الفن .. وما أدراك ما الفن!

بقلم: محمد زكريا توفيق
علاقة الفن بالواقع

الرغبة في إنتاج أعمال فنية، سواء كانت لوحات رسم أو تماثيل أو الحان صوتية، هي رغبة قديمة قدم الإنسان نفسه. نجدها منذ أيام زمان في رسومات إنسان الكهوف على الجدران. وهي رسومات عمرها أكثر من 30 ألف سنة. نجدها اليوم أيضا في ملصقات الإعلانات وشخابيط الأطفال على جدارن الحيطان والأوتوبيسات.

ماذا يدور في عقولنا يدفعنا للقيام بأعمال فنية؟ وماذا تعني هذه الرسومات؟ هل تعني شيئا عميقا بالنسبة لطبيعة الجنس البشري، أم مجرد "شخبط شخابيط" كما تقول نانسي عجرم؟

ما علاقة الفن بالواقع؟ هل الأعمال الفنية عبارة عن تقليد ردئ لما يوجد في الطبيعة، كما يعتقد بعض الفلاسفة؟ أم هي إثراء وإضافة روحانية لعالمنا المادي، تعبر عن روح العصر، وتنقل إلينا رسائل من عوالم أخرى وأزمان مختلفة؟

هذه بعض التساؤلات عن طبيعة الفن والأعمال الفنية، شغلت بال ولب المفكرين والفلاسفة، منذ زمن بعيد. فمن أين نبدأ مناقشة موضوع هام كهذا؟ سنبدأ من أفلاطون العظيم ورأيه في الفن. وهو رأي للأسف سالب مخيب للآمال.

أفلاطون مفكر كبير وفيلسوف هائل. أفكاره وآراؤه لا يجب أن تتسم بالتعارض، وهي شيمة من شيم كل الفلاسفة والمفكرين. لذلك جاءت نظرية أفلاطون في الفن متوافقة، غير متعارضة مع باقي فلسفته.

فهو يقول أن الطبيعة والعالم كما نشاهده ونحسه، عبارة عن تقليد للحقيقة وليس الحقيقة نفسها. الحقيقة والعالم الحقيقي شئ آخر، أسماه أفلاطون بعالم "المثُل".

شباب المرأة، أو جمال الوردة شئ زائل، لكن الشباب أو الجمال نفسه، شئ خالد باق. يوجد فقط في الحقيقة، وفي عقولنا. المثلث الهندسي يختلف من واحد لآخر، حسب مقدار الزوايا وطول واتجاه الأضلاع والمادة المرسوم بها، لكن فكرة المثلث نفسها، هي فكرة خالدة حقيقية لا تفنى مع محو رسم المثلث من الورقة.

أما الفن، فهو حسب رأي أفلاطون، تقليد رخيص. لا للحقيقة، وإنما للطبيعة والعالم المحسوس الذي نعرفه. لكن الطبيعة نفسها ما هي إلا تقليد للحقيقة والمثُل.

إذن الفن، عبارة تقليد للعالم كما يبدو لنا، لا كما هو. أي أنه تقليد التقليد. أو كما قال المسحراتي لضابط الشرطة، عندما ذهب يشكو زميله، ويتهمه بأنه كان "يطبّل في المطّبّل". جاء هذا الرأي في الفصل العاشر من كتاب الجمهورية لأفلاطون.

عندما يبدأ إبراهيم أصلان روايته المهمة "مالك الحزين"، بهذه الجملة:

"كانت بالأمس قد أمطرت مطرا كثيرا، ابتلت منه عتبات البيوت والحواري الضيقة."

الآن ماذ يعني إبراهيم أصلان بالضبط؟ وأي يوم كان ممطرا مطرا كثيرا؟ وهل كان هذا اليوم في شهر طوبة أم أمشير؟ في أو الشهر أم في آخره؟ واضح أن الجملة لا تشير إلى يوم حقيقي بعينه.

من الناحية الفلسفية، الجملة فالصو، غير حقيقية. وهذا هو حال كل جملة أخرى في رواية مالك الحزين، أو أي عمل أدبي آخر، بما في ذلك كل أعمال عادل إمام التي يعاقب بشأنها. حتى لو تصادف مطابقة الجملة أو المشهد لواقع أو اسم من الأسماء الحقيقية.

العمل الفني لا تقاس جودته، أو ينقص من قدره، كونه مطابقا للحقيقة أو مخالفا لها. لا يهمنا هنا إذا كانت الدنيا قد أمطرت في ذلك اليوم أم لا.

نجاح رواية مالك الحزين التي تم تحويلها إلى فيلم الكتكات، يرجع لكونها تخلق شخصيات وهمية، ثم تعرضها في صور وأشكال ومواقف حقيقية نراها كل يوم. النجاح لسبب آخر، وليس لكونها قصة حقيقية حدثت فعلا في الحياة.

مثل فن الرسم الواقعي (realistic painting)، الذي يستمد نجاحه من صناعة الوهم. هذه البقع اللونية تمثل سحبا وجبالا وبيوتا حقيقية بعيدة.

لكن كل هذا بالنسبة لأفلاطون، ما هو إلا خداع. يبعدنا عن حقيقة الأشياء، "المثُل"، ويقربنا إلى الوهم، الذي هو عبارة عن صور الأشياء حولنا.

الفن أعمال فالصو غير حقيقية، لا تعطينا أية معلومات تفيدنا عن العالم الذي نعيش فيه. الفنانون لا يعرفون ماذا يفعلون. الفن من الناحية الأخلاقية، عمل غير أخلاقي. يعتمد على ضعف الإنسان، ويدفعه على عمل أشياء مشينة غير أخلاقية. كلام كبير يحتاج إلى تفسير.

هنا يشير أفلاطون إلى أعمال هومير والتراجيديات اليونانية القديمة. كيف تعجب أو تحترم إله فلاتي مثل زيوس كبير آلهة اليونان؟ الذي كان يعشق الصبايا الحسان، ويخون المسكينة زوجته باستمرار، ثم يكذب عليها عندما تسأله أين كان مختفيا.

ما رأيك في قول شبح البطل أخيل في العالم السفلي، بأنه يفضل أن يكون مزارعا بسيطا في مزرعة صغيرة على أن يكون ملكا على عالم الأموات كله.

كيف نزرع في صدور شبابنا الشجاعة، ونجعلهم مؤهلين للدفاع عن أوطانهم، إذا علموا أن بطلا مثل أخيل، كان رأيه أنه من الأفضل أن تعيش جبانا على أن تموت بطلا. أو كما نقول نحن بالبلدي "كلب عايش أحسن من أسد ميت".

إننا ننسى أن الفن والأعمال الأدبية مجرد أوهام. فنستخدمها في ضرب الأمثال والإستشهاد بها كأنها حقائق. كم مرة استعرنا قصصا من الأدب العالمي، ومن جحا أو ألف ليلة وليلة، للدلالة على موقف ما؟

من رواية دون كيشوت، استعرنا الكناية عن الجنون والعمل الضخم في غير موضعه. من مسرحية هاملت، رأينا الشك القاتل والتردد في اتخاذ القرارات الخطيرة. وهي حالات ولحظات فارقة نعاني منها جميعا. من لوحة بيكاسو "جيورنيكا" رأينا كل عناصر الرعب والهلع التي تصاحب الحروب وسفك الدماء.

من جحا وجدنا حكايات مثل: قالوا لجحا عد غنماتك، قال واحدة قايمة وواحدة نايمة. كناية عن قلة المال والفقر. من ألف ليلة وليلة، قرأنا قصة الصياد والجني والقارورة. وهي مثال عندما نطلق قوى الشر فجأة بحسن نية.

من أفلام عادل إمام، نشاهد الفهم السطحي الخاطئ للدين، وقصره على المظاهر والطقوس والأمور الحسية. مع أن روحانيات الأديان أعمق من ذلك بكثير.

لكن في الواقع، الفارس المجنون دون كيشوت، الذي كان يحارب طواحين الهواء، ويقاتل ذباب وجهه كما نقول بالبلدي، شخصية أسطورية غير حقيقية. كذلك الصياد والعفريت وهاملت، وحصان بيكاسو الذي لا يشبه الحصان العادي، مع نظرات الهلع في عينيه، ورائحة الموت التي تجدها في كل أركان رائعة بيكاسو ال"جيورنيكا".

ما دام الفن يتعامل مع الصور لا الحقائق، إذن هو يخاصم المنطق والعقلانية. الفن له علاقة بالجانب الحيواني في النفس البشرية. جانب الغرائز والعواطف والرغبات البهيمية.

أفلاطون ومن بعده سيجمان فرويد، كانا يعتقدان أنه يقبع داخل النفس البشرية، الرغبات الجنسية، والميل للعنف، والانفعالات اللاإرادية. هذه العواطف تتعارض مع المجمتمع الذي نعيش فيه. وليس من السهل السيطرة عليها.

الغريب أن كلا من أفلاطون وفرويد ذكر أن الأحلام هي الشاهد على وجود هذه النفس المتمردة. أطلق عليها فرويد اسم "الهي"، أما أفلاطون فقد أسماها النفس الشهوانية.

يقول أفلاطون أن الطريقة للسيطرة على النفس الشهوانية، ومنع الكوابيس المليئة بالعنف والجنس، هو أن تعيش حياة اعتدال. كل وجبات صغيرة، واشرب كميات قليلة، واشغل فكرك بأمور عقلانية وفلسفية قبل النوم. لكن أهم شئ، ابتعد عن الفن!

لكن، من أجل هذه الأسباب نفسها، التي ذكرها أفلاطون وفرويد، والتي تدغدغ المشاعر والعواطف، نحب الفن والأدب بجميع أشكاله وألوانه. فمنا من يتأثر بموسيقى باخ، وآخرون يتأثرون بأفلام الحرب والعنف. لكن قبل أن نضع اللوم على أفلاطون يجب أن نسأل أنفسنا هذه الأسئلة.

هل العنف على شاشات التلفزيون يخلق مجتمعات أكثر عنفا؟ وهل الأطفال التي تقضي معظم أوقاتها في مشاهدة العنف في التلفزيون، يتبلد إحساسها بالنسبة لمشاهد العنف وإراقة الدماء؟

هل مشاهدة الأطفال المستمرة للشاشة، تنقص من قدرتهم على التفكير، وعلى حل مشاكلهم بأنفسهم؟ إذا أجبت بنعم على كل هذه الأسئلة، فأنت تتفق مع أفلاطون في الرأي.

نظرية فرويد الخاصة بالغريزة، التي أسماها الدوافع "drives"، يمكن تلخيصها كالآتي:

دوافع الجنس والعنف، الموجوده في الجانب الحيواني من النفس البشرية المسمى ب "الهي"، هي دوافع غير عقلانية وغير اجتماعية. فإذا أردنا الحفاظ على ما تبقى لنا من عقل، وعلى سلامة مجتمعنا، وجب علينا السيطرة على هذه الدوافع وتلك العواطف المصاحبة لها.

أما الجانب العقلاني من النفس والمسمى بـ "الأنا"، فهو غير قادر بمفرده على السيطرة على شطحات الجانب الحيواني "الهي". وهنا يستعين بجانب ثالث من جوانب النفس يسمى "الأنا الأعلى" أو الضمير.

هذا الصراع بين الرغبات الشهوانية والعقل والضمير، له ثمن باهظ إذا لم يعالج بحكمة بالغة. هذا الصراع قد ينتج عنه شعور مؤلم بالذنب، يدفن في العقل الباطن للإنسان. ويسبب مشاكل كثيرة في المستقبل. فكيف نتجنب ذلك؟

العقلانية "الأنا"، والضمير "الأنا الأعلى"، يعملان كسد منيع لمنع الرغبات البهيمية في الإنسان من السيطرة على كل تصرفاته. الكبت في اللاشعور يسبب مشاكل. لذلك كان من الواجب ترويض الجانب الحيواني من النفس "الهي"، بالذوق لا بالقوة والرعب.

هنا يجب ترويض الحيوان المفترس وجعله أليفا وديعا مثل القطط والكلاب المنزلية المستأنسة. كيف نفعل ذلك؟ بالفن والأدب والدين والفلسفة والقانون والعلم والأخلاق والحضارات الراقية.

إذا كان لدينا طفل، الجانب الحيواني من نفسه شرس عنيف عدواني يحب سفك الدماء. لايجب ترك مثل هذا الطفل يكبر في الشارع هكذا، وإنما يمكنا إرساله لكي يتعلم مهنة الطب، ليصبح جراحا ليس له مثيل. هنا يمكنه أن يريق الدماء لا ليقتل، وإنما لينقذ الأرواح.

لكن فرويد لا يزال متشككا في قدرة الفن على ترويض الجانب الحيواني في الإنسان. هذا ليس بالغريب، لأنه كان قد قرأ كتاب الجمهورية لأفلاطون وتأثر به جدا. دراسته لأعمال فنانيين كبار أمثال ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو، لم تنجح في تغيير رأيه عن الفن.

الفن، في نظر فرويد، هو تعبير عن الفشل والاستسلام في مواجهة الواقع. نوع من الهروب. الفن، مثل الأمراض النفسية والعصابية، يرفض كلاهما الواقع ويحاول تغييره وتبديله. الفن ليس استجابة عقلانية، وانما عبارة عن رفض غير عقلاني للواقع.

بالرغم من تأثير أفلاطون الرهيب على العقل الغربي والفلسفة الغربية، إلا أن القليل من أتباعه ومريديه، هم الذين يوافقونه في رأيه، بالنسبة لموضوع لومه وتشككه في الفن.

أول فيلسوف جاء بعد أفلاطون، كان تلميذه العظيم أرسطو. لم يكن أرسطو تلميذا عاديا. إنما كان عبقريا متمردا على أستاذه وكل الأفكار السائدة في عصره.

رفض أرسطو، أول ما رفض، نظرية أفلاطون في "المثُل"، ووجود عالمين لا عالم واحد للوجود. رفض أرسطو وجود عالم الحقيقة الذي أسماه أفلاطون "المثُل"، وعالم الخيال والصور، وهو عالمنا المحسوس. أي أنه رفض ازدواجية الجسد والروح.

يعتقد أرسطو أنه هناك عالم واحد فقط حقيقي لا يوجد غيره، هو العالم الذي نعيش فيه. عالمنا ليس مجرد ظلال للعالم الحقيقي، إنما هو نفسه عالم حقيقي.

لقد أنزل أرسطو فلسفة أفلاطون من عليائها، وجعلها فلسفة أرضية عملية. "المثُل" التي تحدث عنها أفلاطون، لا توجد في عالم آخر، وإنما توجد مصاحبة للأشياء نفسها والعالم المحسوس، غير منفصلة عنه.

نظرية أرسطو غير منحازة ضد العالم المحسوس. لذلك لم يجد غضاضة في قبول فكرة أن الفن عبارة عن نوع من التقليد للعالم المحسوس، دون أن يؤثر هذا في احترامه للفن والفنانين.

كان أرسطو مهتما بالشعر وأعمال المسرح الدرامية. وهي أعمال تصف أحداثا ومواقف. لكنها لا تصف الأحداث كما نقرأها في كتب التاريخ. إنها لا تخبرنا عما حدث بالضبط، ولكن عما يمكنه أن يحدث. بذلك، يكون الفن والأعمال الدرامية، كما يراها أرسطو، أكثر رقيا من مجرد السرد التاريخي.

الفن يعالج الموضوعات العامة، لا الخاصة. لذلك هو أكثر قربا للفلسفة من قرب التاريخ لها. لكن أرسطو لا يزال يعتقد أن الفن أقل درجة من الفلسفة في سلم الرقي. العقل أرقى من العاطفة.

أرسطو يتفق مع أفلاطون في أن الفن يداعب العواطف. ويعترف أرسطو بأن العواطف قد تكون عنيفة شاطحة خطرة، ليس من السهل التحكم فيها. إلا أنه يرى أن الفن يفجر العواطف المكبوته ويجعلها تخرج في صورة بكاء أو ضحك أو حزن وسرور.

العواطف تؤثر في نفوسنا جميعا، لكن بدرجات متفاوته. حلقات الذكر والأناشيد الدينية والتراتيل والقرآن المُجوّد، تهدئ من النفس كأنها بلسم شافي للجراح والنفوس المعذبة.

الموسيقى والغناء لها نفس التأثير على النفوس الخائفة الحزينة المجهدة. فهي تخفف من آلام النفس وتعذيبها. الموسيقى تعطي الإنسان المتعة بدون ضرر. وكذلك باقي الفنون. لذلك يطلب أرسطو أن يُقرظ الشعر وتعزف الموسيقى في المسارح كلما أمكن ذلك.

عندما كان الأثينيون يذهبون للمسرح لمشاهدة الأعمال الدرامية، كانوا يضحكون ويبكون ويرتجفون من الخوف ويضربون صدورهم ويشدون شعورهم، بينما يتوالى عرض المسرحية الدرامية.

قبل أن نقارن بين أفلاطون وأرسطو بالنسبة للفن، علينا أن نعيد سؤال أنفسنا مرة أخرى. هل مشاهدة العنف في التليفزيون والسينما تغني عن ممارسة العنف الحقيقي؟

ويمكن أن نسأل أنفسنا نفس السؤال بالنسبة للجنس. هل المشاهد العاطفية والجنسية على الشاشة أو قراءتها خلال صفحات روايات إحسان عبد القدوس، تخفف من اللوعة العاطفية والرغبات الجنسية المكبوته، أم تزيدها؟

يأتي بعد ذلك عصر النهضة الأوروبية. فنجد الأفلاطونيين المحدثين، الذين يرون الفن كأسلوب للتعبير الراقي عن الحقيقة العليا، التي تتمثل في أعلى مراسم الجمال والكمال والإحساس.

الفيلسوف كانط يرى الفن كدلالة أخلاقية. الفيلسوف هيجل يرى الفن كطبيعة شكلتها النفس البشرية. جون رسكين يفهم الفن على أنه تعبير عن العواطف والغرائز. نيتشة يرى أن الكون بدون الموسيقى خطيئة لا تغتفر.

بعض الشعراء الرومانسيين يرون الفن كتعبير عن العواطف وطقوس مثل الطقوس الدينية. ليو تولستوي يقول بأن الفن عبارة عن تخاطب الشعور والأحاسيس بين البشر، بهدف الوحدة والإيخاء العالمي.

فلوبرت وبودلير وبو وأوسكر وايلد كانوا من مدرسة الفن للفن، وليس للفن وظيفة أخرى غير أنه فن. الفن قيمة في حد ذاتها. هذه قصة الفن باختصار شديد، ورأي العلماء والفلاسفة فيه. فما رأيك أنت عزيزي القارئ؟

zakariael@att.net