اسرائيل ولعبة التفاوض السائب الذي يعلم الاستسلام!

بقلم: جمال محمد تقي

التفاوض السائب او الحر كما يسميه الاعلام الاسرائيلي هو نعمة لاسرائيل ونقمة على العرب وتحديدا الفلسطينيين منهم، فالمفاوضات السائبة حاضنة طبيعية للانحدار نحو الاستسلام، حالها بالضبط كحال المال السائب، لان غياب الضوابط المحددة والمرجعيات الواضحة والضمانات الاكيدة عن اية مفاوضات، تجعل من الطرف الاقوى فيها قادرا على سرقة ماليس له، وتجعل من الطرف الاضعف عرضة للابتزاز، وربما للافساد، اي للارتشاء والخضوع الكلي او الجزئي لارادة الطرف الاقوى، ومن ثم للاستسلام الكلي مقابل منافع فردية او فئوية هي بالنتيجة ايضا نوع من انواع السرقة، سرقة كبرى على حساب الحلم والامل والهدف الذي من اجله قدمت التضحيات ومن اجله تبلورت الحركات الشعبية وانفرزت قياداتها!

مفاوضات السلطة الفلسطينية مع اسرائيل منذ اتفاقية اوسلو وحتى الان، سائبة الا من التحكم الاسرائيلي بمساراتها ومنحنياتها وتفاصيلها وابعادها، وهذا ما جعل اسرائيل تنجح طوال وقت تلك المفاوضات بسرقة مطردة للمزيد من الحقوق الفلسطينية، علاوة على تكريس ملكيتها للحقوق المسروقة سابقا والتي يجري عليها التفاوض.

اميركا راعية المفاوضات تنصح السلطة الفلسطينية بعدم الخروج عن سكة التفاوض ومهما حصل، انها نصيحة اجبارية يعززها التلويح بالفيتو في مجلس الامن بوجه اي طلب فلسطيني لا ترخصه اسرائيل، وبقطع المساعدات الاميركية للسلطة، فأما العزوف عن سعيها لنيل الاعتراف الكامل من الامم المتحدة بدولة فلسطينية على كامل اراضي 67، والاكتفاء بالرجوع الى طاولة التفاوض مع استمرار جرعات المنح المالية الاميركية والاوروبية، واما العزل والنبذ.

الحل الاممي لا يناسب اسرائيل، فاسرائيل تريد مفاوضات منفردة لا قاضي لها سوى اميركا، تريدها مفاوضات تشل الارادة الفلسطينية، وتفضي لغاء الوجود الفعلي للفلسطينيين، بواسطة استمرار تحقيق مشروعها الاستيطاني التوسعي والذي يرمي الى ضم كل الاراضي الحيوية بثرواتها المائية ومواقعها المؤثرة، وبتهجير المزيد من الفلسطينيين بالابعاد وبواسطة تعجيزهم عن ممارسة حياتهم الطبيعية، حتى لا تستبقي للمتبقين الا البوار، وحتى هذا البوار سوف لا يسلم هو الاخر من قيود الوصاية والابتزاز الاقتصادي والامني والسياسي.

المفاوضات وصلت لطريق مسدود لان اسرائيل لا تريد ان تسلم بالمسلمات، وهي لا تنفك عن طرح الاشتراطات التي تناقض اهداف التفاوض المعلنة من اساسها، كالاعتراف بيهودية دولة اسرائيل، ومقاطعة حماس، واثناء ذلك هي تعمل على فرض امر واقع جديد خارج غرف التفاوض السائب، حتى اصبحت عملية السلام كلها مجرد نكتة سمجة، فأي سلام هذا الذي سينتجه نقاء الدولة العبرية والذي يتطلب تهجير اكثر من مليون ونصف فلسطيني الى خارج الاراضي المحتلة عام 48؟ أي سلام هذا الذي سيأتي من تغول الاستيطان وفرضه كأمر واقع غير قابل للتفاوض؟

اخيرا استفاقت السلطة على حقيقة ان تغيير الواقع على الارض بواسطة الاستيطان الاسرائيلي يناقض اسس عملية التفاوض وينسفها من جذورها، وكلام السلطة هنا اكثر من منطقي، ولانه كذلك فقد لاقى صدى عند كل من سمعه، انحرجت اميركا وطلبت من اسرائيل تجميد الاستيطان، ولو لاشهر حتى اشعار اخر، رفضت اسرائيل العرض الاميركي، فتراجع الاميركان وتبنوا ما قاله نتنياهو حرفيا، على السلطة الاختيار بين الصلح مع حماس او السلام مع اسرائيل، لكن السلطة اختارت ان تذهب الى الامم المتحدة لنيل الاعتراف بفلسطين كدولة على كامل اراضي 67، وهي بذلك قد اختارت ان تكسب الوقت من دون ان تفقد اخر اوراقها ـ حل السلطة وتحميل اسرائيل واميركا مسؤولية تعطيل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ـ بنفس الوقت الذي تكون فيه قد سلطت كل الاضواء على الفشل القائم والمسؤولين عنه اضافة الى رمي الكرة مجددا بملعب الامم المتحدة، لتستبقي منظمة التحرير لنفسها وان بعد حين اتساقا مع ذاتها يسجله لها تاريخ السفر الفلسطيني كعودة الروح الفارة من الموت الى الجسد الحاضن للحياة.

المتحدثة باسم وزارة الخارجية الاميركية فكتوريا نولاند تنوه الى ان قرارا اميركيا بالفيتو ضد اي مشروع يقدم الى مجلس الامن للاعتراف الكامل بدولة فلسطينية على كل اراضي ماقبل 67 لا يجب ان يكون مفاجئا لاحد، يجيء تنويهها هذا متزامنا مع ضغوط شتى، وتهديدات من الكونغرس بقطع المعونات الاميركية المقدمة للسلطة الفلسطينية، علاوة على تهديد الامم المتحدة ذاتها، اما ساركوزي وعلى عادة فرنسا فهو يحاول ان ينقذ الموقف الاميركي الاسرائيلي من دون ان يخاصم الرغبة الفلسطينية، فهو يتقدم بمبادرة لعقد مؤتمر دولي جديد للسلام في الشرق الاوسط، وكأن القضية لم تشبع بعد من المؤتمرات والخطابات والمجاملات، ويبدو ان ساركوزي لم يجرب بعد شيئا منها بخصوص فلسطين، فالقضية متخمة ولا مجال فيها سوى لجعل اسرائيل تنفذ استحقاق انهاء احتلالها للاراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 وتفكيك المستوطنات فيها، ودعوة قوات اممية للفصل بين حدود الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية، خاصة في المناطق الحساسة، كحدود القدس الشرقية، وحدود الخليل وغزة، وبذلك يكون مجلس الامن هو الراعي الطبيعي والميداني لتطبيق قرارات الشرعية الدولية بما فيها قرار حق عودة اللاجئين.

الادارة الاميركية تنتظر ما تطلبه اسرائيل منها لتنفذه، وباي جانب من جوانب الصراع في الشرق الاوسط، واحيانا تكون اميركا ملكية اكثر من الملك، اي اكثر اسرائيلية من اسرائيل نفسها وخاصة في مسألة الموقف من قرارات الشرعية الدولية وعرقلة اي مسعى لالزام اسرائيل بتنفيذها.

اذا كانت مواقف راعي المفاوضات تتراقص على صوت الطبل الاسرائيلي وبهذا الشكل المقزز، فكيف ستؤدي تلك المفاوضات الى حلول عادلة او حتى معقولة؟ كيف ستكون اصلا الطريق الوحيد لتحقيق السلام العادل بين الفلسطينيين والاسرائيليين، كما يدعي اصحابها؟

صفقت حماس مع اسرائيل في مبادلة الاسير الاسرائيلي شاليط، مقابل 1028 اسيرا فلسطينيا. انه نموذج معاكس للتفاوض غير السائب الذي لا يفسح المجال للسرقة!

ما يتسرب اليوم من معطيات عن مفاوضات بين طالبان واميركا حول انسحاب اميركي منظم من افغانستان يؤكد ما ذهبنا اليه، فطالبان لن تتوقف عن مقاتلة الاميركان وان تفاوضت معهم، وهي بالتالي لن تلقي بسلاحها، حتى يغادر الاميركان كل افغانستان، لا بل حتى تسترجع حكم كابل، طالبان لن تبالي بما يوصمها به اعدائها من كونها حركة ارهابية او منغلقة، لانها مؤمنة بعدالة قضيتها ومؤمنة بالنصر، ولانها قادرة على جعل ثمن الاحتلال غاليا وغاليا، وما تفعله طالبان هنا هو عكس ما تفعله منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية هناك مع الاحتلال الاسرائيلي، حيث جعلت منه احتلالا غير ذي تكلفة بالمرة، بل يدر عليها وبوجود السلطة الفلسطينية ذاتها مكتسبات غير متوقعة!

ان عودة السلطة الفلسطينية الى حلقة المفاوضات وان بشكل خجول، وعبر الوسيط الاردني هذه المرة والذي اخذ على عاتقه كامل المهمات التي كان يقوم بها نظام حسني مبارك لتجميل قبح الحالة القائمة، يجعلنا نعتبر انقطاعها عنه عبارة عن مناورة لتحسين شروط الاستسلام لا اقل ولا اكثر.

اسرائيل سائرة بمشاريع الاستيطان وعازمة على تهويد القدس، وتبيت النية لتنفيذ مخططها القاضي بتهديم المسجد الاقصى واقامة هيكلها المزعوم وذلك بتفريغه من قاعدته الغائصة تحت الارض بواسطة حفرياتها التي احتلت كل المساحة التحتية للبلدة القديمة وتحديدا تحت ارض اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وهي تعد العدة مجددا للانقضاض على غزة، وملوك وامراء وقادة العرب منهمكون في تحشيد الحشود وتجييش الجيوش في مجلس الامن وفي كل المحافل لاستجلاب التدخل العسكري الغربي لسوريا، بل ويسفحون الملايين لتسليح وتدريب وتجنيد من له غصة مع حكام سوريا، حتى انهم جعلوا من سوريا اليوم قضيتهم المركزية!

جمال محمد تقي