السياسة أخلاق وليست عهراً!

بقلم: صلاح ابوالحسن

"هؤلاء الذين يعيشون بضعة اجيال الى الوراء، هم متخلفون عقلياً"

موريس الجميل

أزمة بعض السياسيين أن تاريخهم معروف وحاضرهم مفضوح ومستقبلهم معدوم، لكن جنونهم وحقدهم وأنانيتهم يمنعونهم عن فهم التاريخ والحاضر والمستقبل، وكيف لعهرة من العصور الماضية ان ينظروا بمرآة اليوم؟

وللأسف فإن الحاقد الذي لا يستطيع الارتفاع فوق مستوى المرحلة لا يستطيع معالجتها بكفاءة رجالات الدولة وهو ليس منهم، فالتعصب الأعمى والعنصري يرفض عادة التغيير والتطور، فكيف إذا ترافق التعصب بنبش الأحقاد القديمة.

وقلما يكون الحاقدون "أصحاء"، ولذلك فهم ينبشون القبور التي حفروا بعضها بأيديهم في معاركهم الوهمية والإلغائية العسكرية منها والمدنية، أو هم يعودون الى نبش صفحات من تاريخهم الأسود، ولكن والحمد لله ان مرّ في لبنان شخصية مميزة مثل بطريرك المصالحة والوفاق الوطني الكاردينال صفير، ليعبر بنا الى الضفة الآمنة فوق بحر من الأحقاد الكامنة في نفس بطريرك السياسة الحديث النعمة في القضايا الوطنية والسياسية.

مسكين، الذي يعيش في الماضي ويعتقد أمام مرآة حياته الوسخة، انه نابليون بونابرت أو تشرشل أو ديغول أو، وهو ليس أكثر من "نفر" وورقة "صغيرة" في لعبة القوى الإقليمية أو المحلية، فيقضي حياته واهماً حالماً، ينطح صخرة التاريخ مستلهماً قرونه الطويلة، فـ"الشعبوية" لا يمكن أن تخلق قائداً أو زعيماً أو رجال دولة كباراً، لكن يمكنها أن تخلق "قروناً" طويلة تتكسر أمام أول "نطحة"، وهنا يحضرنا قول شهير للشيخ موريس الجميل "هؤلاء الذين يعيشون بضعة اجيال الى الوراء، هم متخلفون عقلياً".

أنقذ الله اللبنانيين من هذا الجنون والعبثية وأعاد للبنان بعضاً من رجالات الدولة الكبار، فالمسيحيون لم يحرموا من حقوقهم ولا هم يعيشون في مستعمرات، ولم يفتقدوا تمثيلهم، المسيحيون في لبنان حجر الزاوية والمدماك الأساسي في الكيان اللبناني، ولا معنى ولا مستقبل للبنان دون مسيحييه، لكن مشكلة ومصيبة المسيحيين، هي في من يدعون زوراً حمايتهم، وهم كانوا أبطال حروب "الإلغاء" و"التحرير" التي كلفت المسيحيين واللبنانيين الكثير.

أما الحديث عن الأحجام "المنتفخة" فحدث ولا حرج، عن بعض الذين يرون في الأنظمة الديكتاتورية والقمعية، "قمة الديمقراطية" ويرون في "السجن الكبير" عنواناً ناصعا للحريات السياسية والإجتماعية والإقتصادية، وفي "الشبيحة" وآلاف القتلى وآلاف معتقلي الرأي والفكر، ومعتقلات التعذيب، نموذجا للحريات السياسية.

الأحجام المنتفخة، هي في تبرير الخيانة والعمالة واعتبارها "وجهة نظر"، فبات في لبنان بمفهوم هؤلاء، خائن "آدمي" وجاسوس "مناضل" ومحكوم بالخيانة "بريء" ـ ولو لأيام أو بضعة شهور ـ حقوقه المدنية محفوظة، نعم الخيانة في لبنان وجهة نظر، ونعم "تبليط البحر" بات أهون من تبرئة عميل وخائن، وجعله نائب الأمة في المستقبل! ولكن ما العمل مع من لا يحسن صون لسانه ومع من مرضه "العضال" غير قابل للعلاج؟ "لا شيء"، وفي العادة فإن "العهرة" أكثر ما يتحدثون عادة، عن العفة والحشمة والأخلاق.

اما "الأحجام" الحقيقية، فهي التي حمت ولا زالت تحمي لبنان من الفتنة الطائفية والمذهبية، ومن الاصطفافات التي كادت تدمر لبنان، لولا حكمة الكبار من "در شبيغل" الى "الزيادين" الى "لطفي زين الدين"، وصولا الى الانقلاب على اتفاق الدوحة و"السين ـ سين".

من يرون في لبنان فقط، 14 آذار و8 آذار، عليهم ان يدركوا أن لبنان سائر الى المجهول وربما أكثر.

14 آذار أدت قسطها للعلى بإخراج الوصاية السورية من لبنان، وبإقرار المحكمة الدولية من أجل كشف المتورطين في كل الإغتيالات السياسية ومحاسبتهم، والتاكيد ان زمن الإفلات من العقاب قد ولّى، ولا بديل عن الحوار الهادئ والعاقل، والإقلاع عن نفخ أبواق التوتير، فالسلاح لم يلغ محكمة ولم يحصد أكثرية نيابية.

أما 8 آذار، "السياسية" فعليها أن تدرك انها أيضا أدت قسطها للعلى، بعد احتلالها وسط بيروت و7 ايار المشؤوم والقمصان السود واسقاط السين ـ سين والإنقلاب على اتفاق الدوحة، وكفى!، وليعتبروا، ان كل ذلك لم يحم الوجود السوري في لبنان ولم يمنع قيام المحكمة الدولية ولم يحقق لها الفوز في انتخابات 2009، ولم يحم النظام السوري من "الربيع العربي".

فيما حققت 8 آذار "المقاومة" ـ أي حزب الله ـ هزيمة اسرائيل في حرب تموز 2008، في وقت لم تتمكن كل جيوش "الممانعة" من الانتصار على مدى خمسة عقود، لكن نظرية فائض القوة بعد هزيمة اسرائيل، لا يجوز استخدامه في الداخل، وأحداث 7 ايار "المجيدة" ستبقى وصمة عار، وبحاجة الى بعض "التواضع" والإعتراف بالخطأ والاعتذار ليس من أهل بيروت فقط بل من كل اللبنانيين، السلاح ينتصر على العدو إذا أحسن استعماله، ولكن انتصار السلاح المقاوم على الداخل هو هزيمة.

ولكننا وللأسف، نرى اليوم، ولادة 7 ايار "سياسي" جديد يستثمره بعض "المنتفخين" و"الشتامين"، سياسياً، ضد دعاة الحوار والتعقل، وهذا معنى "العتب" الشديد، "على الذين يجعلون أحدهم، يطلق العنان في نبش القبور"، فتوظيف فائض القوة العسكري بالسياسة خطأ كبير وربما يكون هذه المرّة أكبر بكثير من 7 و9 ايار المشؤوم، وهل هناك ما يبرر هذه الهجمة "المجنونة" على رئيس الجمهورية الذي يمثل قمة الاعتدال في لبنان، فهل المطلوب رئيس "طرف" لصالحكم، وهل صحيح ان رأس "8 آذار" يريد ذلك؟، أشك، أعتقد أنه أعقل من ذلك!

من الحماقة تسخيف الأمور واعتبار ان كل ما يجري هدفه انتخابات 2013، فالانتخابات محطة ووسيلة، لكن حقيقة التصويب هو على "الدولة"، لذلك فالنسبية وسيلة وقانون الانتخاب محطة، والتعيينات غاية، لأن هدف "العهرة" من الهجوم العنيف خاصة على رأس الدولة، هو "السيطرة على مقدرات الدولة والادارة والجيش"، فاذا كان الداعمون لـ "الشتام" لا يدركون ذلك فتلك "مصيبة" اما إذا كانوا يعلمون ويتركون الحبل على غاربه فـ"المصيبة أعظم"!

لبنان بحاجة الى "عقال" ينجّونه من الغرق في بحر الفتن والانقسامات والاصطفافات على كل أنواعها، خاصة في ضوء المتغيرات التي تشهدها المنطقة العربية.

الخطابات المتوترة من هذا الطرف ستؤدي حتما الى توتر مماثل من الطرف الآخر، وها هي بدأت والبادي أظلم.

ان السير وراء العهرة والموتورين، جنون وحماقة لا يفيد أحداً، والجنون إذا انتصر، لا سمح الله، سينقلب على داعميه ممن يطيلون "الحبل" انتبهوا! فالجنوح الزائد جنون.

يبقى ان نقول، ان تلوث لبنان بمثل هذه "الزعامات" مصيبة المصائب، ولا يمكن ان تتكون دولة حقيقية في لبنان وبعض زعمائه يفتقرون الى الحد الأدنى من الأخلاق السياسية، وليس صحيحاً ان هناك تعارضاً بين الأخلاق والممارسة السياسية.

السياسة أخلاق وليست عهراً!

صلاح ابوالحسن