الانتخابات الفرنسية تعرِّي 'الديمقراطيات' العربية

بقلم: حسان القطب

انتهت الانتخابات الفرنسية واعترف الرئيس الفرنسي الحالي بالهزيمة مسلماً برأي وقرار الأكثرية الناخبة ولو بفارق بسيط، وقام بتهنئة الفائز وخاطبه وخاطب جمهوره مهنئاً داعياً الجميع للعمل لمصلحة الجمهورية.

لم يتحدث ساركوزي عن ضرورة حماية التعددية في فرنسا، ولا هاجم الأكثرية الوهمية التي جاءت إلى السلطة نتيجة مؤامرة تستهدف دوره وحضوره، ولم يعتبر المرشح الفائز "هولاند" أنه قد استطاع هزيمة المشاريع التآمرية التي حاولت منعه من الوصول إلى السلطة، ولا جمهوره من اشرف الناس وأفضلهم بل دعا الجميع للتعاون لبناء فرنسا أفضل.

هذا المشهد الحضاري والمتكرر في المجتمع الغربي الذي نتناقض معه في كثير من الأمور سواء السياسية منها أو الثقافية قد جعلنا نقارن بين ما جرى في فرنسا من انتخابات حضارية هادئة وبين ما جرى في بعض الدول العربية ولبنان وما يجري اليوم في سوريا من رفض ديكتاتور سوريا التنحي عن السلطة أو على الأقل خوض انتخابات نزيهة لتحديد شكل السلطة ومستقبلها في مرحلة سابقة وليس الآن لأنه قد فات الأوان على هكذا شكل من أشكال الحلول، خاصةً إذا تذكرنا أن بنداً دستورياً كان يمنع أي حزب من خوض انتخابات الرئاسة باستثناء مرشح حزب البعث.

وهذا المشهد يفسر لنا لماذا قد انتفضت مجتمعاتنا العربية على حكامها القابضين على السلطة مدة عقود، وذلك دون شك نتيجة ظلمهم وسوء إدارتهم وفساد فريقهم، وبسبب إعادة إحيائهم لنظام التوريث لأبنائهم مع أن بعضهم ثار على الملكية تحت شعار بناء الدولة الجمهورية.

وتبين لاحقاً أن مفهوم تداول السلطة لدى هؤلاء الحكام هو أن لا يطاولهم مطلقاً وانه لا يتجاوز في حده الأقصى تغيير رئيس الحكومة وبعض الوزراء والمديرين والضباط للتهرب من مسؤولياتهم الفعلية والحقيقية وتحميلها لمن لا حول له ولا قوة.

ولإعطاء انطباع لدى جمهور المواطنين أنهم إنما يحاسبون من يفشل في تطبيق سياسات ناجحة أو في تقديم أفكار ومشاريع تخدم الوطن والمواطن متجاهلين أنهم هم أصحاب هذه السياسات التي أفقرت البلاد وأساءت للعباد لا من تمت معاقبته.

ولكن يجب القول إنه وطوال هذه المرحلة القاتمة والسوداء من تاريخ أمتنا رسخت في أذهاننا أفكار الفكر الواحد والرأي الواحد وعدم قبول الآخر والاعتراف به، وتعززت في وعينا نظرية المؤامرة فكل رأي مخالف هو مؤامرة وكل اعتراض هو جريمة، وكل تناقض في الرؤية والتوجه والموقف إنما يهدف للقضاء على البنيان والكيان والوطن..وكل عجز إنما هو نتيجة تآمر وكل فشل هو بسبب تضافر قوى التآمر.

فالقائد الحاكم ملهم، وجمهوره لا يحاسب، ومن يخالفه الرأي يجب أن يعاقب، فقد غاب عن ثقافتنا أو قد تم تغييب مفهوم تعدد وتباين الآراء وتناقضها تماماً كما غاب عن مجتمعاتنا أهمية تعدد التشكيلات الحزبية وتنوعها إلا تلك التي تخدم السلطة أو تسير في ركابها مهما كانت تسمياتها وأهدافها، ومن الممكن أن نلمس هذا التوجه في سلوكنا وفي حواراتنا ونقاشاتنا مع بعضنا البعض.

إن تطبيق الديمقراطية والعيش في كنفها هي رغبة أكيدة لدى شعوب الربيع العربي ومنها لبنان، ولكن الديمقراطية ليست مجرد شعار بل هي واقع يعيشه اليوم آخرون، والمشهد الفرنسي كان لنا دليلاً واقعياً ومؤثراً، وتداول السلطة الحقيقي والفعلي يحقق قدرة الشعب على إنتاج أحزاب جديدة وقيادات وطنية وكذلك محاسبة قادة وإخراجها من ساحة العمل السياسي، وإنجاز التغيير عبر صندوق الاقتراع حين يرى الشعب ذلك ضرورياً، لذا فإن نجاح التجربة الديمقراطية يستند إلى ثلاثة مقومات:

ـ الديمقراطية ثقافة وتربية وممارسة يجب أن يعيشها المواطن في كافة جوانب حياته، لا حديث خرافة أو قصص تتلى، وشعارات ترفع وعناوين تتصدر، وممارستها بحرية يعني أن صندوق الاقتراع هو المكان المناسب لتطبيق الديمقراطية، والبرامج الانتخابية هي معيار الانتخاب والاختيار، والنجاح والخسارة يشكل الدليل القاطع على فشل الخيارات أو على نجاحها، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، وتداول السلطة هو المشهد الموضوعي الذي يؤكد صحة التطبيق واحترام العناوين والمبادئ.

أما ثقافة الأصابع المرفوعة والقبضات المتوعدة، فهي تنتج ما نشرته إحدى الصحف في لبنان من صورة قد تم التلاعب بها لأحد قادة المعارضة في لبنان خلال استقباله نائب وزير الخارجية الأميركية للدلالة على خضوعه للإملاءات الخارجية، فصحافة من هذا النوع وأداء سياسي من هذا القبيل يقود البلاد إلى أين؟، وأي مستقبل يرتجى من فريق لا يفكر إلا بهذه الطريقة ولا يخاطب جمهوره وخصومه إلا بأسلوب التخوين؟

ـ حماية الخيار الديمقراطي وتأمين حسن التطبيق تتطلب وجود مؤسسات مستقلة (تشريعية، تنفيذية وقضائية) تمارس دورها بحرية واستقلالية من رقابية إلى محاسبة، ووجود سلطة قانون حقيقية لا سلطة مخابراتية كما جري ويجري في العالم العربي ولبنان احدها اليوم مع الأسف.

فلا سلطة فوق المحاسبة ولا فريق فوق سلطة القانون، واحترام نتائج الانتخابات جزء أساسي ومهم من العملية الديمقراطية، فالأكثرية هي حالة حقيقية تفرزها صناديق الاقتراع لا يتم تخوينها واتهامها بالرشوة، ولا يتم ترهيب بعضها بقوة السلاح وتحويل مواقعها من فريق إلى فريق كما يتم شراء لاعبي كرة القدم.

والخسارة ليس معناها مؤامرة وتآمر على فريق لبناني أو غيره، والانتصار ليس انتصاراً لفريق على آخر ولا لخيار على خيارات بل انتخاب نهج ومشروع قد ينجح وقد يفشل فيكافأ في صندوق الاقتراع حال نجاحه من قبل ناخبيه عند أي استحقاق انتخابي قادم، أو يحاسب فيفشل ويجلس في مقاعد المعارضة، لا للتعطيل بل لتصويب العمل السياسي والإنمائي، وهذا ما نحن لا زلنا بعيدين عنه.

فكيف يقوم رئيس مجلس تشريعي بإغلاق مجلس نيابي لمدة عامين ثم ينتخبه جمهوره بحرارة، ونعيد انتخابه رئيساً لمجلس قد تم احتكاره وتعطيله، ويقوم بعضهم بالإشارة إليه على انه دعامة وطنية وركن الاستقرار والإنتاج التشريعي، فيما هو يقوم بتدوير الزوايا كما يقول؟

ـ الركن الأساسي في تطبيق الديمقراطية وحمايتها من العبث والوقوع في الخلل هو الجسم القضائي المستقل والحر الذي يقوم بمحاسبة المسيء والضرب بقوة القانون على يد من يفسد في الأمن والسياسة، ومن يهدر المال العام وعلى من يشكل خطراً على الأمن الداخلي..ولا يخضع لتدخل النافذين من السياسيين والأمنيين.

إلى جانب ما تقدم فإن الحرية الإعلامية هي السلطة الشعبية الرابعة لمراقبة ومحاسبة هذه المؤسسات ولتعميم ونشر الثقافة الديمقراطية، هذا في حال قام الإعلام بدوره لا على الطريقة المزيفة التي مارستها إحدى الصحف كما ورد قبلاً، ومهمة الإعلام إطلاع الجمهور على نشاط وسلوك مؤسسات الدولة وفتح منابرها وصفحاتها وشاشاتها لكافة القوى السياسية والنخب الثقافية لتقديم برامجها ورؤيتها وتطلعاتها لتعزيز ثقافة الديمقراطية ونشر حرية تبادل الرأي والنقاش الحر الموضوعي الهادئ والمتزن بعيداً عن التشنج والعصبية وإطلاق عبارات الاتهام والتخوين والتشكيك وأخبار التحريف والتزوير.

وسوى ذلك فسنبقى نشاهد بحسرة وغضب وألم عبر الإعلام تداول السلطة في المجتمعات الغربية وبعض المجتمعات الأخرى ودولتي الهند وإسرائيل من بينها، فيما نحن لا زلنا نجاهد لتحقيق التغيير ونتصارع من عهد ديكتاتور إلى آخر لأننا لم نحسن حماية مجتمعاتنا وتحصينها من هذا السلوك والنهج والفكر.

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات