صالح علماني يكشف أسرار جماليات ترجمته: أبي كان حكاءً بارعا

أبوظبي من ـ محمد الحمامصي
الترجمة تساوي بين اللغات

على الرغم من أن المكان والمناسبة بعيدان جدا عن الدخول في حوار المترجم السوري الشهير صالح علماني مدخلا إنسانيا، كنا في إحدى قاعات مركز المعارض بأبوظبي حيث يقام مؤتمر أبوظبي الدولي الأول للترجمة في سياق معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته الـ 22، لكن معرفتي المسبقة بأنه مقل جدا في حواراته، هي ما دفعني إلى أن أبدأ معه من الإنسان، فإذا به يذكر ولديه اللذين يكن لهما محبة كبيرة للدرجة أنه عندما ذكر اسمهما استشعرت بشوقه الجارف لهما، رغم أنه ربما لم يتركهما إلا منذ ساعات قليلة.

قال علماني: "أنا كأب وكزوج مهووس بأسرتي، زوجتي وابني عمر وابنتي لارا، هما همي الأكبر، شكرا كونك بدأت بالإنسان، أما المترجم فالترجمة محنة ووسيلة عيش، ممكن إنسان ينجح في هذا العمل كما في أي عمل آخر وممكن يفشل، والحمد لله استطعت تحقيق شيء من النجاح بفضل محبة الناس والقراء الذين شجعونني ويشجعونني على المواصلة".

وكشف علماني عن سر هذه اللغة الحميمة والدافئة والمتمكنة التي يترجم بها قال: "أولا قراءاتي الواسعة منذ طفولتي المبكرة، والشيء الأهم وغير المعروف عن نشأتي وحياتي الخاصة أن والدي الراحل كان حكاءً بارعا، ونحن أطفال كنا نتشاجر مع أطفال أقرباء أو جيران لنا عندما يذهب أبي للسهر لديهم، نتشاجر أيضا أين سيسهر أبي في ليالي الشتاء، لأن الجميع لا يريد أن يفقد متعة الجلوس إليه والاستماع إلى قصصه وحكاياته وأحاديثه، وهو مجرد فلاح أمي، تعلم كتابة اسمه وعمره 87 سنة. كان عنده 87 سنة عندما بدأ يكتب اسمه (عمر) وكان غاية في السعادة، لكنه حكاء وراوية مذهل بالفطرة، ممكن يكون لهذا تأثير على حبي للغة وإدراك إمكانيات التعبير أكثر، ممكن إضافة إلى القراءات المبكرة وولعي الشديد بالقراءة".

وأكد علماني أن سبب كثرة ترجماته عن اللغة الأسبانية يرجع إلى إتقانه لها، وقال: "أظن أن اللغات كلها حميمية، لكن اللغة الإسبانية لها نكهة خاصة جدا جدا، أولا الكم الهائل الموجود من اللغة العربية في هذه اللغة يدفعك إلى البحث، والتحولات التي طرأت على الكلمات العربية في اللغة الإسبانية، هناك حوالي أربعة آلاف كلمة من أصول عربية، قلة من يعرفون ذلك، معروف أن هناك كلمات عربية في اللغة الإسبانية لكن العدد حوالي أربعة آلاف كلمة، طبعا معاني هذه الكلمات لم يعد هو المعنى العربي الذي كان، وإنما اكتسب معاني ودلالات أخرى من خلال قرون من التعامل معها، بالإضافة إلى طبيعة الشعب الإسباني صاحب هذه اللغة حميم لطيف محب، ومعروف عنه أنه قريب إلى النفس الإنسانية، ربما تكون كل هذه العوامل أسهمت في ميلي للترجمة عن اللغة الإسبانية".

وأضاف "الإسبانية واحدة من أوسع اللغات في العالم ويتكلم بها نصف مليار إنسان وهي اللغة الرسمية في 20 بلداً بين أميركا اللاتينية وإسبانيا، وحتى في الولايات المتحدة الأميركية هناك 32 مليون شخص يتكلمون الإسبانية ورغم هذا هي غير معترف بها كلغة رسمية هناك، ورغم الانتشار الواسع للغة الإسبانية بقيت الترجمة عنها إلى اللغة العربية حتى عهد قريب تتم عن طريق لغة وسيطة، فعرف أبناء العالم العربي لوركا مترجماً عن الإنكليزية والألمانية، وهذا على سبيل المثال يترك خللاً في الحصيلة النهائية للمادة المترجمة".

وحول ما جاء في محاضرته أمام مؤتمر أبوظبي الأول للترجمة من كون الترجمة أداة ديمقراطية، قال: "لأنها تساوي بين اللغات، لا توجد لغة منسية، أو لغة مهملة، أو لغة متفوقة، الترجمة تجعل جميع اللغات منفتحة على بعضها البعض، ولا حاجة لصاحب اللغة الضعيفة أن يتعلم لغة القوم، لأن الترجمة توفر له أن يقرأ ما يُكتب بلغة القوم. إذن من هذا الجانب هي ديمقراطية، هي تحافظ على كل التداولات والاختلافات اللغوية في العالم، وبالتالي تحميها وتبقيها".

وأكد علماني أن أحد أبرز المشكلات التي تواجهه في الترجمة عن الإسبانية تتمثل في الافتقار إلى معاجم عربية إسبانية أو إسبانية عربية جيدة، فالمعاجم المتداولة الآن تقتصر على معجمين دون المستوى بالنسبة للمترجم المحترف، وأيضا تعدد اللهجات المتكلمة باللغة الإسبانية في 20 دولة وعدم دفع دور النشر للمؤلفين حقوقهم عندما يقوم المترجم بترجمتها رغم أنها ليست مبالغ كبيرة.

ولفت إلى أن أحد مشاكل المهنة تتمثل في القدرة على الإيصال، مشيرا إلى أنه إذا كان المؤلف الأصلي بحث شكل ولغة لإيصال فكره ورؤيته وشعوره، فالمترجم أيضا عليه أن يبحث في لغته عن طرائق التعبير التي تحمل المضامين والأساليب الجمالية والفنية للنص الأصلي، فـ "الترجمة بدأت تتحول إلى جنس أدبي قائم بذاته، والمترجم صار يعتبر مؤلفاً للترجمة، كما تعرفه قوانين وأنظمة الملكية الفكرية".