ورطة أدباء الأطفال مع طفل اليوم!

بقلم: السيد نجم
ماذا يمكن أن يقول ويكتب المبدع؟

إن كاتب أدب الطفل الآن (منذ بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين) يعيش في ورطة ما. فمن جانب بات الطفل الآن في قبضة مؤسسات فاعلة لها أكثر من تأثير الأسرة والمدرسة، وعلى الجانب الآخر، على كاتب أدب الأطفال أن يعي ذلك، وتفهم طريقة ما للتعامل بها ومعها.

يخضع طفل اليوم لمؤثرات دوائر ثلاث.. دائرة مؤسسة الإعلام والاتصال، ودائرة مؤسسة التعليم ثانيا، ثم دائرة مؤسسة الأسرة أخيرا. وبالتالي يتضح اختلاف بين جيل "المبدع" بمعنى أن طفل العاشرة اليوم غير طفل العاشرة بالأمس القريب، كما أن مبدع الطفل الآن، وان كان في بداية الثلاثينات، بات مختلفا تماما عن الصغار.. نظرا لأن المؤثرات التي يتفاعل معها الطفل غير تلك التي يتفاعل معها الكاتب وأثرت فيه من قبل!

مع الطفل الآن غلبت ثقافة "الصورة" بكل سلبياتها (فضلا عن ايجابيتها). فللصورة أهميتها التربوية والتثقيفية والتعليمية, وكذا في عالم الاتصال والفنون السمعية البصرية, ومع ذلك فالسلبيات عديدة ولافته :منها هيمنة ثقافة المظهر والشكل والإبهار والاستعراض على حساب ثقافة الجوهر والمضمون والقيمة والعمق. حيث تتحول الصورة إلى واقع بدلا من أن تعكس الواقع.. هيمنة الصورة فى صورتها السلبية, يعد معاكسا للإبداع, وما أحوجنا إليه فى حياتنا اليومية، نظرا لهيمنة ثقافة الكثرة والنقل والمحاكاة عن غيرنا.. مع هيمنة ثقافة صناعة النجوم.. وغيره!

ربما لو اقتربنا من عنصر نشأة المبدع والطفل، نقترب أكثر من توضيح الفكرة، والكشف عن الاختلاف الجوهري فى عنصر التكوين الأولى لدى الطرفين!

ففي نموذج "البطل والبطولة" عند جيل/أجيال كتاب الإبداع الأدبي والفني للطفل، كان البطل هو "طرازان" و"زورو"، الشخصية المفعمة بالمغامرة والنزوع إلى استخدام العنف والقوة العضلية الخارقة من أجل استرداد حقه الشخصي مدفوعا بالرغبة في الهيمنة، ثم أصبح البطل القدوة هو "تومي وجيري" و"مبكي" و"نماذج ديزني لاند الأميركية" القادرة باستخدام "العقل" وبالدهاء على قهر القوة العضلية، ثم غلب البطل "الآلة" القادرة على اجتياز آفاق السماء، وانتقل الصراع إلى السماء/ السموات البعيدة، أصبحت حروبا بين الكواكب، بين الإنسان بآلته الجديدة في مقابل كائنات غامضة بآلاتهم الأكثر أو الأقل تقدما.

بينما نموذج "البطل والبطولة" للطفل المخاطب الآن، ليس له شخصية ما بقدر ما هو (نمط) محدد بصفات ما، ألا وهي "السرعة" إلى حد التجاوز، "القوة" إلى حد البطش، الحيلة دون النظر إلى نتائجها اللهم إلا إذا اعتبرنا (العنف) وسيلة ونتيجة في ذاتها. هذا بالإضافة إلى عنصر (التفاعل) والمشاركة، حيث لا تتم تلك الألعاب الالكترونية إلا بأنامل الطفل وتفاعله مع اللعبة على تلك أجهزة الالكترونية، التي انتقلت سريعا من محدودية الإمكانات إلى أجهزة وألعاب يمكن أن تماثل الواقع أو تكون بديلا عنه مثل مبارايات كرة القدم، وسباق السيارات.. وغيره.

نحن اذن أمام كاتب أو مبدع للطفل نشأ وتربى على نمط سلبي الاستقبال غير متفاعل، وعليه أن يقرأ أو يرى مكبل الفكر والحركة في انتظار النتائج التي يطرحها عليه صاحب العمل أو الحكاية أو اللعبة، في مقابل طفل (جديد) متفاعل مع المعطى له على أنه لعبة أو حكاية أو هو نص الكتروني رقمي.

أيضا نحن أمام مبدع للطفل (عربي) متعدد الانتماءات والمناحي الفكرية ولعله أقرب إلى قيمه الإسلامية والعربية بدرجات متفاوتة، بينما طفل اليوم يبدو وكأنه غير حريص عليها، لعله الأفضل القول إننا غير حريصين أو غير منتبهين لأهمية اللجوء إلى حلول تأخذ من المعطى الجديد المتفاعل مع طفل اليوم، ربما لأننا في العالم العربي من مستهلكي تلك الألعاب ولم نبحث عن إنتاجها فكريا وتقنيا بمفاهيم وقيم عربية.

ويبقى دوما السؤال متجددا: ترى ماذا يمكن أن يقول ويكتب المبدع لطفل اليوم؟

لقد تعددت وسائل التعامل مع الطفل العربي مؤخرا, وبالتالي لم تعد الجدة ثم الأم والأب وحدهم مصدر التلقين, ولا حتى المدرسة كمؤسسة تربوية تعليمية.

تعددت الوسائل المساهمة في تشكيل وجدان وأفكار الصغير, وربما أصبحت منها وسائل أكثر جاذبية وتأثيرا من الأبوين والجدة القديمة. ها هو ذا التليفزيون, الإنترنت وشبكته السحرية, الفيديو.. ولن نغفل الدوريات والكتاب والمدرسة على تواضع تأثيرها مقارنة بالتقنيات الرقمية الحديثة.

يجب أن نخاطب الصغير كإنسان قادر على "الاختيار"، وليس تابعا لأفكارنا جبرا. فحبس بعض الوسائل الإعلامية الجديدة عن الصغار (كما يتبع بعض الآباء) يزيد الطفل عنادا. أن نصارح الصغير بأن لكل شيء فوائده وأضراره. ففي عصر السماء المفتوحة لن يستطع أحد منع الصغار على ارتياد المحطات الفضائية. وليس عليهم سوى اختيار المناسب منها بالإقناع. وما يقال عن الفضائيات يقال عن شبكة الإنترنت.

لتأتى معاملة الآباء للصغار كخطوة عملية وإيجابية لتحقيق الهدف.. ألا نعامل الصغير على أنه رجل أو آنسة بل على قدر عقولهم, حتى يعيش الطفل طفولته, ولكل مرحلة طفولة خصائصها. أن تظل معاملة البنت أكثر رقة وأقل خشونة من معاملة الولد, مع بقاء تحميلهما نفس القدر من المسئولية. تطبيق مبدأ الثواب والعقاب هو المفتاح السحري للتعامل الإيجابي مع الطفل, وهو ما وافقته الأديان السماوية. القدوة العملية من الوالدين هي البديل العملي عن التلقين المباشر لمفاهيم القيم العليا التي نرجو غلبتها في السلوك الخاص والعام, وهي وسيلة تنمية الوازع الضميري عند الصغار.. والبحث عن مواهب الطفل. وأن يقل كلام الأبوين في التلقين, ويكثر الفعل سواء بالسلوك المباشر منها أمام الطفل.

إن مهمة مبدع ثقافة وأدب الأطفال الآن، ليست سهلة ولا هي هينة! كما أنها ليست مهمة أفراد، مهما أخلصوا. فكل مؤسسات البلاد مطالبة أن تتكاتف معا، من أجل انجاز خطاب جديد للطفل، يتناسب مع معطياته والمتاح أمامه حديثا، مثلما يتناسب مع عقل طفل اليوم الذي أثبتت الدراسات أنها تفوق عقل آبائه وأجداده، حتى قال أحدهم: إن عقل طفل اليوم يتناسب مع عقل فيلسوف اغريقي قديم!

إن مهمة الخطاب الموجه للطفل اليوم, تبدأ بأدوات الاستفهام، كما قيل من عقدين أو أكثر قليلا: كيف ولماذا ومتى..؟ لكن الجديد أن تتناسب تلك الأسئلة مع معطيات التقنية الجديدة. فلم يعد السؤال الشهير "ماذا تعرف عن؟" هو البداية.. أصبح السؤال هو "كيف تعرف عن؟" والفارق بينهما هو الفارق بين تقنية التلقين، ومهارة البحث والتنقيب. فسمة (التفاعلية) التي عليها واقع التقنيات الرقمية (كمبيوتر- تليفون محمول وغيرهما) يلزم المهتم بإبداع الطفل أن يجعله مشاركا وفاعلا.

لعله من المناسب الإشارة إلى إحدى اللعبات الشهيرة على شبكة الانترنت، وهي عن القصة الشهيرة "السندباد والبحار السبعة"، حيث يعرض الكاتب على شاشة الكمبيوتر خيارات أمام "سندباد" للسير فيها، وعلى الطفل أن يختار، وفي كل اختيار مسار مخالف عن المسار الآخر للقصة التقليدية، وهي صورة مبسطة للتفاعل. الذي يصل في بعض الأحيان إلى أن يترك الكاتب للطفل إعداد النهاية التي يراها مناسبة (تقنيا على الشاشة)، وهو ما يلزم معه إدراك الطفل لفنون التعامل مع الجهاز السحري الجديد.

وصورة أخرى للإجابة على السؤال "كيف تعرف عن؟". أن يطرح السؤال، ويترك للصغير البحث عن إجاباته من خلال البحث في محتويات الشبكة العنكبوتية (الانترنت).

والآن ما هي ملامح الخطاب الابداعي للطفل في مراحل سنين عمره المختلفة؟

"الخطاب الثقافي" للطفل هو الخطوة الأولى, حيث الالتزام بعدد من المعايير والتوجهات. فتعريف ثقافة الطفل: أنها مجموعة من العلوم والفنون والآداب والمهارات والقيم التي يستطيع الطفل استيعابها وتوجه سلوكه.. (بحسب المرحلة العمرية). وهو ما يشير إلى أهمية الأم في تلقين وتعليم الطفل, خصوصا في السنوات الأولى من حياته. كما أن مسئولية وسائل الإعلام هامة في كل مراحل نمو الطفل, لذا يجب أن تكون البرامج محددة بالمرحلة العمرية التي تخاطبها.. وفي ذلك تكون الثقافة مادية وروحية, أي تتضمن المعارف والعلوم العامة مع المعلومات والقيم الدينية والروحية, التي تتوافق مع المعايير السلوكية القويمة.

أما "الخطاب الأدبي", وهو ما يدعونا للتوقف طويلا أمام الوسيط الفاعل بين المحتوى الأدبي والأدب, مثل (الحكايات والقصص والشعر والمسرح.. وغيره، مع أهمية اعتبار الألعاب الرقمية الجديدة هي البوتقة التي يمكن أن تتضمن كل ما يقال هنا لأنها الأكثر تأثيرا).

مع ذلك فلا يمكن إغفال أهمية اللغة, مع ضرورة التوقف أمام حال "اللغة العربية" باعتبارها الوسيط في العربية, وهو ما يلزم التوقف أمام جملة مشاكل في تدريس واستيعاب تلك اللغة بشكل مناسب ببعض المدارس. ومع ذلك هناك سلبيات على اللغة العربية.. حيث شاعت العامية الدارجة التي هي أقل درجات اللهجات العامية، وأيضا ابتكرت مفردات جديدة لم تكن لا في اللغة الفصحى ولا العامية. وأيضا ظهرت لغة اختزال خليط بين الرموز اللاتينية من أرقام أو حروف، والعربية، وأيضا كتابات بالحروف اللاتينية لها مدلولات جمل بأكملها.. وهكذا (ويمكن أن يكون لها وقفة أخرى).

كما أن "الخطاب الإعلامي" يعتبر أهم الوسائل وأخطارها في تنشئة الطفل, فيجب أن يخضع الإعلام على شكليه من الثقافة: السمعية والبصرية. ولكل خصائصه ومميزاته بل وعيوبه أيضا. فالوعي "السلبي" لا ينتج إلا باهتمام الطفل على تحصيل ثقافته من وسائل الإعلام (المسموعة والمرئية) فقط. ذلك لتحول "الوسيلة الإعلامية" نظرا لتأثيرها الباهر إلى "معلم" صادق غير قابل للمناقشة, وليس وسيلة للتثقيف الايجابي الحي, وان عدت وسيلة ناجحة تماما للتسلية.. مع ذلك، تلك الوسائل الإعلامية أهميتها في فتح مدارك الطفل والانفتاح الشديد على ثقافات وعادات وتقاليد وقيم الشعوب الأخرى. المأخذ الأساسي على الوسائل المرئية والسمعية (التليفزيون والراديو), قد تسلب الطفل الكثير من ارتباطاته في مجتمعه, ربما لرغبته في تمثل كل ما يراه في مجتمعه, والى كونه أصبح جهازا للاستقبال فقط.

ولا يقل الخطاب الديني أهمية عما سبق, بل لعله في المقدمة, فالإسلام يعطى للطفل حقوقه وطوال مراحله العمرية, بل وقبل ولادته أيضا (أثناء الحمل).. بجملة تكليفات الأم برعاية صحتها وتوفير كل ما يلزم لحماية جنينها, وبعد الولادة في إطار القيم التي تدعو إلى المحبة والصفاء داخل الأسرة, ثم خارجها في مرحلة تالية.

ولا يخلو الأمر من توفير "الخطاب السياسي", فكل المجتمعات تهتم بتلك التنشئة المتضمة الخطاب السياسي, تلك التي تزكى قيم الانتماء وتعميق الهوية, بلا ادعاء وعلى حسب فهم وإدراك الصغير. وأيضا بالوسائل التربوية, وليست بالتلقين.. عن طرق اللعب, الحكايات, الأعمال الفنية اليدوية.. حتى يحين زمن المخاطبة المباشرة للمعارف التاريخية والجغرافية, تلك التي تعمق كيان الطفل الداخلي بالبيئة الخارجية, ثم ببلده. فلا يجوز الكلام عن مصطلحات الحكم أو الإدارة والرئيس الأعلى والأنظمة السياسية، دون استخدام الوسيط الملائم لفهم المصطلح, كأن يدبر الأطفال أحوالهم للإعداد لرحلة والتشاور معا للبحث عن أفضل السبل, هكذا يستوعب الطفل معنى القيادة ومعنى زعامة البلاد (مثلا).

إذا كان الاحتياج "الفني" من أهم احتياجات الطفل, وقد عرف الإنسان الفن منذ أن دبَّ على الأرض. فما أحوج الطفل إليه, فالفنون المختلفة يمكن أن تضيف إلى الصغير المعلومة, وتقدم التسلية. بل وفي مجال الأطفال أصحاب الحاجات الخاصة (المعوقون), وجد البحث العلمي أهمية كبرى لممارسة المعوق للفن.. بالرسم واستخدام "الصلصال" أو المواد اللينة, بالأداء التمثيلي لمناهج الدرس أو حتى للقصص المتخيلة.. وهكذا.

كما لا يمكن إغفال أدب الطفل الذي ينتجه الطفل نفسه، وهو الطريق الموازي لطريق المبدع الكبير للطفل، لأن ما ينتجه الصغير، هو المرآة التي نطل منها نحن الكبار على عالم الصغار, وهو المتنفس لكم المشاعر والأفكار بل وخبرات الطفولة التى يجب ألا نستهين بها.

ويلعب جهازا الكمبيوتر والتليفزيون الرقمي اليوم أكبر الأدوار في هذا المجال، حيث الخبرة التفاعلية مع الخبرة السمعية والبصرية, ولا يبقى إلا الحرص أشد الحرص أثناء عرض أية برامج لمخاطبة الطفل، حتى تلك الأشياء الظاهرية البسيطة، مثل طريقة الكلام, وملابس المذيعين, وأسلوب وآداب الحوار.. الخ.

إذا كان الطفل هو المستقبل, ولم يلق الاهتمام الواجب خلال الفترات البعيدة السابقة, فلا أقل من معاودة الحساب والتركيز على كل ما يخصه مستقبلا, لعلنا جميعا نصلح ما فات, ونضع لبنة ولو صغيرة لمستقبل أكثر إشراقا.. ولا يتحقق ذلك إلا بأن نعد أنفسنا نحن الكبار أولا، لإنجاز تلك المهمة الصعبة!

(مختصر البحث الذي شارك به الكاتب في أعمال "مهرجان الشارقة القرائي للأطفال" – أبريل/ نيسان 2012).

Ab_negm@yahoo.com