كانت هناك بلاد تسمى ما بين النهرين!

بقلم: جمال محمد تقي

لا البلاد بلاد، ولا النهران نهران، واما العباد فرحلوا بين القفار بحثا عن واحة يعوضون فيها شيئاً مما فقدوه!

كانت بلاداً متكتظة العروق، فيها انهار تشبه البحار، تتفرع منها الجداول كجدائل إمرأة برية جامحة لا يروضها الا المحبون السابحون على السجية نحو غرين الخصب الذي لا يعقر ابداً.

كانت بلاداً نحت على وجهها وشم الكوثر الرباني الممدود من ارارات الى الانضول حتى تاج الخليج، كان المنبع والمصب قدراً سماوياً لا يقبل التحريف الارضي وبأي لغة كانت من لغات القوم، عرباً كانوا ام عجماً، كان عقداً معصوماً، ان تنصل منه بنو البشر تحولوا الى شياطين، يناطحون الارادة الحرة للارض والسماء، وتجار منافقين، ومرابين يعرفون ويحرفون ما انزل الله، يحبسون الماء الحر ويحرمون اهله منه، ليتاجروا به بين العطشى!

شجرة الماء المقررة في الكتب المقدسة، دمغة القدر التي لا تزوّرها كل احبار البشر، ارادها الرب تعويذة خالدة لمعلقة الخليقة، كانت اشجارها فسائل من شجرة الحكمة الاولى الفارعة بكل ما فيها، شجرة آدم وحواء التي تسترها غابات النخيل المقدس الذي لا تبارح سعفه الخضرة، كل المواسم.

لقد عمَّد الخالق بالنهرين آدم وحواء وجعل زواجهما مقروناً بتلاقيهما في القرنة، ومع مجراهما سارت اسفار التكوين وتشكلت ملامح العهدين، القديم والجديد، وفيهما اختبر الخالق خلقه بطوفان نوح الذي سار فلكه بمسار النهرين من ارض المصب الى ارض المنبع، حتى صارت عتباتهما، اولى العتبات المقدسة، صار المنبع والمصب طريقاً لابد منه نحو الايمان بماء الجنة، وعندما عبر سيدنا ابراهيم وقومه الفرات نحو القفار بتكليف من السماء، باحثاً عن خلوة الانتشار، كان الافق مفتوحاً وازلياً للعودة الى حيث ارض الميعاد، الى حيث هيكل الزقورة التي يشق ارتفاعها عنان السماء!

انهار دجلة والفرات ليست صنيعة الباب العالي اياً كان منحدره وتحت اي اسم كانت تتسمى عاصمته، قسطنطينية او آنا صوفيا او الاستانة او اسطنبول او انقرة او نقرة القبر، انها ليست سومرية او اكادية او بابلية او اشورية اومقدونية او رومانية او ساسانية، وبالتالي ليست تركية او عربية او فارسية او كردية، ليست وثنية او زرادشتية او يهودية او مسيحية او مسلمة، انها انهار عابرة للحدود والاقوام والاديان، انها انهار السماء في الارض، والارض للسماء، كان جلجامش اول من رأى مصبها ومنبعها وتفحص سرها الخالد، الذي ان افسده البشر فسدت الارض كل الارض المقدسة من ارارات الى الخليج.

تصحر وتوحش وترمل وتيبس وجفاف، وظمأ وقحط وطاعون، مجاري الانهار ستتحول الى اخاديد مهجورة من نسغها ونسقها، سيحبس الماء في خزانات ضخمة لا يقل عددها عن المئة وستستكمل البقية حتى يحل الموعد الموعود والذي تذكره اغلب تقارير المنظمات الجادة ببحثها عن حالة توزيع نسب المياه العذبة حول العالم، ومنها منظمة المياه الاوروبية التي اشارت وعلى نحو دقيق الى حقيقة الانقراض التام لمياه دجلة والفرات بعد اقل من ثلاثين سنة من الآن بسبب سياسة العزل المائي التي تتبعها السلطات التركية بين منبع النهرين ومصبهما.

ان علامات هذه الساعة شاخصة ومنذ زمن ليس بالقصير، فمنسوب المياه المتدفقة في نهر الفرات قد انحدرت الى درجات ملحوظة منذ نهاية ستينيات القرن الماضي وهي في تناقص مطرد خاصة في موسم انحباس الامطار عن حوض النهر، الفرات كان الضحية الاولى بسبب مباشرة السلطات التركية ببناء السدود الضخمة على روافد منابعه، وبسبب عدم وجود روافد تنبع من الارض العراقية تغذيه وتقلل من حجم ما فقده من منبعه، على عكس نهر دجلة الذي تصب فيه عدد من الروافد القادمة من المرتفعات التركية كالخابور، ومن الهضبة الإيرانية وايضا الجبال العراقية، كالزاب الاعلى والاسفل والعظيم وديالى والكارون والكرخة، هذا اضافة الى كون الفرات نهر يمر وبمسافات طويلة نسبيا بالاراضي السورية التي بدورها لم تبخل بابتزاز الحصة العراقية من مياهه الجارية، ان كميات المياه المتبقية في الفرات داخل العراق لا تذكر، وهذه الحال قد تسببت فعلياً بانحسار الاراضي المروية وبالتالي جفافها وعدم صلاحيتها للزراعة، مما اضر بالاحوال المعيشية للملايين من المشتغلين بالزراعة والبستنة والصيد، اضافة الى التاثيرات السلبية على مشاريع الطاقة المائية وايضاً مضاعفة تكاليف الارواء!

الانقراض التدريجي الحاصل في انتاج المحاصيل الزراعية التي اشتهرت بها مناطق الفرات الاوسط والجنوبي دليل صارخ على الاتجاه الذي تسير عليه احوال نهر الفرات؛ فاختفاء انتاج رز العنبر وانواع نادرة من التمور، اضافة الى ان ضحالة الكميات المنتجة من انواع الحبوب والمحاصيل البقلية والخضار صار مألوفا بسبب تآلف الاهالي مع الامر الواقع، وبطبيعة الحال ان انخفاض نسبة المسطحات المائية وقلة تدفق مياهها سيؤثر سلباً على حالة المناخ العامة وسيجعل الطبقة الهوائية مشبعة بالملوثات والاغبرة الهابة من المحيط الصحراوي، هذا كله اضافة الى حرمان الاهوار والمستنقعات من مغذياتها النهرية وبما يؤدي الى جفافها والى تغير ملموس في حالة البيئة الطبيعية، واختفاء متلاحق للتنوع الحيواني والنباتي فيها.

كلما قللت تركيا نسبة مياه الفرات العابرة من حدودها زادت سوريا من تجاوزها على النسبة المتبقية خاصة بعد بناء سوريا للعديد من السدود والخزانات المائية على الفرات كسد الثورة وسد البعث وسد تشرين!

ان علامات الساعة التي ابتدأت بالفرات، وانقضت عليه او تكاد، هي ذاتها تزحف واثقة لتنقض على دجلة الخير، ام البساتين، والماء والطين، ام بغداد، وشريان بطينيها الايمن والايسر، ام كرخها ورصافتها، دجلة الابهر، دجلة، ام ربيعي الموصل الحدباء، دجلة المنعشة بالتوائها ملوية سامراء، دجلة سلة الخير، دجلة سرد لا يستحق ان ينتهي او يتوقف، لحكايا الزمان والمكان التي يكتبها موج النهر على طميه المحفوظ على لسان ثغر العراق الباسم، هذا الثغر الذي بدأ يتمتم جزعاً مما يجري حتما سيكون عابساً لان انقطاع طميه هو انقطاع لإيقاع حكايا لسانه!

عراق بلا دجلة والفرات ليس عراقاً، فدونهما ليس في العراق جسور او زوارق وطيور وليس فيه بحيرات واهوار وتمور ليس فيه شط للعرب، انما هو اخدود للنفايات مكب، عراق دون دجلة والفرات صحراء كبرى، واحاتها نقر، وسراديب، وبيوت من شعر الابل، وقلاع رملية تشبه قلعة نقرة السلمان!

المصيبة الكبرى ان البعض يتصور أن الأمر طارئ، وبعد حين ستعود المياه الى مجاريها، هذا البعض ما زال لا يدرك بأن هناك مجاري أخرى مصطنعة والمياه تدفع اليها دفعاً.

البعض الآخر يتصور ان الضرر لن يكون شاملاً وكاملاً على دجلة لأن بعض روافدها لا تنحدر من الارض المحكومة بحكم آل عثمان، ويتفاءل بتحويل جزء من مياهها الى نهر الفرات، متجاهلاً أن موردات معظم هذه الروافد تنحدر من إيران، وان لشاهها الجديد أطماعاً لا تختلف عن اطماع شاهها القديم بارض العراق ونفطه ومياهه وحتى بعتباته المقدسة، واللافت هنا ان شاهات إيران الجدد يتبارون مع سلاطين الباب العالي في سباق محموم للسيطرة على مقومات الحياة في بلادنا!

إيران ايضا تبني السدود والخزانات التي تحجز مغذيات روافد دجلة، فقد نشفت روافد العظيم وديالى والوند والطيب والكرخة والكارون، وغيرت مجاري المنابع وجعلت من بعضها سواقي لتصريف المياه الثقيلة ومياه البزل المالحة، مما تسببت بتلويث المناطق الزراعية التي تمر بها هذه الانهار الصغيرة، وكان لتنشيف نهرالكارون الصاب بشط العرب دور كبير في انحسار مناسيبه وايضاً تلف متواتر لبساتين النخيل على ضفافه، وعليه فان ماينطبق على الفرات ينطبق على دجلة ولو بعد حين.

الكارثة المتوالية التي تفتك بتكوين العراق البيئي ومستقبله الحيوي، جراء السياسات العدوانية لتركيا وإيران، تفترض بحكام العراق ان يتعاملوا مع الموضوع برمته بمنتهى الجدية والفورية وعلى كافة المستويات الحاضرة والمستقبلية، انه ومن صلب مسؤولياتهم توفير حالة من الامن الاستراتيجي غذائياً ومائياً والوجهان متكاملان، فموت الزراعة وفقدان المصادر الطبيعية للمياه العذبة لا يمكن تعويضهما وباي حال من الأحوال برفع وتيرة الانتاج النفطي حتى لو وصلت كمياته المنتجة الى ما يعادل كميات المياه العابرة يوميا في نهري دجلة والفرات، النفط نفسه ثروة ناضبة وبحدود زمنية قريبة من زمن انقراض مياه نهري دجلة والفرات، والأهم من ذلك ان مياه النهرين ليست منقرضة بفعل عوامل طبيعية انها بفعل فاعل، اي انه متعمد، ومع سبق الاصرار والترصد تسرق حصة العراق الشرعية وتحجز بذرائع مفتعلة وبمبررات مراوغة لا يقبل بها القانون الدولي!

مطلوب تشكيل مجلس أعلى للمياه يشرف على وضع حزمة حازمة من الاجراءات المتكاملة، سياسياً وفنياً واستراتيجياً ودبلوماسياً وتلحق به دائرة بحوث متخصصة، مطلوب المباشرة بتقديم طلب رسمي للأمم المتحدة للمساعدة في تقدير حجم النكبة التي يتعرض لها الأمن المائي العراقي، والتقدم دبلوماسياً لتشكيل لجان مشتركة مع البلدان ذات العلاقة، وعدم التردد بالتقدم الى المحاكم الدولية في حالة استمرار تجاهل الدول ذات العلاقة، مطلوب وضع دراسات للبدائل المتاحة والعمل على تنفيذ ما هو ممكن منها لسد الاحتياجات المتزايدة، إلى جانب الشروع بحملة تثقيف وتوعية بخطورة الوضع القائم، مطلوب تعبئة شعبية ورسمية لانتزاع الحقوق المائية التي تغتصبها دول الجوار، والعمل على وضع الحقائق امام الرأي العام العالمي، وامام الرأي العام في دول الجوار أيضاً، ووضع هدف ابرام اتفاقيات مائية شاملة مع تركيا وسوريا وإيران وبإشراف الامم المتحدة، في اولويات اي تحرك قادم لضمان عدم تمييع التحرك العراقي، كل ذلك الى جانب اجراء مسوح شاملة للمياه الجوفية ودراسة جدوى لمشاريع تحلية المياه.

ان شيوع نمط حكم المحاصصات الطائفية والعرقية والمناطقية في عراق اليوم، يعزز نزعة تجاهل الحقوق الوطنية المشروعة للعراق من مخالب دول الجوار، ليس فقط في مجال الحصص المائية التي يستحقها العراق من الانهار المشتركة، وانما ايضاً في مجال حقول النفط المشتركة، وفي مجال حقوقه المشروعة في المياه البحرية الاقليمية المتداخلة، وفي المياه الدولية.

صيادو شط العرب والفاو وام قصر يعانون الأمرين من بطش وتكالب دوريات خفر السواحل الإيرانية والكويتية التي تمنعهم من الخروج للمياه الدولية بحجة انها مياه اقليمية، ونفس الفكرة تنطبق على اهداف المشروع الكويتي لبناء ميناء مبارك الكبير الذي سيؤدي الى حرمان الموانئ العراقية من الاستخدام الأمثل لمنافذها البحرية.

الامر أكثر من خطير لأنه يمس جوهر ونمط الحياة والمعاش في هذه البلاد المنكوبة، والنكبة العظمى ان يضع اصحاب القرار فيها رؤوسهم في الرمال، حتى لا تعيقهم هذه الانشغالات عن مهمة شفط اكبر قدر من المال العام!

لا تنتظروا القدر المقدر، اصنعوا قدركم الذي سيكتب على جبين احفادكم بعد عمر طويل، فدجلة والفرات من اقدس مقدرات العراق، ان فقدت فقد العراق قدره، رب قائل يقول ان تكديس تركيا لمياه دجلة والفرات سيكون وبالاً عليها وان بعد مائة عام، لأنه صنع يخالف شرعة الله، فقد تتفجر السدود وتتكسر الخزائن بهزة ارضية ترعاها السماء، اعلاناً لطوفان جديد تعود المياه بعده لمجاريها حتى المصب!

نقول ان ثمن هذا التواكل حتى لو كان ممكناً سيكون فادحاً بفداحة الطوفان نفسه، فاي تغييب نوعي للعراق لن تكون آثاره مؤقتة وان كان هذا التغييب طارئاً، اندثار دجلة والفرات في العراق لمائة او خمسمائة عام، سيخرجه تماماً من ذاته وسيصنع منه ذات اخرى اقرب ما تكون للنكرة.

جمال محمد تقي