التشكيلي لهيب كامل: الواقع العراقي يحرك مكامن الإبداع

حوار أجراه: حيدر قاسم الحجامي
الحياة تحتفي عندما يحتفي الفن

علاقة الفنان بمحيطه قلقة دائماً، خاضعة لمنطق الشك وهاجس الاستشراف، علاقة يحكمها هم المعرفة، وتنفلت من قيود الواقع الى اللا واقع، أحياناً كثيرة، القلق يتحول لدى الفنان الى ما يمكن تسميته بالجنون الخلاق.

عن هذا القلق الابداعي وأشياء أخرى حاورت الفنان التشكيلي المبدع لهيب كامل فكان هذا الحوار.

سألته ُعن كيفية تفريغ هذا القلق اليومي الى لوحات ثابتة وألوان تتجمد بعد ان تنطقها الفرشاة، يقول لهيب كامل: "الفنان جزءٌ من هذا المحيط، والقلق ما هو الا نتيجة ايجابية. وعملية الانتاج ومدى تأثير البيئة والذاكرة والحنين الى الماضي، كلها عوامل توثق لدى الفنان حالة نضح لنجاح تجربته الفنية، والاستمرار في التواصل.

وعن المقولات التي ترى أن الفن التشكيلي العراقي بتياراته المتعددة لم يشكل ملامحهُ الخاصة به وخصوصاً الاجيال المتأخرة من الفنانين الشباب، يرد قائلاً :"عندما نتكلم عن الفن التشكيلي العراقي .. يدفعني في اول الامر الى الانتباه اننا نخاطب ونحاكي نخبةً تمتلك ارثًا رافدينيا عريقا وبكل حكائيته التي تجدها عين الفنان العراقي اكثر عصريةً او معاصرةً، وذلك بادراك مناطق ثرائها من خلال ديمومة التواصل، فالفنان العراقي اليوم (عربيا وعالميا واسلاميا) حاضرا ومؤثرا ًوبشهادة الجميع.

وعن إمكانية الفنانين الواقعيين (وهو واحد منهم) ملامسة الواقع العراقي المرتبك والمتسم بالقسوة والصلابة في أحيان كثيرة، يقول: "بكل تأكيد فان عملية تمثيل الواقع هو وحده ُيخاطب الناس غالبا مع انفسهم ومع علاقاتهم البيئية بشكل عام. والبيئة هنا منوطةُ بالموروث لأنها تراث بصري، وخزين الذاكرة.

وعن تقييمه للحركة التشكيلية في العراق عموماً والناصرية خصوصاً يرى لهيب "أن الحركة التشكيلية في العراق نشطة جدا، رغم الاهتزازات التي تعرض لها البلد (سياسيا واقتصاديا واجتماعيا) كلها عوامل جعلت الفنان في حالة لا استقرار وفي صراع مستمر ادى بالتالي الى هجرة الفنان، واسميها بالهجرة المعاكسة، لأنها كانت مؤثرة وفاعلة على المحيطين الداخلي والخارجي اي دول الجوار. واليوم الجهود المبذولة حثيثة من اجل توثيق المشهد التشكيلي العراقي ومن جديد.

وعن موقفه من التراث العراقي وخصوصاً الجنوبي منهُ حيث يعتبر الجنوب العراقي موطناً للكثير من الحضارات، يرى أن التراث هو واحد من من اهم المؤثرات التي تحرك مكامن الابداع لدى الانسان الجنوبي، ويضيف "هنالك عشق كبير لتراثنا الجنوبي ولحضارتنا السومرية، فهي هويتنا الحضارية بكل مكوناتها (المعمارية والادبية والفلسفية والروحية) وقد كانت ولا تزال مصدر الهام الفنانين. فالأثر والبيئة والمناخ كلها عوامل جعلت الفنان ينفرد بتجربته السمراء او الترابية بشكل واضح. لهيب يؤكد أن لا شيء أكثر تحفيزاً لموهبة الرسم والانطلاق في هذا العالم الفسيح أكثر من الحياة ذاتها، مؤكداً "أن الحياة تحتفي عندما يحتفي الفن، فان الحوار الدائم لهذا العالم المرئي الاكثر جمالاً، اكيد يثير فيَ نشوة الرسم.

وعن العلاقة التي تربطهُ مع الفن الفوتوغرافي يؤكد أنه مجرد هواية جميلة وهي واحدة من المقاربات بين لوحاته الواقعية وعملية تسجيل الواقع عبر هذه الآلة حيث يقول "انا رجل هاوِ فقط لفن الفوتوغراف. وهذا الاقتراب يكمن من حيث التكوين والموضوع. وعملية التسجيل بآلة التصوير للطبيعة وحالات المجتمع اليومية ما هي الا حالة توثيقية بخلاف الرؤية التشكيلية وباتجاهها الواقعي وتمثيل العالم المرئي وتعبيريته الاكثر عمقا بدلالات لونية قصدية خاضعة لقراءات متعددة يكون فيها المنجز التشكيلي خلاقا برؤية جديدة.

وعن تأثير الفنانين العراقيين الرواد على المشهد التشكيلي الراهن في البلاد يقول: "الفن التشكيلي في العراق مرَّ بمراحل واهمها تشكيل جماعة سميت باسم "جماعة اصدقاء الفن" بمبادرة من الفنان أكرم شكري وكريم مجيد وعطا صبري وشوكت سليمان، وكان الدور الابرز للفنان الخالد فائق حسن. كما أصبحت النزعة الاجتماعية واضحة في كيان "جماعة بغداد للفن الحديث" التي تشكلت عام 1951 تعبيراً عن معنى الالتزام الحضاري المحلي والإنساني معاً. حينما كان الفنان العراقي جواد سليم يعبر دائما عن دور الفنان في جعل الفن وسيلة عمل إبداعي لا يكون بمعزل عن المناخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي فولدت لدى الوسط التشكيلي حالة نضج واضح في التجريب والخطاب المعاصر.

حيدر قاسم الحجامي ـ كاتب وصحفي عراقي