هل يحق للفلسطينيين المطالبة بتطبيق العدالة الدولية؟

بقلم: د.عبدالحكيم وادي

هل يحق للفلسطينيين المطالبة بتطبيق العدالة الدولية؟ سؤال يطرحه عليكم مركز راشيل كوري لمتابعة العدالة الدولية.

فالعدالة الدولية مازالت حلماً وأملاً يراود البشرية منذ بدء الخليقة فما زالت هي ضالتها وغايتها المنشودة ولكن السؤال هل نستحق نحن الفلسطينيين المطالبة بالعدالة الدولية ونحن اول من يحرمها على نفسه؟

بسبب الانقسام وسياسة القمع وتكميم الافواه والاعتقالات بين الفريقين الاخضر والاصفر...الخ من افرازات الانقلاب والانقسام وطبعا صفحات الاتهام تطول بين المتخاصمين. والضحية هو الشعب بكافة اطيافه.

من هنا ما هي اليات العدالة الدولية التي يهتم بها مركز راشيل كوري المتخصص بالابحاث القانونية الاستراتيجية وبالجرائم ضد الانسانية؟

اننا لا نبحث على الاعتراف بالعدالة الدولية للشعب الفلسطيني، وإنما لإيجاد الآليات التي تكفل تكريسها. والناظر إلى مراحل نشأة وتطور أنماط المجتمع بدءاً من الأسرة كصورة بدائية ونواة أولية للمجتمع وحتى نشوء الدولة بالصورة الحالية، يدرك أن آليات العدالة تطورت بتطور أنماط المجتمع، ولكن هل تطورنا نحن الفلسطينيين بافكارنا المجتمعية وتحديدا في ظل وجود الاحتلال ووجود الانقسام الاسود اللعين؟

مهما كانت الاجابة او المبررات او النتائج فنحن نبحث عن تكريس العدالة الدولية في فلسطين والتي تطورت مع تطور الفكر القانوني حتى استطاع أن يقف على آليات إنفاذ العدالة وبسطها على ربوع الدولة او الدول ماعدا فلسطين، وتمثلت تلك الآليات من خلال شعبة التشريع إذ كان حتماً وضع القواعد القانونية الآمرة والملزمة وفي القضاء المستقل وفي سلطة التنفيذ التي تكفل إنفاذ ما حكمت به المحاكم.

اننا بصدد ايجاد اليات لردع الجريمة الدولية التى يمارسها الاحتلال على الشعب الفلسطيني.

ولقد أتى على الجماعة الدولية حين من الدهر لم تكن تعرف شيئاً يسمى بالجريمة الدولية حينما لم تكن تتعدى الجريمة حدود الدولة ولكن ازدياد وتيرة العنف والتناحر والصراع على الصعيد الدولي وسقوط الضحايا تلو الضحايا من الأبرياء تحت رحى الحروب وجرائمها مثلما يحدث في فلسطين، أدى إلى بزوغ فكرة القاعدة الجنائية الدولية في أذهان الفلاسفة والفقهاء بيد أن تباعد الأوطان وعدم سهولة الانتقال بينها واختلاف ألوان وثقافات وديانات ولغات البشر كانت عقبات في سبيل تقنين مدونة عقابية ذات طابع وصبغة دولية.

لهذا عاشت البشرية عقوداً سحيقة تحت وطأة الحروب وما يرتكب إبانها من جرائم ومذابح وفظائع حتى أشرقت الأرض بنور الشريعة الإسلامية الغراء فإذا بها تنقل البشرية من غياهب الظلمات إلى النور.

فلم يهتدي الفكر البشري لقاعدة دولية جنائية سوى في نهاية القرن الثامن عشر في أعقاب هزيمة نابليون بونابرت حيث بزغت فكرة الحرب غير المشروعة عندما انعقد مؤتمر فينا سنة 1815. والذي قررت فيه الدول المنتصرة مسئولية نابليون في الحروب التي أثارها، وقررت ذلك باسم القانون والنظام العالمي ووصفت نابليون بأنه مثيراً للحرب غير المشروعة وعدو السلام حيث انتهى الرأي إلى اتخاذ تدبير وقائي ضده هو نفيه لجزيرة سانت هيلانة، فهل يمكن لنا ان ننفى من اقترف الجرائم ضدنا من القادة الصهاينة وهل يمكن لنا ان نحاكمهم او نحاكم من قتل ناشطة السلام راشيل كوري؟

لقد استمرت الجرائم ضد البشرية مبررين بأن مصلحة الدول تبرر كل مسلك لها وأن الحاكم لا يمكن أن يخطأ لأن سلطته مطلقة، وحاول المجتمع في أعقاب كل واحدة محاكمة مجرميها فتشكلت محكمة جنائية دولية في نورمبرج وأخرى في طوكيو لتصدر كلاهما أحكاماً بالإعدام، والسجن دون مدونه عقابيه ترخص في ذلك فكان الطعن بعدم مشروعية أحكامها، وكل ما في الأمر أن وضعت هاتين المحكمتين مبادئ عامة كانت بمثابة النواة للقانون الدولي الجنائي.وثم لاحقا شهد القانون الدولي الإنساني والجنائي تطورا ملحوظاً سواء في نصوصه أو في فعاليته واستشعر المجتمع الدولي أنه لابد من مؤسسة قضائية تنهض بشئون هذا القانون وتطبقه بعدالة وحيدة وتجرد فبدأ الأمر بإنشاء المحاكم الجنائية الدولية المؤقتة كمحكمة نورمبرج وطوكيو وتلاها بعد ذلك في حقبة لاحقة المحكمة الدولية ليوغسلافيا السابقة ثم محكمة روندا حتى توجت هذه الجهود باعتماد النظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية في روما سنة 1998.ثم بداء عمل المحكمة الجنائية الدولية فى عام 2002 بعد اكتمال النصاب القانوني لعدد الدول الموقعة على اتفاقية روما، والتي لم توقع عليها دولة الاحتلال حتى الان خوفا من ملاحقة قادة جيشها الاجرامى، مرتكب المجازر ضد اطفال وشعب فلسطين وعلى رأسهم الناشطة راشيل كوري التى تم قتلها في مدينة رفح بتاريخ/16/03/2003.

ولكن السؤال المطروح، هل حققت فعلا المحكمة الجنائية الدولية الحماية للفلسطينيين من بطش الاحتلال الاسرائيلي الدى يجرب اسلحته وطائراته العسكرية يوميا على الشعب الفلسطيني الاعزل؟

فالتنظيم الجنائي الدولي بحسب ما يجب أن يكون عليه هو الآليات التي تكفل تطبيق العدالة الدولية المجردة والمنزهة عن الأغراض السياسية والمستقل عن موازين القوى والتي تكفل إنقاذ قواعد القانون الدولي الجنائي والإنساني بهدف حماية الشعب الفلسطيني والبشرية جمعاء من مغبة الحروب غير المشروعة وجرائمها وشتى الجرائم الدولية والتي تستهدف الحيلولة دون انتهاك كرامة الإنسان في أتون النزاعات المسلحة بنوعيها الدولية وغير الدولية والتي تقوى على تقويض سيطرة القوى العظمى على موازين العدالة والإخلال بهما لتحقيق مصالحها على حساب مصالح الأطراف النامية الضعيفة مثل قطاع غزة التي تستقوي عليه الالة العسكرية الاسرائيلية بدعم وتأييد اميركى واضح وفاضح للجميع.

لمادا نجد المحكمة الجنائية الدولة منغمسة انغماسا كليا في قضايا ومستبعدة في قضية فلسطين؟

فنجدها مهتمة ومنغمسة في قضية تشكيل المحكمة الخاصة باغتيال الشهيد/رفيق الحريري في لبنان بينما نجدها تهمش قضية فلسطين وما يحصل فيها من جرائم شبه يومية على يد قطعان المستوطنين اليهود وجيشهم المحتل؟ لمادا لم تهتم بقضية اغتيال رئيسة الوزراء بنازير بوتو في باكستان كما تهتم بلبنان؟ لماذا لم تهتم بقضية تسميم القائد ياسر عرفات في رام الله او بقضية الاغتيالات الدائمة للقادة الفلسطينيين وعلى رأسهم الشهيد الشيخ احمد ياسين؟

واخيرا يمكن لنا القول اننا نبحث عن تكريس العدالة الدولية وتطبيقها على الشعب الفلسطيني انطلاقا من اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية، بموجب نظامها الأساسي النظر في الجرائم التالية:

أ) جريمة الإبادة الجماعية

ب) الجرائم ضد الإنسانية

ج) جرائم الحرب

د) جريمة العدوان

وهدا ما ينطبق قولا وعملا على الشعب الفلسطيني، امام افعال وجرائم الاحتلال الاسرائيلي المستمرة في قلع الشجر وهدم الحجر وقتل البشر وتهويد الارض وهدم التاريخ الفلسطيني بمنهجية وعقلية عنصرية نازية.

الآلية القضائية الدولية المطلوبة لتكريس العدالة الدولية في فلسطين وغيرها هي سن التشريعات الدولية عن طريق المجتمع الدولي وبموافقته ورضاه وبدون اكراه اميركي صهيوني، فلابد من قضاء مستقل يسهر على تطبيق تلك التشريعات وإعمالها على الساحة الدولية بحيادية وتجرد حتى يمكن إنتاج عدالة دولية تؤدي إلى تحقيق احترام حقوق الإنسان وكرامته وتصون حياته.

ولقد كانت الآلية القضائية وبحق أول آلية تتحقق بالفعل كجزء من هذا الأمل فهي الآن واقعاً في ظل محكمة العدل الدولية الدائمة والمحكمة الجنائية الدولية غاية ما في الأمر أنها في ظل النظام العالمي المأمول ستكون مستقلة تماما وتستمد سلطاتها من الدستور العالمي الذي سنه المجتمع الدولي، وليس قوى المصالح وسيمتد اختصاصاتها عبر الدول والحدود ولن تصطدم بمسألة سيادة الدول لأن الذي منحها سلطاتها واختصاصاتها ليس معاهدة أو نظام أساسي وإنما المجتمع الدولي الذي جاء وليد طموحاته.

وعليه لن يستطيع أحد الإفلات من سلطة المحكمة إذا ما اقترف جرما أو مخالفة للقوانين الدولية التي شرعها المجتمع الدولي ولكن تبقى تلك القوانين حبرا على ورق امام غطرسة الاحتلال الاسرائيلى المدعوم اميركيا في ظل غياب تشكيل قوة عسكرية تكون تابعة الى الامم المتحدة وتدعم تنفيذ قرارات المحكمة الجنائية الدولية بعيدا عن سياسة المصالح. وعليه ستبقى غزة وفلسطين الغائب الحاضر لعدم وجود عدالة دولية.

د.عبدالحكيم وادي

متخصص في القانون الدولي ورئيس مركز راشيل كوري لمتابعة العدالة الدولية