حلم 'الإخوان' الكبير

بقلم: أحمد عبدالملك

بعد وصول "الإخوان" في مصر إلى صدارة الانتخابات التشريعية، وسباقهم المحموم نحو الرئاسة، وكذلك وصول تيارات إسلامية في كل من المغرب وتونس وليبيا، مع الحرب المستعرة في سوريا بين النظام والشعب السوري الذي يضم جماعات (سُنية) ضد النظام العلوي في هذا البلد، بعد كل هذه التطورات المتلاحقة خلال عام واحد، لما سُمي بالثورات العربية وسقوط أربعة أنظمة عربية، لم تكن ديمقراطية بالشكل الصحيح، على رغم شعاراتها الكاذبة، بعد كل ذلك، برزت فكرة حلم "الإخوان المسلمين" في حكم المنطقة لتشمل كذلك بلداناً ليست عربية وإن كانت إسلامية، حسبما توصل إليه الكاتبان "إدموند بلير" و"توم بيري" في "ميدل إيست أونلاين" بعد مقابلات مع مسؤولين في جماعة "الإخوان المسلمين" وسفراء، ومنتسبي معاهد دراسات.

وحلل الكاتبان مواقف "الإخوان المسلمين" حيث يمضيان في بسط مؤدى تحليلهما قائلين: "تمكنت جماعة الإخوان المسلمين في هدوء من بسط نفوذها خارج مصر طوال تاريخها الممتد 84 عاماً، ولكن الثورات العربية فتحت آفاقاً سياسية جديدة واسعة تأمل الجماعة في أن تعكس رؤية مؤسسها حسن البنا للعالم العربي والإسلامي".

ويذهب الكاتبان إلى أن "نجاح جماعة الإخوان في الانتخابات التشريعية المصرية، إضافة إلى فوز إسلاميين في الانتخابات في كل من تونس والمغرب، وظهور أطراف إسلامية قوية في المشهد السياسي في ليبيا وداخل المعارضة السورية، أدى إلى إجبار العالم على إعادة التفكير في الطريقة التي يمكنه التعامل بها مع الإسلام السياسي".

ويلمّح المقال إلى قضية تحسين علاقات "الإخوان" مع بعض دول المنطقة -التي وعدت مصر بما يقارب 15 مليار دولار من المساعدات والاستثمارات- ولم يصل منها إلا القليل.

والقضية هنا أن الأنظمة العربية أبدت توجساً من تغلغل "الإخوان" في مؤسساتها لدرجة التوجس من قيامهم بتصدير العدوى إليها. وهذا ما عبّر عنه عضو مكتب الإرشاد في الجماعة محمود غزلان الذي ذكر أن البعض في دول المنطقة "يخشون من أن العدوى قد تنتقل ويحدث هنالك مثلما حدث في هذه المنطقة، ونحن لا نتطلع إلى هذا".

ويأتي الكاتبان برؤية لشادي حامد من معهد "بروكينجز" الدوحة، تقول إن جماعة "الإخوان" لها جماعات منتمية لها في بعض دول المنطقة بما في ذلك بعض دول منطقة الخليج، "يُنظر إليها على أنها تمثل تهديداً للنظم".

وهذه قضية بدت أكثر وضوحاً، عندما استخدمت بعض الدول الخليجية "الإخوان" لمواجهة التيار الشيوعي في فترة الستينيات، ولكن الأمر ازداد صعوبة بعد تخّرج الآلاف من الطلبة الذين تتلمذوا على يد "الإخوان" وعلى مناهجهم التي اعتمدت عليها وزارات المعارف والتربية منذ إنشاء النظام التعليمي النظامي في أوائل الستينيات، وهو ما يفسر بعض الحوادث الأخيرة في دول الخليج العربية و"تطيّر" بعض الدول من تحالفات أو نشاطات قد تهدد الأمن والاستقرار في هذه الدول.

وعلى رغم أن بعض دول الخليج لا تحفل كثيراً بمفاجآت المستقبل، فيما يتعلق بتنامي قوة "الإخوان" ونفوذهم داخلها طبقاً لمقاربات محلية وربما أمنية، إلا أن البعض الآخر يبدي اهتماماً كبيراً بهذه القضية، التي قد تتحول في المستقبل إلى جهة "استقطاب" لفصائل كبيرة من المجتمع المحلي، الأمر الذي يحرج الحكومات.

والقضية قابلة للتطور، وربما تكون "الزواجر" والمقاربات في المنطقة تختلف من بلد إلى آخر، ولكنها في النهاية تستقر حول مدى تهديد أية جهة للاستقرار أو تهديد الأنظمة والمصالح الوطنية لمعظم دول المنطقة العربية.

لقد حاولت بعض دول الخليج أن تعتمد -ولو نظريّاً- على مؤسسات المجتمع المدني، بتطوير علاقاتها مع هذه المؤسسات التي ليست لها صبغة سياسية، وإن كان بعضها يلتحف بالعمل التطوعي الخيري دون أن يقحم نفسه في مطالبات سياسية، ولكن الأوضاع في المنطقة أجهضت هذا المشروع، وخصوصاً في الحالتين الكويتية والبحرينية، اللتين فرضت فيهما الإجراءات الأمنية نفسها على الموقف، بعد أحداث مؤلمة.

كما ظهرت بيانات من دول خليجية أخرى تؤكد بوضوح أن "الإخوان" يمثلون تهديداً لأمن المنطقة.

فهل يتحقق حلم "الإخوان" الكبير في حكم العالم العربي من المحيط إلى الخليج؟ وهل من الحكمة الركون إلى هكذا معطيات والتعامل معها على أساس أنها واقع حال، إن صح التعبير؟

في علم السياسة لا يجوز الاعتماد على "النيات الحسنة"، ولا على "مواعظ" فقهاء السلاطين، بل ينبغي الاعتماد على قراءة الأوراق والتنبؤ بسير الأحداث القادمة. وهذا ما ينبغي لدول الخليج الالتفات إليه.

(نشر في الاتحاد الظبيانية)

أحمد عبد الملك