لا يمكن استعادة الدور الكويتي من خلال الاعلام وحده

بقلم: خيرالله خيرالله

الكويت في وسط الربيع العربي، اقلّه بسبب التجاذبات السياسية الحادة فيها. لا يمكن تجاهل ان الكويت تنتقل من ربيع الى ربيع على الرغم من انها بلد صحراوي. ازهار الربيع العربي ظهرت مجددا في الكويت الساعية الى الخروج من عقدة اسمها الاحتلال العراقي واستعادة دورها الطليعي في المنطقة. كيف لا وهي لعبت دورا مهمّا، قبل العام 1990 عندما تعرّضت للغدر، في نشر ثقافة التسامح والمعرفة في المنطقة.

هل تنجح الكويت في ذلك على الرغم من انها تواجه تعقيدات داخلية على غير صعيد عكستها الانتخابات النيابية الاخيرة التي انتجت مجلسا للامة يضمّ عددا لا بأس به من المتطرفين دينيا ومن الساعين الى قلب الطاولة على الجميع عن طريق المطالبة بدستور جديد يفرض على القيادة السياسية القبول برئيس للوزراء من خارج العائلة؟

على مدى اربعة ايام، استضافت الكويت قبل ايّام "الملتقى الاعلامي الثاني للشباب" و"الملتقى الاعلامي العربي التاسع". كما العادة، لعب الزميل ماضي الخميس الامين العام لـ"الملتقى الاعلامي العربي" دورا فاعلا في تنظيم الحدثين اللذين يحظيان برعاية مباشرة من وزارة الاعلام الكويتية. اكتسب الحدثان هذه السنة بريقا خاصا اذ جاءا في وقت تمرّ فيه المنطقة كلّها بمرحلة اقلّ ما يمكن ان توصف به انها دقيقة. كان هناك تكريم لعدد كبير من الشباب الذين يتعاطون بالاعلام، كما جرى تكريم عدد من الاعلاميين العرب.

لم تنس الكويت ماضيها الغني. حاولت الارتباط به وحتى العودة اليه والتطلع في الوقت ذاته الى المستقبل مستندة الى الحاضر، خصوصا الى دور الشباب العربي والكويتي. في النهاية، لا يمكن للكويت ان تنسى انها كانت تلعب دائما دورا طليعيا على الصعيد الاقليمي، خصوصا في مجال الاعلام ونشر المعرفة. على سبيل المثال وليس الحصر، كانت تصدر فيها في السنة 1960 ، اي قبل الاستقلال، مجلة شهرية مختصة بـ"الصحة المدرسية". لا توجد الى الآن، مجلة مختصة تعنى بالصحة المدرسية، اي بتوفير ثقافة صحية وحتى جنسية سليمة للتلاميذ والطلاب في عدد لا باس به من دول المنطقة.

اما مجلة "العربي" التي تربّى عليها معظم العرب، فقد صدر العدد الاوّل منها في العام 1958، اي قبل الاستقلال ايضا.

مرّت الكويت في تجارب كثيرة كان بعضها قاسيا جدّا. كانت تجربة الاحتلال العراقي في عهد صدّام حسين ضاغطة ولا تزال حتى يومنا هذا. توقفت عجلة التنمية طويلا في غياب القدرة على استعادة المبادرة. كذلك طرأ تغيير جذري على الدور الكويتي في المنطقة بعدما اضطرت القيادة السياسية الى التركيز على الوضع الداخلي وحصر اهتمامها بكيفية تلافي غزوة جديدة من جهة وتوفير الشعور بالأمان للكويتيين من جهة اخرى.

في السنة 2012، يبدو ان الكويت في صدد اعادة لعب دور اكثر فاعلية على الصعيد الاقليمي وذلك انطلاقا من التفاعل مع الربيع العربي والدور الشبابي من جهة والاستناد الى الخبرة الطويلة في مجال الاعلام من جهة اخرى. فما لا يمكن تجاهله ان الديموقرطية الكويتية التي واكبت قيام الدولة، حمت الكويت خلال الاجتياح العراقي. لم يجد المحتل كويتيا واحدا يقبل التعاون معه. وقف الكويتيون صفّا واحدا في مواجهة الغزو مؤكدين تمسّكهم بالتجربة الديموقراطية والتنموية التي سمحت بتجييش المجتمع الدولي تمهيدا لتحرير البلد.

هناك حاليا اشارات اكثر من واضحة الى حيوية كويتية متجددة عبّر عنها وزير الاعلام الشيخ محمّد عبدالله المبارك الصباح الذي افتتح "ملتقى الكويت الاعلامي للشباب" بانتقاد قوي للانظمة التي اختارت الانغلاق والتزمت اللغة الخشبية، اذ قال:"كلّ التعبئة الاعلامية الرسمية المفبركة الهادفة الى غسل العقول عبر عقود، سقطت امام صورة يلتقطها ناشط شاب من هاتفه النقّال لحظة قمع او قهر. تصدّر شباب التغيير العربي طليعة المشهد الاعلامي وصاروا صحافيين رغم ان بعضهم لم يدخل جامعة او يتخرّج من مدرسة... وصاروا مؤرخين وموثقين لاحداث كان يمكن، لولا ثورة الاعلام، ان تبقى في ادراج النسيان وملفّات الانكار والتجاهل".

انه كلام شجاع يصدر عن وزير يعمل مع وكيل الوزارة الشيخ سلمان الحمود الصباح على اعادة وضع الكويت على الخريطة الاعلامية بما يتناسب مع التطورات التي تشهدها المنطقة والتغييرات المرتقبة على كلّ الصعد... من المحيط الى الخليج.

الاكيد ان الاعلام، على الرغم من اهميته الكبيرة، ليس سوى عنصر من العناصر الايجابية في الكويت. لا يمكن استعادة الدور الكويتي من خلال الاعلام وحده. ثمة حاجة الى وقف المزايدات على القيادة السياسية، وهي مزايدات تأتي من كلّ حدب وصوب، والبحث جدّيا في كيفية تنظيم الحياة السياسية من دون الاساءة الى الديموقراطية. فالحيوية السياسية لا يمكن ان تكون رديفا للفوضى وتعطيل للمشاريع الكبرى في البلد. صحيح ان الكويت تمتلك تجربة اعلامية قديمة ودورا طليعيا في المنطقة، لكن هذه التجربة وهذا الدور يمكن ان يضيعا في غياب القدرة على الاستفادة من دروس الماضي القريب. دروس الماضي القريب تعني اوّل ما تعني انه لا يجوز ان يكون مجلس الامّة (مجلس النوّاب) ساحة للمزايدات التي يتقنها ممثلو الاخوان المسلمين وحتى بعض المتطرفين السنّة الذين ليسوا بعيدين عن فكر "القاعدة" وآخرين من الشيعة يعتبرون "الحرس الثوري الايراني" مثلهم الاوّل.

هناك بكلّ بساطة ما يمكن البناء عليه وتطويره في الكويت. ان يؤدي الاعلام دوره امر مهمّ. الاهمّ من ذلك الاعتراف بانّه يفترض في القطاعات الاخرى مواكبة الاعلام وقدرته على الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل واخذه في الاعتبار للدور الذي لعبه الشباب في انتاج الربيع العربي.

جميل ان يكون هناك ربيع دائم في بلد صحراوي. الاجمل من ذلك مجيء مرحلة تقطف فيها ثمار الزهور التي اينعت في هذا الربيع الكويتي الدائم...فليس بتطوير الاعلام وحده تحيا الكويت!

خيرالله خيرالله