنه من الناحية الفعلية. فهل يجوز أن يكون شعارنا هو نفسه هدف المجلس العسكري ولصالحه؟! ويمكن أن نُلْحِق بهذا الشعار شعارات أخرى يركِّز عليها الثوار ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب. ففيم يهمنا في هذا الوضع المؤقت جدا حقيقة أن المادة 28 من الإعلان الدستوري مادة استبدادية فيما يخص الانتخابات الرئاسية وخاصة بعد أن صارت تلك الانتخابات وشيكة للغاية بل حلَّ موعدها بالفعل، وهل ينبغي أن نقدِّس شعارات مشاجرات الإخوان مع العسكر أو هؤلاء مع أولئك؟! وينطبق الشيء ذاته على إعادة تشكيل لجنة الانتخابات. وإذا كانت هذه "الإصلاحات" القانونية تحتاج إلى وقت فهل معني هذا هو التسليم بتأجيل الانتخابات الرئاسية وبالتالي تأييد تأجيل تسليم السلطة، رغم كل هذا الإصرار من جانب قطاعات واسعة من الثوار على هذا التسليم؛ مع أنه ليس سوي هدف المجلس العسكري ومؤامرته ضد الثورة؟! وبالطبع فإن شعار إسقاط النظام وشعار إسقاط حكم العسكر شعاران أساسيان للثورة وينبغي عدم التخلي عنهما في أي احتجاج أو تظاهر أو اعتصام أو إضراب؛ ولكنْ أليس من الخطأ الفادح اشتراط تحقيقهما لفض الاعتصام أو الإضراب؛ مع أن التجربة علَّمتْنا مرارا أن الاعتصامات تنفضّ في النهاية دون تحقيق أي من الشعاريْن ما دام الهدف الذي ينطوي عليه الشعار أكبر بما لا يقاس من حجم وعمق الحشد الجماهيري القائم في لحظة بعينها، مع أن ربط اعتصامات الفترة الأولي للثورة ضد مبارك بشعار إسقاط النظام وإسقاط مبارك ورحيله الفوري كان الشعار الصحيح الذي صنع ذلك الانتصار الكبير، وذلك على وجه التحديد بفضل مستوي الحشد الجماهيري الملاييني في كل أنحاء البلاد وقدرة ذلك الحشد الشعبي الأعزل على إلحاق الهزيمة الساحقة بكل قوات وأجهزة وزارة الداخلية المصرية، أي الأداة الرئيسية للقمع الداخلي.

ورغم أن المحتوى الموضوعي للثورة، أي تحقيق الديمقراطية الشعبية من أسفل، بالتفسير العميق لهذه الديمقراطية، يُوجب تحقيق أهداف كثيرة متنوعة للغاية وقابلة فوق ذلك للربط بفض الاعتصام أو الإضراب فإن هذا الربط يظلّ غائبا في أكثر الاعتصامات؛ مع أن تحقيقها سبيل مباشر من سبل تحقيق هذه الديمقراطية. ويؤدي إلى هذا الانحراف من جانب الثوار بالثورة تركيزهم على ما هو فوق، بدلا من التركيز على ما هو تحت. وهذا منطقي جدا. فقد كان هدف الثورة هو إسقاط النظام بما في ذلك الرحيل الفوري لرئيس الجمهورية الطاغية ورجاله؛ ومن المنطقي والحالة هذه أن ينشأ عن ذلك الموقف الثوري السليم الرائع نوع من التفكير المرتبط بالتغيير من أعلي، من فوق، من القمة، ويرتبط ذلك بتصور وهمي عن أن الديمقراطية تعني أن تكون السلطة أو الدولة ديمقراطية، أو أن يكون المجتمع ديمقراطيا، أو أن يكون البلد ديمقراطيا. وهذا وَهْمٌ ساذج فالديمقراطية لا تعني سوي الديمقراطية الشعبية من أسفل، من تحت، من القاعدة، ولا تعني بحال من الأحوال أن النظام السياسي الحاكم ديمقراطي. وهناك وَهْمٌ يتصور أن الديمقراطية تتمثل في الديمقراطية المباشرة المتمثلة في ناخبين بحكم حقهم الطبيعي كبشر عند بلوغ عُمْرٍ بعينه، وفقا للقانون أو الدستور في هذا البلد أو ذاك، يقومون بانتخاب پرلمان يقوم بالتشريع في إطار الفصل بين سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية متوازنة (وتتمثل الوحدة رغم هذا الفصل الوظيفي في حقيقة أن التشريعات والقوانين التي يسنّها الپرلمان هي أساس عمل كلٍّ من السلطة القضائية والسلطة التنفيذية التي يترأسها رئيس الجمهورية في الجمهورية الرئاسية أو رئيس الوزراء في الملكية الدستورية أو الجمهورية الپرلمانية؛ والحزب أو التحالف الحزبي الذي يشكل الأغلبية الپرلمانية هو الذي يشكل الحكومة وقد يأتي منه رئيس الجمهورية أيضا). والحقيقة أن اعتقاد أن الديمقراطية تتمثل في مثل هذا البنيان للدولة ومؤسساتها ليس سوي وَهْمٍ من الأوهام الساذجة لأن الانتخابات الپرلمانية والرئاسية تزيِّف إرادة الشعب في كل البلدان والمجتمعات وتمنح الأغلبية للممثلين السياسيِّين لمصالح الطبقة الرأسمالية الإمپريالية أو الطبقة الرأسمالية التابعة للإمپريالية ويجري بالتالي سنّ تشريعات وقوانين لتحقيق مصالح الطبقة الاستغلالية المالكة و/أو الحاكمة. وبالتالي ينبغي التقليل من التركيز الشديد على بنيان السلطة وزيادة التركيز بدلا من ذلك على الأسفل، على تحت، على الديمقراطية الشعبية من أسفل، على تطوير نضالات الشعب وأدوات نضاله، والعمل عن طريق مختلف وسائل النضال المشروعة على تحقيق مصالح الشعب الجزئية والعامة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لتصبّ جميعا في الديمقراطية الحقيقية، بمستوياتها المعيشية العادلة، والرعاية الصحية الحقيقية، وحرياتها وحقوقها الديمقراطية، بامتلاك وممارسة وسائل وأدوات النضال، وتمتعها بالقضاء الطبيعي المستقل والصحافة الحرة وغير ذلك.

على أن زمن الثورة يستدعي بالضرورة الفعل الثوري والنضالات الثورية. وهناك بالطبع مَنْ يبشروننا بأن الثورة تمت سرقتها وهزيمتها وتصفيتها وبأنها صارت في ذمة التاريخ، وتنتج من مثل هذه النظريات الزائفة، التي يُطْلقها بُوم الثورة المضادة وبُوم الثورة أيضا في كثير من الأحيان، إحباطات لا نهاية لها لدي جمهور وقيادات الثوار. وترجع هذه الإحباطات المريرة إلى تصورات بأن الثورة تجتاح كل شيء كعاصفة، كإعصار، فيتغير كل شيء وينقلب كل شيء رأسا على عقب بسرعة بالغة وإلا سُرقت الثورة وهُزمت. وهذه التصورات ليست سوي أوهام لا أساس لها من المنطق أو العلم أو التاريخ. ذلك أن تاريخ الثورات يشهد بأنها عملية طويلة قد تمتد سنوات، كما يوضح العلم الاجتماعي والسياسي أن الحقائق القائمة في مجتمع ما أشياء عنيدة ويحتاج تغييرها وتحويلها إلى جهود جبارة وتضحيات هائلة وفترة ممتدة من الزمن. وتعرف الثورة لحظات المدّ والجزر، الصعود والهبوط، النضالات المشهدية الدراماتيكية وكذلك ما لا يُحْصَى ولا يُعَدّ من النضالات الصغيرة والجزئية التي تصبّ في نفس الاتجاه إذْ تحقق في حد ذاتها أهدافًا ومصالحَ للطبقات الشعبية كما تتشابك وتتضافر أنشطتها المتزامنة مهما تفرَّقتْ ونتائجها التي تتحول إلى أسباب جديدة لتطوير الثورة لتمهِّد لنضالات أوسع وأعمق. فلا مبرِّر إذن لما نشهده من إحباط مرير كلما انتهت مظاهرات أو اعتصامات أو إضرابات دون أن تحقق أشياء بارزة ملموسة. ولا مبرِّر لمثل هذا الإحباط مهما يكن الألم مبرَّرا كلما ارتكب المجلس العسكري الحاكم مذبحة أو جري استخدام قوات الجيش أو الشرطة العسكرية أو الأمن بوحشية؛ فليس هذا سوي السلوك الوحيد المتوقع من طبقة استغلالية تدافع عن بقائها ويستحيل أن تضع هذه الوحشية حدًّا للثورة طالما كانت هذه الأخيرة تواصل نضالاتها التي تنبئ بأن الثورة مستمرة وتزداد انتشار وعمقا في طول البلاد وعرضها. والحقيقة أن الثورة تتواصل وتتفجر ما تزال بكل عنفوانها وهي ما تزال قادرة على أن تحقق بالشعب وللشعب الذي انطلق من القمقم الأهداف التي تنطوي عليها ثورته، ببساطة لأنها لم تتحقق، وببساطة لأن معاناة الطبقات الشعبية تضاعفت، وببساطة لأن الشعب لم يترك الميدان لا بالمعني الحسي، المادي، ولا بالمعني المجازي.

ومن المضامين التي تنطوي عليها فرضية الفترة الانتقالية في الحدود الزمنية المذكورة وفي حدود استكمال المجلس العسكري لمهام إعادة بناء مؤسسات الدولة، اعتبار أن الفترة الانتقالية تمثل فترة فاصلة بين الثورة قبلها واستقرار دولة المؤسسات من جديد بعدها بحيث تكون الفترة الانتقالية فترة تصفية الثورة عن طريق قمع مبادراتها ونضالاتها من ناحية وإعادة بناء مؤسسات الدولة من الناحية الأخري، وبحيث تعني نهاية الفترة الانتقالية نهاية حاسمة للثورة وبداية جديدة حاسمة للدولة، دولة ونظام ومؤسسات الطبقة الرأسمالية التابعة للإمپريالية العالمية بقيادة الإمپريالية الأميركية. وعلي القوى الحية للثورة، في سبيل إفشال مخطط ما يسمَّي بالفترة الانتقالية، أن تعمل بوعي ناضج على استعادة مبادرة النضالات الثورية بصورة مستقلة عن البرنامج الذي وضعه المجلس العسكري والإسلام السياسي معًا للفترة الانتقالية، مهما تصاعد الصراع السياسي بين أنصار الحكم المباشر أو غير المباشر للعسكر وأنصار الدولة الدينية تحت تسميات متباينة ذات محتوي جوهري واحد. وتشترط استعادة المبادرة في النضال الثوري موقفا حاسما محتواه الجوهري: لا وألف لا للحكم العسكري المباشر أو غير المباشر؛ لا وألف لا للدولة الدينية (جمهورية مصر الإسلامية) ومختلف الأدوات والنضالات التي تؤدي إليها، لا لأي تحالف أو تعاون مع المجلس العسكري ضد الإسلام السياسي أو غيره، ولا لأي تحالف أو تعاون مع الإسلام السياسي ضد المجلس العسكري أو غيره. وعلي الحركة أو الحركات الثورية أن تركز على الأهداف الأساسية الحقيقية للثورة بعيدا عن النضال الثوري المزعوم على خلفية الصراع بين الإخوان المسلمين والمجلس العسكري.

وإذا وضعنا نصب أعيننا الهدف الجوهري الذي تنطوي عليه الثورة السياسية الشعبية في مصر (وكذلك في البلدان العربية الأخرى) وجدنا بسهولة ويسر، بفضل هذه البوصلة التي لا تخطئ، الأهداف والمطالب والشعارات التي تنبع منه وتتفرَّع عنه وتنسجم معه. والهدف الجوهري للثورة يمكن استنتاجه استنتاجا من طبيعتها المستخلصة من وقائعها وتطوراتها ومساراتها ومختلف نضالاتها ومن الحقائق والمعادلات التي تحيط بها. ويتمثل هذا الهدف أي محتوي الثورة في الديمقراطية الشعبية من أسفل، كما أكرر في مقالاتي بصورة ثابتة إلى حد الملل. والحقيقة أن الشعارات الأساسية للثورة وعلي رأسها شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" تنبع من هذا المحتوي الجوهري للثورة. فما هو معني ومحتوي وهدف إسقاط النظام؟ وبالطبع فإن محتوي إسقاط النظام يختلف باختلاف طبيعة الثورة: هل هو القضاء على النظام الرأسمالي التابع في سياق ثورة اشتراكية أم هو تحقيق الديمقراطية الشعبية من أسفل لمقاومة هذا النظام، وللمقاومة بصورة جذرية تاريخية ضد فساده واستبداده، ولمقاومته في سبيل تحقيق حياة كريمة للطبقات الشعبية؟ وبالطبع فإن النجاح في إقامة هذه الديمقراطية الشعبية يمكن أن يفتح أمام الشعب والثورة آفاقا أوسع للنضال ضد الرأسمالية التابعة كنظام اجتماعي يسود مصر والعالم العربي والعالم الثالث في سبيل الاستقلال الذي يقوم على الخروج من التبعية بفضل التصنيع والتحديث، كما يفتح آفاق النضال في سبيل الاشتراكية على المدى البعيد الأبعد. وفي الأجل القصير والمتوسط لا يتجاوز إسقاط النظام في الحقيقة إسقاطا جزئيا، تاريخيا مع ذلك: توجيه ضربة قاضية للحالة الراهنة للنظام الرأسمالي التابع عن طريق إسقاط رأسه وكل قمته وكل رجاله وقياداته في كل مؤسساته وأجهزته بلا استثناء، وإسقاط دستوره على رأس قوانينه، تلك التي يقوم عليها الاستبداد والبطش والقمع الپوليسي والمخابراتي والأيديولوچي وتلك التي يقوم عليها الاستغلال والفساد واللصوصية، وإسقاط حرمان الشعب من مستويات المعيشة التي تليق بالبشر في المسكن والغذاء والملبس والصحة والتعليم وحق العمل وإعانة البطالة وفي القاضي الطبيعي الذي يقوم على استقلال القضاء وإسقاط حرمانه من الحريات والحقوق الديمقراطية في التظاهر والاعتصام والإضراب وكل أشكال الاحتجاج والنضال من تعددية حقيقية تقوم على أحزاب سياسية ونقابات عمالية وفلاحية ومهنية مستقلة، ومن حرية الصحافة وحرية العقيدة والتعبير، ومن المواطنة المتحررة من كل تمييز على أساس الدين أو المذهب أو العقيدة أو النوع أو اللون. ومن الجلي أن هذه الضربة القاضية التي يشترط نجاحها ضربات أخرى تكميلية تفوز بالنقط تكتسب مغزاها من كونها شرطا ضروريا للديمقراطية الشعبية من أسفل. وكان ولا يزال وسيظل إسقاط مبارك ورجاله على أوسع نطاق ضروريا لهذه الديمقراطية، وكان ولا يزال وسيظل إسقاط حكم العسكر ضروريا لهذه الديمقراطية، غير أن إسقاط حكم العسكر لا يتحقق بحال من الأحوال بما يسمَّي بتسليم السلطة إلى الرئيس المنتخب بل يعني هذا التطور بداية جديدة لنضال الثورة والنضال الثوري لإسقاط العسكر في السياق العام المستمر لإسقاط النظام.

وعندما أتحدث، ويتحدث غيري، عن مقاطعة الانتخابات الپرلمانية والرئاسية فإننا لا نعتقد مطلقا ولا نتوهم بحال من الأحوال أن هذه المقاطعة، حتى من جانب كل الطليعة القيادية المتنوعة مهما اتسعت للثورة، يمكن أن تكون قادرة على الحيلولة دون استمرار المسار الفعلي للتطورات في مصر. فقد نجح المسار الفعلي للتطورات بقيادة المجلس العسكري المتحالف مع الإخوان المسلمين على رأس الإسلام السياسي في انتخاب السلطة التشريعية المتمثلة فيما يسمى بمجلس الشعب ومجلس الشورى، وسيكون هذا المسار باستمرار، أو عدم استمرار، هذا التحالف الذي يترنح الآن في إعداد دستور جديد قبل أو بعد تسليم السلطة إلى رئيس الجمهورية المنتخب، كما سيتم دون إبطاء استكمال إعادة بناء السلطة التنفيذية برئيس وحكومة ووزارات وأجهزة، أما السلطة القضائية بما في ذلك القضاء العسكري والاستثنائي فباقية دون تطهير وبلا استقلال عن السلطة التنفيذية، وما زالت تعمل بقوانين مقيدة للحريات وتساعد على الطغيان والديكتاتورية والفساد ونهب أموال الشعب، وما يزال قانون الطوارئ الاستبدادي للغاية باقيا كما هو؛ القانون نفسه وليس فرض حالة الطوارئ التي تم رفعها باستثناء يجعل رفعها معدوم الأثر. وسوف يستمر هذا المسار الفعلي للتطورات بصرف النظر عن المقاطعة أو المشاركة من جانب كل الطليعة القيادية المتنوعة الواسعة للثورة. وإنما يكمن مغزى المقاطعة الثورية في التركيز بدلا من الانتخابات والدعاية حولها على الفعل الثوري الذي يمكن أن يحقق مطالب الثورة ويمارس دعايتها وتسييسها بصورة فعالة بما لا يقاس. ولا أحد يُنْكر بطبيعة الحال التسييس الذي يقوم به مرشحو اليسار: أبو العز الحريري، وحمدين صباحي، وخالد علي (بترتيب الحروف)، غير أن الاعتماد على الفعل الثوري المنفصل عن برنامج ما يسمي بالفترة الانتقالية كما وضعه العسكر أكثر جدوى وأبعد أثرا وبالأخص: أكثر مبدئية. كما أن الشرعية التي تُضْفيها الانتخابات التي تزيِّف إرادة الشعب على مؤسسات الدولة التي تجري إعادة بنائها فلن تؤثر فيها المقاطعة الثورية كثيرا بحكم حجمها المحدود نسبيا غير أن هذه المقاطعة تجرِّد هذه المؤسسات من الشرعية من وجهة نظر القوى الحقيقية للثورة وتُقِيم استقلالها عن برنامج العسكر والإخوان للفترة الانتقالية على أساس متين.

وتتعدد المطالب والأهداف والشعارات المهمة للثورة باعتبارها أشياء وثيقة الصلة بالمهمة الكبرى المتمثلة في إسقاط النظام. ومن هذه المطالب مطلب إسقاط الرئيس ورجاله الذي لا يكتمل إلا بسرعة محاكمتهم على قائمة طويلة من الجرائم السياسية والجنائية، بدلا من كل هذا التباطؤ الطويل المتواطئ الذي يتواصل بإصرار عنيد بحجة عدم التدخل في شئون القضاء رغم التدخل الخفي الذي يختفي وراء هذا الموقف، مع ضرورة توسيع ملاحقة ومحاكمة الفساد ومفسدي الحياة السياسية والاقتصادية. وهذه المحاكمة حق سياسي أصيل للشعب المصري الذي كان ضحية للفساد والنهب واللصوصية والطغيان والاستبداد والقمع والقهر، والذي سقط أبناؤه وبناته شهداء وشهيدات ومصابين ومصابات منذ الأيام الأولي للثورة وإلي الآن من خلال مذابح لم تكن مذبحة العباسية الوحشية سوي حلقة من حلقات سلسلتها الطويلة أريد لها أن تكون درسا قاسيا رادعا لكل من تسوِّل له نفسه الاقتراب كما قيل من "عرين" الأسد ("علي وفي الحروب نعامة"). وهناك مطالب الحدَّيْن الأدنى والأقصى للأجور، ومطلب إلغاء قانون الطوارئ وإعداد قانون عادي للطوارئ وليس مجرد إلغاء إعلان حالة الطوارئ، ومطلب تكوين الأحزاب السياسية بمجرَّد الإخطار، وغير ذلك، وهناك مطالب الاحتجاجات المسماة بالفئوية والتي تمثل شكلا أصيلا من أشكال الفعل الثوري. وفيما يتعلق بربط المطالب والأهداف والشعارات بأشكال وتكتيكات وأساليب نضالية تتلاءم معها فإن هناك الكثير من الأهداف التي يمكن ربطها بوسائل مثل الاعتصام أو الإضراب أو الإضراب العام أو الإضراب عن الطعام أو حتى استمرار المظاهرات لفترات بعينها بحيث لا يتم فضها إلا بتحقيق هذه المطالب كحزمة أو بتحقيق جزءٍ منها. وعلي سبيل المثال فإن الاعتصام الذي نشترط لفضه إنهاء حكم العسكر على الفور في ظل مستوي غير كافٍ من الحشد الجماهيري قد يبوء بالفشل، في الوقت الذي يمكن أن ينجح هذا الحشد ذاته في إقرار إلغاء شروط تكوين الأحزاب السياسية أو إقرار حد أدني للأجور. والتكتيك الناجح هو ذلك الذي يربط بصرامة مستويات بعينها من الحشد الجماهيري بتحقيق أهداف تتلاءم معها مع رفع شعارات الأهداف الأعلى شأنا في إطار الشعارات الدعائية.

ولا شك في أن تصوُّر الديمقراطية الشعبية من أسفل على أنها مجموعة من الحريات والحقوق الديمقراطية المحلِّقة في الهواء يجرِّد هذه الديمقراطية من محتواها الاجتماعي الحقيقي الذي يعطيها جوهرها ومغزاها التاريخي بوصفها انتقالا تاريخيا إلى وضع جديد للشعب المصري. فالديمقراطية المقصودة إنما تجسِّد كما سبق القول شعبا يتمتع بمستويات معيشية لائقة تقوم على حقوق يجري تطبيقها فعليا في مجال الدخول والأجور والمعاشات وإعانات البطالة العادلة المنصفة والرعاية الصحية المجانية والتعليم المجاني والتعددية السياسية وغير ذلك، ويتمتع بالأسلحة النضالية التي يحرس بها هذه الديمقراطية الشعبية التي ستتعرض بصورة متواصلة لهجوم الديكتاتورية من أعلي. وهنا تثور مشكلة عويصة شائكة بشأن مدي واقعية استمرار هذه الديمقراطية في العالم الثالث بحكم حالته الاجتماعية الاقتصادية التي تحرمه من آليات القدرة المرنة نسبيا على التعايش مع الديمقراطية بكل تحدياتها للنظام الرأسمالي التابع وعلي تلبية أهدافها الاجتماعية المتزايدة. والخلاصة هي أن هذه الديمقراطية قابلة للتوسع والانحسار، والتمدد والتقلص، والصعود والهبوط. ولكي لا ندفن رؤوسنا كالنعام في الرمال فإنه لا مناص من الاعتراف بأن مجتمعات العالم الثالث تتعرَّض في مدي غير بعيد للانهيار الشامل. ولهذا تمثل الديمقراطية الشعبية بنضالاتها الفعالة في سبيل التصنيع الجذري والتحديث السريع الشامل والتخلص من التبعية الاستعمارية ضرورة قصوى ليس فقط للتقدم والاستقلال بل حتى لمجرد البقاء والإفلات من الانهيار وانقراض السكان، كنتائج نهائية للاستغلال الإمپريالي والتبعية الاقتصادية وشروط التجارة وتقييد التطور الحر لبلدان العالم الثالث. فالديمقراطية الشعبية ضرورية إذن ليس فقط لتحقيق الحياة الكريمة اللائقة بالبشر بل كذلك للدفاع عن البقاء، مجرد البقاء، على خلفية الانهيار الاقتصادي والتخلف الثقافي والأخطار الإيكولوچية.

والخلاصة التي نخرج بها والانتخابات الرئاسية المصرية وشيكة على الأبواب بل بدأت اليوم خارج مصر هي ضرورة إفشال الفترة الانتقالية التي تعني وفقا لمخطط المجلس العسكري نهاية الثورة ليس بالمشاركة في إعادة بناء مؤسسات دولة الرأسمالية التابعة بل باستمرار الثورة واستمرار هدف إسقاط النظام. فالرئيس المنتخب القادم في القريب العاجل ليس المهدي المنتظر الذي سيأتي ليملأ الأرض عدلا بعد أن امتلأت جورا وليخلِّص مصر من حكم العسكر بل هو الرئيس الألعوبة الذي سيُضاعف، كما سبق القول، قوة وإحكام السيطرة الفعلية للمجلس العسكري من وراء الكواليس عن طريق توظيف سلطات رئيس الجمهورية. وعندما يُقْسِم الرئيس الجديد اليمين الدستورية أخيرا فلن تتمثل النتيجة في الانتقال من العهد البائد لنظام مبارك تحقيقا للثورة عبْر الفترة الانتقالية إلى نظام أو دولة الثورة، بل ستتمثل بالأحرى وفقا لمخطط المجلس العسكري والإسلام السياسي في "نفي النفي"، في نفي الثورة التي قامت بنفي العهد البائد فتكون المحصلة استعادة الاستقرار للنظام الرأسمالي التابع ولكنْ بدون مبارك ومجموعة محدودة من رجاله لتدور من جديد العجلة الساحقة الطاحنة للاستبداد والفساد فيصير الشعب المصري سيزيف الذي يُبْعَث من جديد كل يوم. غير أن استمرار الثورة سوف يضع حدا لهذا الحلم الوردي الذي يُعَلِّل به المجلس العسكري نفسه حيث سيتواصل السير، رغم الوضع السياسي الجديد الأسوأ بفضل توظيف السلطات الواسعة لرئيس الجمهورية لصالح السيطرة الفعلية للمجلس العسكري، في اتجاه الديمقراطية الشعبية من أسفل، من تحت، من القاعدة.

خليل كلفت