منظّمات 'غير حكومية' لزرع الفوضى في أسعد البلدان ‏

باريس - من حبيب طرابلسي
الإمارات غير...‏

تحاول عواصم غربية التشويش على الاستقرار في مركز الثقل الاقتصادي والسياسي العالمي الآخذ في التشكل في منطقة الخليج العربي.

وتشن وسائل إعلامية غربية حملة تستهدف التجانس الفريد في مجتمع دولة الإمارات التي احتلت المركز الأول عربياً في أول مسح تقوم به الأمم المتحدة لمؤشرات السعادة والرفاه للمواطنين.

وتخشى العواصم الغربية من أن يتمكن النموذج الاقتصادي الإماراتي من فرض نفسه كمركز ثقل دولي ويسحب البساط من تحتها لينهي عقوداً من هيمنتها الاقتصادية على المنطقة.

وتحاول الحملة الدخول إلى الإمارات من بوابة "الإصلاح الديمقراطي" التي سبق لها الدخول إلى عدد من البلدان التي لا تدور في الفلك الغربي وتعصف باستقرارها وتؤدي إلى تقسيمها.

وأغلقت حكومتا أبو ظبي ودبي مكاتب منظّمات "غير حكومية"، لكنها مموّلة أميركياً وألمانيا، تنشط ضد الاستقرار في البلاد تحت ستار "الترويج للديمقراطية".

وكانت الإمارات قد اتخذت قراراً بإغلاق ‏مكتب "المعهد الديمقراطي الوطني" الأمريكي في دبي في 28 مارس/آذار، وبإغلاق مكتب ‏منظمة "كونراد أديناور" الألمانية، في أبو ظبي اليوم التالي. كما أغلقت مؤسسة "جالوب" ‏لاستطلاعات الرأي، التي مقرها في واشنطن، مكتبها في أبو ظبي.

ووجدت "السي ان ان" و"فورين بوليسي" و"نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" و"كريستيان ساينس مونيتور" و"يوروب اونلاين" و"دير شبيغل" وغيرها من وسائل الإعلام، علاوة على وكالات الأنباء الغربية في إغلاق مكاتب المنظمات المذكورة فرصة للتنديد بما أسمته منظمة هيومان رايتس ووتش "حملة ضد من يطالبون بتغيير ديمقراطي في الإمارات"‏‎.

ذرائع غربية

ورغم أن قرار الإغلاق جاء لأسباب قانونية بحتة إلا أن ذلك لم يمنع العواصم الغربية من توجيه سهام النقد إلى الإمارات على نحو يشي بأن تلك العواصم كانت تتحين الفرصة لفتح ملفات تتسلل منها لضرب الاستقرار فيها.

ونقلت وكالة الأنباء الإماراتية عن مساعد وزير الخارجية الإماراتي للشؤون ‏القانونية، عبد الرحيم العوضي، قوله إن بعض المؤسسات الأجنبية التي كانت تعمل في الإمارات "خالفت شروط ترخيصها، مما ‏اضطر الجهات القانونية إلى إصدار قرار وقف عمل هذه المؤسسات في الإمارات العربية المتحدة".

‏وتجاهلت واشنطن الإيضاحات الإماراتية، وصرحت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إن الغربيين "يأسفون" لإغلاق هذه ‏المؤسسات.‏

وأضافت كلينتون "إننا نعتقد أن المنظمات غير الحكومية ‏تلعب دوراً مهماً وشرعياً في التنمية السياسية والاقتصادية في بلد ما. يجب أن تكون قادرة على ‏العمل وفقاً للقوانين والمعايير المعمول بها وبدون قيود".

كما أعربت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن "أسفها" إزاء الخطوة الإماراتية، وأكدت أن حكومتها ستحاول مواصلة "التعاون الوثيق" مع الإمارات.

وطالب وزير الخارجية الألماني جيدو فيسترفيله دولة الإمارات بالعدول عن قرار إغلاق مؤسسة "أديناور"، وقال "إن المؤسسات السياسية الألمانية تؤدي عملاً دولياً رائعاً".

وقالت الخارجية الألمانية في بيان أن فيسترفيله اتصل بنظيره الإماراتي، الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، بهذا الشأن.

الإمارات تستفيد بـ"الربيع" العربي

ويبقي المستوى العالي للرفاه بالإضافة إلى التجانس الفريد في التركيبة الاجتماعية الإمارات في منأى عن الاضطرابات التي تعصف بالمنطقة.

وفي تقرير مطول نشر السبت في "السي ان ان"، يورد محمد جمجوم تصريحات لسامر مسقطي، الباحث في شؤون الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش، يشير فيها إلى أن الإمارات "لم تتأثر بالاحتجاجات التي ألهمهما الربيع العربي، خلافاً للعديد من الدول الأخرى في المنطقة".‏

وبدلاً من تقديم قراءة معمقة للواقع الذي سمح للإمارات بالمحافظة على استقرارها في خضم محيط متلاطم الأمواج، سلط ممثل هيومن رايتس ووتش الضوء على الإجراءات التي اتخذتها السلطات بحق عدد من النشطاء الذين يحاولون فرض الأجندات الإيرانية والغربية في البلاد.

‏ورغم اعتراف مسقطي بأنه من غير المحتمل أن تتأثر الإمارات بالربيع العربي إلا أنه يصر على اتهام السلطات بالخوف من زحف الثورات إليها.

نظرية كيبلنغ

ولا ينبع التخوف الغربي من النموذج الإماراتي من الزاوية الاقتصادية فحسب، بل يعتقد محللون أن هذا النموذج إذا عمم فإنه سيقود حتماً إلى نهضة شاملة على كل الصعد في منطقة الشرق الأوسط كلها.

ويقول أ.د. محمد جبر الألفي، أحد أبرز الفقهاء والدعاة المعاصرين، إن "الغرب بجميع أطيافه يكن للمسلمين أحقاداً تاريخية نتيجة للحروب الدينية التي مكنت المسلمين من السيطرة على شرق أوروبا وغربها وحولت البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة إسلامية، وانعكست هذه الأحقاد على مناهج الدراسة والموروث الشعبي في الثقافة والفنون والآداب، و"عبر عنها الكاتب والشاعر البريطاني روديارد كيبلنغ بقوله 'الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا أبداً'‏، وأكدها هنتنغتون حديثا في كتابه '‏صدام الحضارات وإعادة رسم النظام العالمي'‏".

ويضيف الألفي، الذي كان مفتياً لمسلمي فرنسا وعضو اللجنة العلمية للموسوعة الفقهية الكويتية، "واليوم يواجه المسلمون تحدياً خطيراً يتمثل في النظام العالمي الجديد، الذي يهدف إلى تعميم النموذج الغربي سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعلمياً وفرض سيطرته وهيمنته على الشعوب المستضعفة، ولا سيما الشعوب الإسلامية المغلوبة على أمرها، (...) يسعى لفرض تصوراته الخاصة عن السلام والأمن وحقوق الإنسان".

ويتساءل بوريس فولخونسكي، الباحث البارز بالمعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية، حول العمل الحقيقي للمنظمات غير الحكومية الأميركية.

ويضيف الباحث في مقال باللغة الانكليزية بـ"صوت روسيا" "وبالمناسبة، لماذا نصفها بأنها منظمات غير حكومية بينما هي تحصل على تمويل من دافعي ‏الضرائب الأمريكيين وتعمل في ظل توجيهات وضعتها وزارة الخارجية ووكالات أميركية أخرى ‏أكثر سرية؟". ‏

ويوضح "الأمر المهم في قضية إغلاق مكتب المعهد الوطني الديمقراطي في الإمارات هو انه في هذه الحالة كانت واحدة من أقوى حلفاء الولايات ‏المتحدة في الشرق الأوسط، وهي الإمارات العربية المتحدة، هي التي أمرت بإغلاق مكاتب ‏منظمة أمريكية غير حكومية. وهذا يظهر حقيقة أن العمل الحقيقي للمنظمات غير الحكومية الأميركية يبدأ فهمه في الدول ‏الحليفة للولايات المتحدة أيضاً". ‏

ويخلص الباحث إلى القول بأنه "عندما يتعلق الأمر بما تسميه واشنطن '‏تعزيز الديمقراطية'‏ (وهي ليست أكثر من ‏صياغة صحيحة من الناحية السياسية لمقولة كيبلنغ حول '‏الاضطلاع بعبء الرجل الأبيض'‏)، ‏تشعر الولايات المتحدة أنها غير ملتزمة بالمرة بأي قيود".‏

اسقاط الأنظمة الخليجية

وتتزامن الانتقادات الموجهة للإمارات مع الحديث عن "ملتقى النهضة"، وهو "غطاء لـ '‏أكاديمية التغيير'‏ التي تهدف إلى تغيير وإسقاط الأنظمة في دول الخليج، كما حدث في بعض الدول مثل مصر واليمن وتونس"، بحسب ما أكده الكاتب والمحلل السياسي مشعل النامي على إحدى الفضائيات.

ويذكر أن أكاديمية التغيير، التي نقلت من لندن الى قطر، يرأسها صهر الشيخ يوسف القرضاوي، ملهم الثورات العربية، التي بدأت تتحولت إلى فوضى عارمة، مما يضع علامات استفهام كبيرة.

وأشار النامي إلى أن استضافة اشخاص مثل الشيخ سلمان العودة ووليد الثاليث وهالة الدوسري "أمر يثير الريبة ويبعث على الشك، بالنظر إلى موقف العودة من حزب الله وتاييده للثورة الخمينية واعتبار أنها النموذج الأمثل للديمقراطية، وكذلك مهاجمة الثاليث للنظام السعودي وتاييده لأحداث القطيف، ووقوفه إلى جانب الحوثيين في اليمن".