من الذي يسيء الى المسلمين ومقدساتهم؟ الغرب أم المسلمون؟

بقلم: عبدالغني يحيى

قبل أيام نقلت الوكالات خبراً عن قيام القس تيري جونز بولاية فلوريدا الاميركية بحرق نسخ من القرآن الكريم لأجل حمل طهران على اطلاق سراح قس مسجون لديها.

اللافت ان الحرق "المزعوم" للمصحف الشريف هذه المرة لم يثر احتجاجاً لدى العالم الاسلامي كالذي أثاره التهديد بحرقه قبل نحو عامين وتراجع جونز عن تهديده فيما بعد، ولما سئل يومذاك عن السبب في عدوله عن حرق الكتاب الكريم، كان رده محل دهشة واستغراب حين قال "لم اكن أنوي ابدا حرق القرآن، كل ما أردته هو جعل العالم يقف على مدى التعصب في نفوس المسلمين".

وفي عملية اخرى تلت تراجع جونز آنذاك عن عزمه، ذكر ان بعضهم اقدم على اضرام النار في القرآن الكريم، الطريف ان ردود الفعل عليهم لم تكن في مستوى ردود الفعل على تهديد جونز بحرقه، فلقد جاءت ردود الفعل على القول اقوى منه على الفعل!

ويبدو من خلال العد التنازلي للاحتجاجات تراجع تدريجي عنها، فآخر خبر عن ادعاء جونز بحرق القرآن، لم تكن له أصداء تذكر، وقوبل الخبر بعدم اكتراث العالم الاسلامي، وهو الصحيح.

ويخيل لي ان جونز رغم ادعائه لم يقدم على حرق القرآن هذه المرة ايضاً بل اشعل النار في كتب عادية لأيهام المسلمين بانه احرق القرآن على امل ان يثير بعضاً منهم لا اكثر.

وقبل جونز باعوام، كان الرسام الدنماركي الذي اساءت رسوم كاريكاتيرية له الى النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد قال بدوره انه "لم يتطاول على النبي والعتب على الذين فسروا عمله خطأ".

عليه وازاء تجاهل المسلمين لفعل جونز المزعوم، لا يسع المرء الا ان يقيم عالياً ضبط النفس الذي أظهروه، فلو كانوا قد تصرفوا وفق ما أراده جونز لكانوا قد عملوا مايشبه صب الزيت على النار وزادوا التعصب تعصباً والفجوة بين المسلمين والمسيحيين الذين غالباً ما اخذوا بذنب الافراد منهم مثل جونز أو الرسام الدنماركي على سبيل المثال.

علماً ان التطاول والاعتداء على الدين الاسلامي ومقدسات المسلمين يأتي بدرجة أولى من المسلمين وليس المسيحيين أو الغربيين، فتزامناً مع الحملة التي نددت بتهديد جونز في وقته جرى افتتاح مسجد في منطقة كندية محاذية للقطب الشمالي وذلك وسط مراسيم مهيبة لم يتخلف المسيحيون من المشاركة فيها على الصعيدين الرسمي والشعبي.

وفي الثلث الاخير من القرن الماضي كان الكاتب الهندي المسلم سلمان رشدي في كتابه آيات شيطانية من اشد المهاجمين للدين الاسلامي يومذاك، حتى انه جلب على نفسه عاصفة من الاحتجاجات في العالم الاسلامي، ما دفع بالأمام الخميني الى ان يفتي بهدر دمه.

وفيما بعد خطت الكاتبة البنغالية المسلمة تسليمة نسرين خطوة مماثلة لتلك التي خطاها رشدي في اصدارها كتاباً استفز مشاعر المسلمين في بلدها بالاخص الذي شهد تظاهرات استنكار وحرق لكتابها.

ومنذ رشدي ونسرين وقبلهما ايضاً، فان الاساءة الى الدين الاسلامي اتخذت وتتخذ اشكالاً شتى وعلى يد المسلمين انفسهم، ففي اكثر من مرة، تم الكشف في معبر باشماغ الحدودي بين العراق وايران، استخدام تجار ايرانيين لأوراق الذكر الحكيم في تغليف التفاح الايراني المصدر الى العراق، ولم يحتج احد على جانبي الحدود على ذلك، واثبت الكرد وعياً رفيعاً بتجاهلهم لذلك السلوك المستفز. وكان حرياً بوسائل الأعلام الترفع عن الخوض فيه، فهكذا عمل اولى بأن يقبر من أن ينشر.

وتوالت الاعتداءات والاساءات الى الدين الإسلامي ودور العبادة الاسلامية وشخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى يد المتشددين الإسلاميين طبعاً.

فعلى سبيل المثال اعتقلت السلطات الماليزية الصحفي السعودي "حمزة كاشغري" الذي تهجم على النبي في يوم ميلاده وعده انساناً عادياً وليس نبياً، بعد ذلك سلم الى الحكومة السعودية لتبت في أمره.

وفي تونس حصلت حوادث قيمت على انها مساس بالدين الاسلامي، اما في الكويت فإن تجاوز أحدهم على النبي صلى الله عليه وسلم دفع بالحكومة الكويتية الى اصدار قانون يقضي باعدام كل من يسيى الى النبي وزوجاته والى الذات الالهية ايضاً، بالكلام البذيء.

وبدرجات متفاوتة شهدت بلدان في العالم الاسلامي وما تزال، وفي مقدمتها العراق خروقات بحق الدين الاسلامي وطعوناً ضد المقدسات الاسلامية وكان القائمون بها وما يزال المسلمون أنفسهم، وعلى ذكر العراق قتل العديد من رجال الدين المسلمين من سنة وشيعة، ومن رجال الدين المسيحيين ايضاً، بحيث لم تسلم منها حتى المرجعيات الدينية الشيعية.

اذ يكاد لا يمر يوم دون أن تمتد اشكال من الاعتداءات الى رموز دينية شيعية من وكلاء المراجع الدينية الشيعية وغيرهم، دع جانباً التخريب والتدمير الذي الحقه ويلحقه بعضهم بالمساجد ودورالعبادة الشيعية والسنية على حد سواء وعلى ايدي المتشددين المسلمين.

أما حال رجال الدين المسيحيين والكنائس والاديرة ومنذ اعوام فيرثى له، ففي الاعوام الماضية دمرت كنائس وأديرة في بغداد والموصل وكركوك وذبح ذبح الشاة العديد من القساوسة ورجال الدين المسيحيين وعلى يد منظمات ارهابية تدعي الاسلام، وأدت هذه الاعتداءات الى هجرة وفرار الآلاف من المسيحيين من العراق الى كردستان والغرب طلباً للحماية والأمان.

وليس المسيحيون أو الايزيديون وحدهم الذين يفرون من المتشددين الاسلاميين بل ان المسلمين انفسهم يهربون منهم، اذ يوجد حالياً في بلدان العالم المسيحي في الغرب الملايين من المسلمين الشرقيين الذين يعيشون فيها معززين مكرمين في حين لم يسجل لجوء أي غربي مسيحي الى الدول العربية والإسلامية طلباً للأمن والرزق والاستقرار.

عدا ذلك، هنالك بؤر توتر دائمة في الدول الاسلامية تسيء الى الاسلام والمقدسات الاسلامية، ففي نجيريا مثلاً تعيث عصابة "بوكوحرام" فساداً وتعتدي بشكل شبه يومي على المسيحيين وكنائسهم، ولا تقل خطورة فتاوى بعض من رجال الدين السعوديين على الاسلام عن خطورة "بوكوحرام" على الاسلام سيما الفتاوى التي تنتقص من الشيعة، وفي احداها ورد تحريض على هدم الكنائس.

واعود الى العراق الذي بلغت فيه الفتنة الطائفية ذروتها والتي يمارسها متشددون سنة ضد الشيعة اذ على مدى السنوات المنصرمة احرقوا ودمروا العديد من الحسينيات وفجروا مصلين اثناء ادائهم صلاة الجمعة، بالمقابل فان المتشددين الشيعة لم يتوانوا عن اتباع النهج الطائفي الدموي نفسه ضد السنة، وانجرت حكومة المالكي في الآونة الاخيرة الى الطائفية في تصرفاتها ضد السنة والكرد كذلك وابلغ دليل على ذلك استيلاؤها على 5 آلاف كيلومتر مربع من أراضي الوقف السني في محافظة كركوك وضمها الى الوقف الشعبي ما أثار سخطاً واسعاً من لدن اوسع قطاعات الشعب العراقي من الكرد والعرب السنة في آن معاً.

في الماضي غالباً ما كان الاميركان والاسرائيلون يتهمون باذكاء نار الفرقة والطائفية والعنصرية بين العراقيين، وطوال الاعوام السابقة، كانت اصابع الاتهام تشير الى الاميركان، ولكن بعد شهور من انسحاب الاميركان من العراق وبإلحاح من السنة والشيعة فان المصادمات الطائفية ازدادت واتخذت اشكالاً عدة تهدد العملية السياسية بالفناء.

وفي زيارته الى أربيل برأ الزعيم الشيعي مقتدى الصدر ساحة اليهود مما يجري في العراق وبشكل غير مباشر حين قال بخلو كردستان من اليهود وعدم تواجدهم في العراق.

وعليه فإن اتهام الصهيونية بتأجيج الصراع الطائفي أو العرقي في العراق لا يغدو سوى رمي للحصى في الظلام ولا ينطلي الا على السذج من الناس؛ فكل الدلائل تشير الى ان المتشددين الاسلاميين هم الذين يسيؤون الى الاسلام والى غير المسلمين ايضاً وليس الغرب او العالم المسيحي.

على منظمة التعاون الاسلامي والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والأزهر الشريف وجميع رجال الدين الاسلامي اينما كانوا ووجدوا التصدي للافعال المسيئة للأسلام والمقدسات الاسلامية التي ترتكبها القوى الاسلامية المتشددة وايقافها عند حدها والا فان العالم الاسلامي في حال ترك الحبل على الغارب لتلك القوى، سيواجه مصيراً مظلماً لا يحسد عليه.

عبد الغني علي يحيى

رئيس تحرير صحيفة راية الموصل ـ العراق

Al_botani2008@yahoo.com