سياسة خلق الأزمات وإدامة الفوضى في العراق لصالح التقسيم

بقلم: د.عمر الكبيسي

امتازت الفترة التي أعقبت الانسحاب العسكري المعلن! للقوات الأميركية من العراق نهاية العام المنصرم بإجراءات تنفيذية أمنية وتجاوزات قضائية واعتقالات عشوائية متلاحقة وحملة إعلامية وندوات وتصريحات وتراشقات كلامية مرئية ومسموعة بين أقطاب العملية السياسية وصلت الى حد الاتهامات المتبادلة بالفساد والاستغلال والإرهاب وتهريب الثروة والإحالة للقضاء بجرائم تصل عقوباتها الى الإعدام بحق مسؤولين كبار ومناصب رئاسية.

وفي حين يستمر الخطاب التهميشي والطائفي والعرقي يشكل سمة الأحداث، يستمر مسلسل خلق الأزمات السياسية وابتداعها متواتراً تارة بإثارة ملفات قديمة لشركاء في السلطة كالبرزاني وطارق الهاشمي وصالح المطلك والمشهداني وتارة من خلال محاولات تسييس القضاء والقوات الأمنية والعسكرية كان آخرها إناطة مسؤولية أمن العاصمة بغداد بقوات الدمج ومغاوير الشرطة وإحكام الهيمنة على العملية التعليمية والمناهج التربوية والاستحواذ على الأوقاف والملكيات الحكومية والشخصية وإشاعة ثقافة هيمنة وتفرد بالسلطة لصالح حزب واحد وحاكم ضمن الطائفة أو المكون الذي يمثله.

تجاوزت سياسة خلق الأزمات الداخل العراقي لتنال دول إقليمية من خلال إطلاق تصريحات تحريضية ضد دول مجاورة كتركيا والسعودية او محاولة استفزاز مشاعر الأطراف بإظهار سياسات الغلو والازدواجية في الموقف من النظام الحاكم في إيران وحراك المعارضة في سوريا والبحرين.

مسلسل إثارة الأزمات واختلاق الصراعات من المؤكد انه سوف لن يطيح بالسلطة وأقطابها وسوف لن تغير شخوص ومواقع الحاكمين ما لم تهيئ بدائل أفضل أداء وتبعية لصالح مشروع الاحتلال ولن تعاد الانتخابات كما يشاع ما لم تحكم ظروف إجراءها وضمانات نتائجها الى طواقم جديدة أطوع انقيادا لهذا المشروع، سياسة وثقافة إشاعة التشظي والتقسيم وإدامة الصراع بالمجتمع العراقي ستستمر بتوافق جميع شركاء السلطة وبتخطيط وتنسيق مع كل القوى الإقليمية المستفيدة من مشروع غزو (تحرير!) العراق والتي أسهمت وشاركت وساعدت على تحقيقه قوى دولية وإقليمية عديدة والذي لم يعد خافياً إن احد أهم أهدافه التي لم تنجز بعد، هو إعلان التقسيم والتأسيس لدول الطوائف والمكونات بعد ان تم استغلال الثروة وحل الجيش وتحطيم بنى الدولة لصالح أمن إسرائيل وتقسيم دول المنطقة تباعاً بعد ان تم احتواء حراك الشعوب وما سميّ بالربيع العربي وتسخير أهدافه لصالح التقسيم والتشظية كما هو واضح في الأقطار التي نشط فيها هذا الحراك بدوافع وتطلعات مشروعة تم تهميشها.

وكما يلبي مشروع تقسيم العراق أهداف الغزاة والناقمين عليه ويحول دون استعادة عافيته موحداً، يطمع الشركاء والحاكمون المنصبون من خلال التقسيم والأقلمة أن تترسخ هيمنتهم وتتوسع صلاحياتهم في أقاليمهم ودويلاتهم المشودة ليتحقق ويترسخ مفهوم تقاسم الكعكة والامتيازات التي يحلمون بها.

صحيحٌ أن العراقيين لم يتعافوا من نكبتهم في ظل الاحتلال ومخلفاته حتى بعد النزوح المبكر لقوات الاحتلال العسكرية كما هو معلن رسمياً رضوخاً لإرادة المقاومة العراقية وما ألحقته بالمحتلين من خسائر، لكن حجم المعاناة السابقة واللاحقة التي ارتكبتها قوات الاحتلال وميليشيات الأحزاب الطائفية والعملاء والخونة من أصحاب رؤوس الأموال والتجار والشيوخ المستفيدين من الاحتلال وتسييس القضاء والإعلام والجيش كان نهجاً مكثفاً لعب دوراً تخريبياً وتصفوياً من خلال الاغتيالات والاعتقالات والمداهمات وموجات التهجير والتهميش الطائفي في تفتيت قوى الشعب واختراقها.

وباستثناء قيادات الكتل الطائفية المشاركة في العملية السياسية وبعض الشخصيات التي كانت خارجها واستقطبت واخترقت مؤخراً من قبل السلطة بالمال والوعود ممن تتعالى صحياتهم اليوم وتتجدد بإعلان الأقاليم بالرغم من فشلها المتكرر، فإن غالبية الشعب العراقي ترفض التقسيم والأقلمة بشكل قاطع وفشل العملية السياسية القائمة باعتراف أقطاب كتلها أنفسهم مراراً وتكراراً.

العراقيون الذين شاركوا في الانتخابات الأخيرة على أمل التغيير يشعرون اليوم بالندم بعد ان فقدوا ثقتهم بمن انتخبوهم والذين لم يفوا بوعودهم ولم يقفوا بجانب ناخبيهم بل ساهموا في إيقاع المزيد من معاناتهم وتهميشهم لقاء مصالحهم الشخصية وتشبثهم بالفساد الذي أصبح سمة سلوكهم وطموحهم.

بدون دستور ينص على وحدة العراق وهويته وحرمة تجزئته ونبذ الطائفية والمحاصصة وبدون التأسيس لجيش وقوى أمنية مهنية تحمي السيادة الكاملة والقضاء المستقل والانتخابات النزيهة، لا يمكن التأسيس لدولة مدنية عصرية يتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات دون تمييز، تبقى المشاركة في العملية السياسية القائمة ونتاجاتها كارثة تتكرر بويلاتها تستهلك الطاقات وتطعن المواطنة الحقة وتقسم الشعب، تكون سمة من تفرزه من ساسة وقيادات، فساد مستشرٍ وطائفية مقيتة وتبعية في القرار وفشل في الأداء والبناء.

د.عمر الكبيسي