اين مصر؟

بقلم: خيرالله خيرالله

اين مصر؟ ذلك هو السؤال الذي يطرح نفسه هذه الايام. لم يعد الموضوع المطروح مرتبطا بتغيير النظام في مصر، اي نهاية نظام عسكري قام في العام 1952 نتيجة الانقلاب العسكري الذي قضى على الملكية. بات الموضوع مرتبطا بمصر نفسها وكيفية انقاذ مصر. ما على المحكّ مستقبل مصر التي تعاني في مرحلة ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير من ازمة عميقة تتجاوز قضية نظام عمره 50 عاما انتهت صلاحيته مع تنحي الرئيس حسني مبارك بالطريقة التي تنحى بها.

تنحى مبارك اثر اتفاق بين المؤسسة العسكرية، التي اعتقد عن طريق الخطأ انه يسيطر عليها سيطرة تامة، وجماعة الاخوان المسلمين التي اثبتت انها القوة الاساسية القادرة على تحريك الشارع المصري. اكثر من ذلك، اظهر الاخوان انهم القوة الوحيدة التي تمتلك القدرة على ضبط الشارع، بما في ذلك شباب الثورة الذين كانوا وراء التظاهرات المليونية في ميدان التحرير. ما حصل عمليا هو ان الاخوان دخلوا على خط الثورة في اللحظة الملائمة لقطف ثمارها بعدما استطاع الشبان الذين كانوا محركها الفعلي، عن طريق وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، تغيير طبيعة المواجهة مع النظام.

كشفت الاسابيع القليلة الماضية ان الاخوان المسلمين ليسوا على استعداد لتقاسم السلطة مع احد. عادوا عن الوعود التي اطلقوها قبل الانتخابات النيابية الاخيرة والتي كانت تتلخص بانهم لن يسيطروا على البرلمان الجديد. وقبل ايّام، تبيّن انهم مصرّون على صياغة الدستور الجديد بالطريقة التي تناسبهم وانه سيكون لديهم مرشّحهم للرئاسة. كانوا قبل ذلك يصرّون على انهم لن يرشحوا احد قيادييهم للرئاسة وانهم يريدون دستورا جديدا تشارك في وضعه كل فئات المجتمع المصري. لكنّ تمادي الاخوان في السعي الى فرض دستور على قياسهم حمل الازهر الشريف على الابتعاد عن الجمعية التأسيسية المكلفة صياغة نص الدستور. ولم تلبث الكنيسة القبطية الارثوذكسية ان سارت على نهج الازهر فانسحبت بدورها من الجمعية التأسيسية.

هل يناور الاخوان، ام انهم دخلوا فعلا في مواجهة مع المجلس العسكري بهدف الانتهاء من النظام القائم؟ ثمة من يعتقد ان الاخوان لا يريدون شريكا في السلطة، أكان اسم هذا الشريك المجلس العسكري او المؤسسة العسكرية عموما او اي حزب آخر يتمتع بحد ادنى من التمثيل الشعبي. انهم يعتبرون ان ساعة الانفراد بحكم مصر دقّت وانه بات في استطاعتهم تقديم مرشح خاص بهم هو المهندس خيرت الشاطر الذي توجد لدى بعضهم علامات استفهام كثيرة في شأن ماضيه.

في المقابل، ثمة من يعتقد ان الاخوان ما زالوا يناورون وان الهدف من ترشيح الشاطر قطع الطريق على السيد عبدالمنعم ابو الفتوح المنشق عن الاخوان والذي يتمتع بشعبية كبيرة.

هناك ايضا من يعتقد انه لم يكن لدى الاخوان من خيار آخر غير ترشيح احد قيادييهم تفاديا لمزيد من الانشقاقات داخل التنظيم.

في كلّ الاحوال، ان مصر في السنة 2012 تبدو في مكان آخر. لم يعد السؤال هل تكون هناك مواجهة بين المؤسسة العسكرية والاخوان المسلمين او مدى اختراق الاخوان للمؤسسة العسكرية. السؤال هل هناك من في استطاعته حلّ اي مشكلة من مشاكل مصر؟

تتجاوز مشاكل مصر النمو السكاني والاراضي الزراعية وتقاسم مياه نهر النيل ومستوى الجامعات والمدارس، اي التعليم عموما، والتطرف الديني والعلاقة مع الاقباط. لم تكن السنوات الخمسين الاخيرة في مصر سوى سلسلة لا تنتهي من السياسات العقيمة التي قادت الى حرب 1967 ثم الى عهد الرئيس حسني مبارك الذي سعى الى توريث نجله جمال...

في السنة 2012، وفيما مصر على عتبة انتخابات رئاسية، هل بقي دور لمصر على الصعيد الاقليمي وهل مصر قادرة على التعاطي مع ازمتها الداخلية ومع الكمّية الضخمة من المشاكل الناتجة عنها؟

هناك بعض المصريين السذّج يتحدثون حاليا عن ورقة اسمها معاهدة السلام مع اسرائيل، وهي معاهدة هرب اليها الرئيس الراحل انور السادات بعدما اكتشف ان الاقتصاد في طريقه الى الانهيار. منْ يريد ان يتذكّر ان السادات زار القدس في تشرين الثاني- نوفمبر 1977 بعد اشهر قليلة من اندلاع ثورة شعبية كادت ان تؤدي الى احتراق القاهرة؟ كان الذين نزلوا الى الشارع يطالبون بالخبز وقتذاك. لم تعد الدولة قادرة على تأمين لا الخبز ولا الشاي ولا السكّر، فكان الهروب الكبير الى خارج والسعي الى تغيير طبيعة الصراع في المنطقة. نجح السادات في ذلك، لكنه لم يستطع لا هو ولا خليفته حسني مبارك ايجاد حلول جذرية لمشاكل مصر.

هناك مصر جديدة الآن. مصر ما بعد انهيار حكم العسكر الذين باتوا يطمحون الى صيغة تحفظ لهم حصة في السلطة. هناك ايضا الاخوان المسلمون الذين لا يمتلكون ايّ حلّ لايّ مشكلة في مصر. وهناك من يتذكّر امجاد مصر. مصر الثلاثينات والاربعينات والخمسينات من القرن الماضي. مصر ام كلثوم وعبدالوهاب وطه حسين والعقّاد وآلاف المبدعين في كلّ الحقول من الذين تجاوز اشعاعهم حدود مصر.

مصر التي عرفناها والتي امنت بعض السمات الحضارية لعهود جمال عبدالناصر وانور السادات وحسني مبارك، مصر هذه لم تعد موجودة. ولذلك، لا فائدة تذكر من الكلام عن صراع، تجاوزه الزمن، بين العسكر والاخوان. من الافضل التفكير في ما اذا كان في الامكان انقاذ ما يمكن انقاذه من السمات الحضارية لمصر عن طريق شخصية وطنية يمكن ان تقنع العسكر والاخوان في الوقت ذاته ان الخروج من حال التخلف الراهنة صعب ولكنه ليس مستحيلا... شرط اعتراف كل من الفريقين بان ينتمي الى الماضي!

خيرالله خيرالله