برلين تقرّب المسلمين لدمجهم في بنية المجتمع

هل تنتهي العزلة؟

برلين - قررت الحكومة الألمانية والتحالف المسيحي الذي تنتمي إليه المستشارة أنجيلا ميركل، الاهتمام أكثر بمناقشة الشريعة الإسلامية.

وأعلن نواب التحالف المسيحي عقد مؤتمر حول "القضاء الإسلامي الموازي في ألمانيا" في الثالث والعشرين من الشهر الجاري.

واتخذت وزارة العدل الألمانية من جانبها قرارا باستحداث منصب جديد مختص بقوانين الشرائع الدينية، ومن بينها أحكام الشريعة الإسلامية.

وأكدت متحدثة باسم وزارة العدل الألمانية الجمعة أن الوزارة بصدد استحداث منصب جديد مختص بشئون الشرائع الدينية.

وقال باتريك زينسبورج، مسؤول الشئون القانونية بالحزب المسيحي الديمقراطي، في تصريحات لمجلة "فوكوس" الألمانية "علينا التوصل إلى تقييم موثوق بشأن ما إذا كان قانون الشريعة مجرد ظاهرة هامشية أم أن هناك قضاء إسلاميا موازيا بالفعل في ألمانيا".

ويرى محللون أن هذه الخطوة غير المتوقعة من ألمانيا اتخذتها نتيجة تنامي خوفها من الإرهاب خاصة بعد مجزرة مدينة تلولوز الفرنسية التي هزت أوروبا.

وكان بيان نشر الاربعاء على موقع غالبا ما يستخدمه تنظيم القاعدة المانيا بضربات يقوم بها "محمد مراح آخر" في قلب برلين اذا لم يتم الافراج عن امرأة اسلامية.

ويكرر البيان الذي لا يحمل توقيعا المطلب الذي قدمه اواخر اذار/مارس تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي الذي اعلن احتجاز مهندس الماني خطف في 25 كانون الثاني/يناير في نيجيريا ويطالب بالافراج عن "امرأة مسلمة" مسجونة في المانيا للافراج عنه.

ويخاطب البيان "العجوز (انغيلا) ميركل" ويطلب منها "استخلاص العبرة مما حصل في فرنسا... والافراج فورا عن ام سيف الله الانصارية قبل ان تفاجأ بمحمد مراح آخر في قلب برلين".

وبث البيان على منتدى شموخ الاسلام في شبكة الانترنت الذي يوزع بيانات القاعدة والذي كان يتعذر دخوله قبل ايام بسبب هجوم الكتروني كما يقول محللون.

وقد بث محمد مراح الذعر في فرنسا باقدامه على قتل سبعة اشخاص بين 11 و19 اذار/مارس منهم ثلاثة اطفال ومدرس يهودي في تولوز، قبل ان يقتل.

وكان وزير الداخلية الألماني فولفجانج شويبلة قد أثار موجة احتجاجات واسعة بعدما وصف الإقبال المتزايد داخل البلاد على اعتناق الدين الإسلامي بالخطر. وعبّـر شويبلة في مقابلة مع صحيفة "دي فيلت" عن قلقه من الارتفاع الكبير في عدد المواطنين الألمان الذين دخلوا الإسلام في الفترة الأخيرة، معتبراً أن هؤلاء يمثلون تهديداً محتملاً على الأمن الألماني.

وأضاف "لا أقول إن كل من يعتنق الإسلام هو مشروع لإرهابي جديد، لكن واقعاً ملموساً لا تخطئه العين يظهر أن الإرهاب بات ينمو على تربة المجتمع الألماني، ولم يعد يأتي من خارجه فقط". وأدّى الجدل الدائر داخل ألمانيا حول الإقبال على اعتناق الدين الإسلامي إلى مطالبة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم بزيادة المراقبة الأمنية والمتابعة المجتمعية والإعلامية للمسلمين الجدد.

وترى الأخصائية الاجتماعية في شؤون الأديان مونيكا فولراب أن الجدل الدائر حالياً حول الإسلام في ألمانيا ساهم في إعطاء الإسلام مكانة هامة داخل المجتمع الألماني.

وترى الحكومة الالمانية أن "تدريس الإسلام" باللغة الألمانية، وسيلة أساسية تساعد المهاجرين المسلمين، وأبنائهم على الاندماج، ويبدو ذلك في تصريحات وزيرة التعليم "أنيت شافان" للصحافة الألمانية، قبيل إصدار مجلس العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية الألماني، لتقريره حول الموضوع، حيث قالت إن "تدريس الإسلام" في ألمانيا، بالنسبة لها، "هو جزء من سياسة دمج حديثة".

ولكن تتحدث في الوقت نفسه مصادر ألمانية عن خوف الألمان من الإرهاب الذي كانت شرارته الكبرى هي أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، حيث توصلت دراسة ألمانية نشرتها صحيفة "دي فيلت" ذات التوجه المحافظ، إلى أن "تدريس الإسلام" كمادة في المدارس العامة الألمانية، من الممكن أن يحمي البلاد من مخاطر "الإرهاب" والتطرف الديني.

وكانت حكومة وبرلمان ولاية شمال الراين الواقعة غربي ألمانيا على وافقت على مسودة قانون جديد لتدريس الدين الإسلامي مادة إلزامية للتلاميذ المسلمين بجميع مدارس الولاية بدءا من العام الدراسي 2012/ 2013، وهو ما لقي بترحاب المنظمات الإسلامية في هذا البلد.

ومن المتوقع أن يستفيد من الحصص الجديدة أكثر من 320 ألف تلميذ مسلم بمدارس الولاية التي تعد أكبر الولايات الألمانية تعدادا للسكان، ويتجاوز تعداد المسلمين فيها 1.5 مليون نسمة من إجمالي السكان البالغين 18 مليونا.

كما اعتبرت وزيرة التربية بولاية شمال الراين سيلفيا لويهرمان تقنين تدريس الحصص الدينية للتلاميذ المسلمين بمدارسها، حقبة جديدة ونقلة نوعية في التعاطي مع اندماج المسلمين.

وكان رئيس حكومة ولاية هيسن الألمانية فولكر بوفير قد طالب في وقت سابق بإدخال دروس الدين الإسلامي في المدارس الألمانية.

وقال بوفير في مقابلة مع صحيفة "بيلد" الألمانية نشرتها على موقعها الإلكتروني "يتعين على الأطفال المنحدرين من عائلات مسلمة الخروج من الفناء الخلفي للمساجد... لذلك فإنني أؤيد بوضوح تام إدخال دروس الدين الإسلامي في المدارس على أن تدرس بلغة ألمانيا ومن قبل معلمين مدربين على نحو خاص لا يعلون الشريعة على دستورنا".

وأكد بوفير ضرورة أن يصبح تعزيز اندماج المهاجرين المهمة المستقبلية الأولى في المجتمع الألماني في ظل التطور الديموجرافي ، وقال "إننا نحتاج من أجل ذلك إلى بوصلة سياسية واجتماعية واضحة".

ويعيش في ألمانيا حسب التقديرات 4.3 ملايين مسلم، أي أكثر من خمسة في المائة من السكان الألمان. ونصف هؤلاء تقريبا مواطنون ألمان فيما يملك الباقون جوازات سفر أجنبية، وجاءت أكثرية المسلمين إلى ألمانيا في مطلع ستينات القرن الماضي على شكل عمّال ضيوف، أي لفترة زمنية محددة، واعتقدَ هؤلاء بالفعل أن إقامتهم هناك ستكون مؤقتة، لذلك كان طابع ممارستهم لشعائرهم الدينية مؤقتا أيضا، وغالبا ما مارسوا هذه الشعائر في مساكنهم التي تم تجهيزها ببعض الوسائل التي تخدم هذا الغرض.

وقال مجلس العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية أن غياب مثل هذه المعاهد في الجامعات التي تدرس بالفعل العلوم الدينية المسيحية واليهودية "ليس منصفا بالنسبة لاهمية أصحاب أكبر ديانة غير المسيحية في ألمانيا".

وقال ان على المؤسسات الاسلامية أن تنضم الى المجالس الاستشارية من أجل انشاء معاهد اسلامية واختيار أعضاء هيئة التدريس. وأشار الى أن من الواجب أن تمثل جميع الاراء المسلمة في ألمانيا.

وقالت وزيرة التعليم أنيت شخافان لراديو دويتش لاند فونك في برلين بعد نشر التقرير "بالنسبة لي فهذا جزء من سياسة دمج حديثة.. السؤال الرئيسي سيكون من سيكون الشريك في تطوير هذا".

ومنذ هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة سعت عدة دول أوروبية الى ايجاد سبل لتعليم الائمة المسلمين والمدرسين في أوروبا بدلا من استقدامهم من الدول الاسلامية بما قد لا يجعلهم متماشين مع المجتمعات الغربية الحديثة.

وصممت فرنسا دورة تدريب للائمة في باريس يديرها بصورة مشتركة المسجد الكبير والمعهد الكاثوليكي. وجاء ذلك بعدما رفضت جامعة السوربون الانضمام للدورة لان ذلك قد يخالف مبدأ الفصل بين الدولة والكنيسة.

وتوجد مدارس خاصة في عدة دول لكن التقرير الالماني نصح بعدم اللجوء الى هذا الخيار قائلا ان الدراسات الاسلامية لا بد أن تكون ضمن نظام جامعي لضمان مطابقتها للمعايير الاكاديمية وفقا للدراسات الدينية الخاصة بالاديان الاخرى.

وعلى الرغم من أوجه النقص في مجال التعليم وتطوره أوضحت دراسة للمكتب الاتحادي للمهاجرين واللاجئين تحت عنوان "حياة المسلمين في ألمانيا" أن الاندماج الاجتماعي للمسلمين أفضل كثيراً من صورته النمطية.

وبتكليف من "مؤتمر الإسلام" الألماني تم في عام 2008 استطلاع آراء أشخاص، ينحدرون من العديد من البلدان الإسلامية في إطار دراسة مثلت جميع أنحاء ألمانيا وأُجريت لصالح المكتب الألماني للاندماج واللاجئين. وتستند الدراسة على معلومات عن قرابة 17 ألف شخص، كما أنها تقدم معلومات عن "حياة المسلمين في ألمانيا".

وتشير الدراسة إلى أن 4.3 ملايين مسلم يعيشون في ألمانيا، أي أكثر من خمسة في المائة من السكان الألمان. ونصف هؤلاء تقريبا مواطنون ألمان فيما يملك الباقون جوازات سفر أجنبية. وجاءت أكثرية المسلمين إلى ألمانيا في مطلع ستينات القرن الماضي على شكل "عمال ضيوف"، أي لفترة زمنية محددة. واعتقد هؤلاء بالفعل أن إقامتهم هنا ستكون مؤقتة، لذلك كان طابع ممارستهم لشعائرهم الدينية في مؤقتا أيضا، وغالبا ما مارسوا هذه الشعائر في مساكنهم التي تم تجهيزها ببعض الوسائل التي تخدم هذا الغرض.

لكن الوضع هذا تغيَّر مع صدور قانون في عام 1973 الذي يمنع استقدام العمال الضيوف. ولم يعد بإمكان المسلمين منهم السفر بين ألمانيا وأوطانهم فبقي الكثيرون منهم هنا وبدأوا يستقدمون عائلاتهم. ومنذ ذلك التاريخ يمكن الحديث عن وجود جماعة دينية جديدة في البلاد. وتمَّ بعد ذلك تأسيس اتحادات وروابط للمسلمين وإنشاء مساجد غالبيتها خلف المنازل.

ومع ذلك، فإن ألمانيا تعرفت على المساجد التقليدية منذ زمن أبعد، إذ جرى بناء أحدها في عشرينات القرن الماضي في برلين ـ فيلمرسدورف.

وبنيت للطلاب الذين قدموا من الدول الإسلامية بعد تلك الفترة للدراسة في جامعات هامبورغ وميونيخ وآخن مساجد أيضا. ويعتبر المسجد مكانا مقدسا للجماعة الإسلامية، فإلى جانب كونها مكان لممارسة الطقوس الدينية، تُستخدم المساجد أيضا كمراكز للتعليم الديني والنقاشات وكملتقى أيضا للحياة الاجتماعية.

وحسب معلومات الأرشيف الإسلامي في زوست بشمال الراين وستفاليا يوجد في ألمانيا 240 مسجدا تقليديا، أي بقبَّة ومأذنة، ونحو 2600 مكان للصلاة. وفي خريف 2008 تم تدشين أكبر مسجد في ألمانيا في ديسبورغ ـ ماركسلوه. وكان يخضع الأمر في كل مرة لنقاش وجدل عامَّين في البلاد يبدآ بالتساؤل إن كان الضجيج سيزيد أو أن أمكنة صفِّ السيارات ستختفي بسب البناء. وعلى خلفية القلق والتململ الناتجين عن ذلك تنطلق مبادرات من مواطنين بهدف منع بناء مساجد. وخلال مرحلة بناء المساجد في كل من كولونيا وفرانكفورت وبرلين تظهر على السطح انفعالات شديدة، ويشعر العديد من المواطنين بأن المآذن تسبب لهم استفزازا شخصيا. هذا ما يدفع البعض إلى المطالبة بألا يتجاوز علو مأذنة جامع كولونيا الـ 55 مترا بعد الاعتراض على علوها في خطط البناء الموضوعة.

ومن جانب آخر وصلت ارتدادات موضوع حظر بناء المآذن في سويسرا إلى ألمانيا، فرغم أن تكرار السيناريو السويسري يبقى أمرا مستبعدا لاعتبارات قانونية ودستورية تضمن مساواة جميع أفراد المجتمع وحرية اعتقادهم، إلا أن إشكالية العلاقة بين الإسلام والهجرة والحريات الدينية تظل قائمة في ألمانيا كما في باقي الدول الغربية. وعلى خلفية هذا الجدل قال وزير داخلية ولاية هيسن فولكر بوفير، بأن "من الطبيعي أن يكون للمسلمين في ألمانيا الحق في بناء المساجد، بيد أنه ينبغي عليهم أن يراعوا عدم استخدام ذلك في تكليف المواطنين الألمان أكثر مما يحتملون".

واعتبر وزراء داخلية الولايات الألمانية في اجتماع احتضنته مدينة بريمن أن من حق المسلمين بناء المساجد إلا أنهم دعوهم إلى مراعاة مشاعر المواطنين الألمان في ممارستهم لهذا الحق. كما دعا الوزراء إلى تكثيف الحوار مع المسلمين في ألمانيا، كما اعتبر بوفير مؤتمر الاسلام الذي أطلقه وزير الداخلية الألماني السابق، فولفغانغ شويبله عام 2006 ، " نموذجا للنجاح في الحوار، ويجب أن يتواصل، وأن يتسع قدر الإمكان". إذ بهذا فقط يمكن إزالة المخاوف والمشاكل.

وعلى هامش الجدل حول بناء المآذن، أظهرت دراسة نشرتها مؤسسة" بيرتلسمان" الألمانية أن 90 % من المسلمين الذين يعيشون في ألمانيا متدينون بدرجة كبيرة، ولكنهم ليسوا متزمتين ولا متطرفين. كما تقول الدراسة بأن هذا التدين القوي لدى المسلمين يصاحبه قبول بتعدد الأديان والتسامح إزاءها. واستندت الدراسة التي تحمل عنوان "التدين الإسلامي في ألمانيا" على نتائج استطلاع أجرته مؤسسة بيرتلسمان صيف عام 2008 وشمل أكثر من ألفين من المسلمين الذين يعيشون في ألمانيا، تزيد أعمارهم عن ثمانية عشر عاما.

ووفقا لنتائج هذا الاستطلاع يؤيد 86 % من المسلمين في ألمانيا أن يكون المسلم منفتحا على الأديان الأخرى، بينما يرفض ذلك ستة في المائة فقط منهم. كما أظهر الاستطلاع أن أكثر من نصف المسلمين في ألمانيا يرون أنه ليس للتدين أي تأثير، أو له تأثير ضعيف على قراراتهم السياسية.