انحرافات في فكر الإخوان والسلفيين المصريين: أولويات تخالف ما يحتاجه الشعب

بقلم: فوزي منصور

ما سيتم تناوله هنا هو مدى ملائمة فكر الإخوان والسلفيين لإدارة الشأن العام في مصر، بعد أن شكلوا أغلبية في مجلسي الشعب والشورى ويتطلعون إلى تشكيل حكومة منهم، وسيطروا على لجنة وضع الدستور، ورشحوا واحدا منهم لتولي الرئاسة، وبالتالي، صاروا على وشك أن يهيمنوا على السلطات التشريعية والتنفيذية في مصر، إذا استمرت الظروف تعمل لصالحهم.

فكر الإخوان المسلمين

يستمد الإخوان فكرهم حتى الآن بصفة أساسية من فكر المؤسس الأستاذ حسن البنا المتمثل في خطاباته، دون أن يعني هذا أنهم يجسدونه في تفكيرهم وسلوكياتهم، وإنما يؤولونه بما يتفق مع توجهاتهم والظروف السياسية المتغيرة.

نشأ الأستاذ حسن البنا في بيئة دينية حيث كان والده متصوفا، وعندما ذهب إلى القاهرة للدراسة في كلية دار العلوم، اهتم بالجمعيات ذات الاهتمام بالتربية الدينية والأخلاقية، ومن تلك الجمعيات جماعة الشبان المسلمين التي كانت تهتم بالتربية البدنية وبالأعمال الكشفية والثقافة الدينية وجمعية مكارم الأخلاق التي كانت تهتم بالقيم الأخلاقية الدينية وجماعة أنصار السنة المحمدية ذات الفكر السلفي التي كانت تهتم بالدعوة الدينية، وقد أراد أن ينشئ جمعية تجمع كل تلك النشاطات معا والتي تعتبر متكاملة، فكان أن أسس جمعية خيرية باسم جمعية الإخوان المسلمين في الإسماعيلية عام 1928حيث كان يعمل مدرسا للغة العربية والدين في مدرسة الإسماعيلية الابتدائية. ولم يكن له في ذلك الوقت اهتماما بالسياسة إلا أن قامت ثورة 1936 في فلسطين على الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني وأجهضها الانجليز وأعدموا قادتها وكان منهم علماء دين، ثم نشبت الحرب الفلسطينية وقررت الجماعة نصرة الفلسطينيين وإرسال متطوعين للمشاركة في الحرب، وبدأ الاحتكاك بالسياسة والتطلع لبناء دولة تدافع عن الإسلام والمسلمين.

فوجئ الأستاذ حسن البنا بعد ذلك باغتيال محمود فهمي النقراشي واتهام أحد أعضاء الجماعة بقتله وأن ذلك تم بدون علمه، وصدور قرار بحل الجماعة، وأيقن وقتها بأن الجماعة قد انحرفت عن رسالتها الدعوية والتربوية السلمية، وقرر اعتزالها، والانضمام إلى جمعية الشبان المسلمين كعضو عادي فيها. وعندما ذهب لتنفيذ ما عزم عليه أطلقت عليه عدة رصاصات من الخلف من أشخاص يركبون سيارة وهو على عتبة الجمعية،، فأردوه قتيلا. واتضح فيما بعد بأن السيارة مدير أمن القاهرة، والذي اعتبر الجناة المجهولون حصلوا على السيارة واستعملوها بدون علم منه لإلصاق التهمة بالجهاز الأمني للدولة، وإبعاد الشبهات عنهم.

ما يهمنا هنا بأن الجماعة بعد التخلص من مؤسسها، قادها أفراد حكمتهم التطلعات السياسية، وليس العمل التربوي والدعوى. وانخرطوا في العمل السياسي السري والعلني طلبا للسلطة حتى يومنا هذا.وبسبب تعرض علاقتها بالسلطة إلى مد يشهد تصالحا لفترة قصيرة، وجزر يطول أمده أحيانا، ويشمل القمع والاعتقالات والتعذيب غالبا، فإن الإخوان لم يطوروا فكرهم السياسي خاصة أنهم لم يكن لديهم أمل في إمكانية الاستيلاء على سلطة يمسك عليها بقوة نظام استبدادي قمعي ووحشي في أمد منظور.مما دفعهم إلى عدم الاهتمام بالشؤون السياسية والاقتصادية والتنظيمية للدولة،التي يتطلبها إدارة الشأن العام، في حالة استلامهم الحكم. وعندما وجدوا السلطة قد جاءتهم على طبق من ذهب دون مجهود بذلوه للحصول عليها، بعد ثورة 25 يناير، أصابهم الارتباك والتخبط. وصاروا كلما وعدوا بشيء نقضوه بعد فترة، وتراجعوا عنه.

كما أن الفكر الديني الذي ساد لديهم، بسبب سيطرة ما هو سياسي على ما هو دعوي فيه، ابتعد عن الروحانيات. ولم تعد سلوكياتهم وممارساتهم، التي تغلبت عليها البراغماتية (النفعية)، تظهر التزامهم بالقيم الأخلاقية الدينية. وحل محل القيم نزعة طاغية لامتلاك السلطة والاستئثار بها،واختفي عنصر التصوف الذي كان مدمجا في فكر المؤسس. بل سنجد بعض من انسحبوا من الجماعة يبررون تركهم لها بخيانتها فكر المؤسس، أو الانحراف عنه. وآخر من أعلن استقالته من الجماعة احتجاجا على سياستها، التي اعتبرتها خيانة للثورة الشعبية،كان الدكتور كمال الهلباوي أحد قياديها المقيم في بريطانيا، وعضو سابق في مجلس إرشاد الجماعة، يوم أمس 31مارس2012.

الشيوعيون والإخوان

يوجد قاسم مشترك بين الشيوعيين واﻹخوان، فكلاهما يدعي أنه يملك فكرا كليانيا أو شموليا مثاليا ﻻيقبل النقد أو المراجعة أو النقاش، ويلزم فرضه على المجتمع وأن يخضع وينصاع المجتمع له طواعية أم كرها، وحظر أي فكر معارض له حتى لو استدعى ذلك استعمال القوة والعنف.و كلاهما بالتالي أضفى قداسة على أطروحته، قداسة مادية عند الشيوعيين وقداسة روحية عند اﻹخوان. ومثلما قمعت اﻷنظمة الشيوعية حرية الفكر واﻷبداع عندما ملكت السلطة، فلا يوجد ما يمنع اﻹخوان من إتباع سبيلهم.وهذا سبب خوف منافسيهم السياسيين منهم وعدم ثقتهم فيهم، خاصة وأن كل تصرفاتهم وتحالفاتهم واستغلالهم ما يسمونه الفرصة التاريخية المتاحة لتمكينهم للسيطرة المنفردة على المجتمع، وتحديد مصيره، تزيد من هذه المخاوف وﻻ تحد منها، بل تعززها.

الفكر السلفي

السلفيون جماعات متعددة ولكل منها ظروفها ومنهجها وفكرها، وكانت كلها قبل ثورة يناير المصرية تبتعد عن الشأن السياسي، وتحاول أن تكون على علاقة يمكن وصفها بالمسالمة أو المهادنة،مع الأجهزة الأمنية المصرية تجنبا لأذاها وقمعها.ويتهمها البعض بأنها كانت تعمل في خدمة تلك الأجهزة الأمنية لاتقاء شرها.

واختلف الأمر بعد الثورة حين أوحى إليهم المجلس العسكري، الذي حل محل الرئيس المخلوع في مباشرة سلطته، بإمكانهم تأسيس أحزاب سياسية.، فأسسوا لأول مرة في تاريخهم أحزابا سياسية كان أبرزها حزب النور السلفي الذي يتشكل أساسا من سلفيي الإسكندرية، الذين كانوا في السبعينيات طلبة في جامعة الإسكندرية، ويعتبرون بسبب تعليمهم الجامعي، على قدر من الثقافة الدينية وأيضا المعرفة المهنية وفق تخصصاتهم العلمية، ولكن انضم إليهم في نفس الوقت سلفيون من مستويات تعليمية أدني من ذلك.

وقد ظهر من السلفيين أشخاص اكتسبوا شهرة واسعة كدعاة، نتيجة سعي قنوات فضائية لاستقطابهم استثمارا لشهرتهم واجتذابا لجمهورهم وأتباعهم لزيادة رقم المشاهدة، وأغدقت عليهم بالأموال، فتحول الكثير منهم إلى أثرياء. وبحيازة الشهرة والثراء معا استطاعوا أن يتصدروا الجماعات والأحزاب السلفية، والدخول إلى الانتخابات باسمها، ودخول البرلمان بعد ذلك عن طريقها، والاشتغال بالسياسة وهجر الدعوة. وهؤلاء لا يملكون ثقافة ولا خبرة لهم ولا دراية بالسياسة. كما أن فكرهم الديني كدعاة معظمه فكر سقيم متخلف عن العصر، ولا يصلح لتربية دينية رشيدة. وحرص كل هؤلاء على أطالة اللحى ولبس الجلباب باعتبار أن ذلك من متطلبات الالتزام بالسنة أي اهتموا في الدين بما هو شكلي أكثر مما هو موضوعي، أو بالمظهر الخارجي الخاص المميز لهم أكثر من جوهر الدين.

ويمكن القول إن رجل الدين اﻷزهري المغمور حليق اللحية، الذي يحفظ كتاب الله، وليس له" كاسيتات" أو" سيديهات" تباع في اﻷسواق الشعبية وﻻ يظهر على شاشة الفضائيات، وينحصر دخله في راتبه الشهري من عمله في التدريس أو الوعظ في مساجد اﻷوقاف، هو اﻷكثر علما بالعلوم الشرعية وبمذاهب أهل السنة والجماعة وأكثر إتباعا لها ممن يطلق عليهم دعاة السلفيين الذين تقبل عليهم الفضائيات التجارية لما اكتسبوه من شهرة لدى اﻷميين وأنصاف المتعلمين ممن يجهلون دينهم، وﻻصبر لهم على قراءة المراجع الدينية لكي يعلمون أنفسهم الدين من مصادره، وليس من أفواه دعاة التلفزة..هؤﻻء الدعاة المشهورون ﻻ يجرؤ أي منهم على مناظرة أزهري واحد، رغم ما يدعونه من امتلاك العلوم الشرعية وأنهم من أهل السنة والجماعة وأتباع السلف الصالح،.

كما ﻻ يستطيع أي منهم أن يصمد أمام مثقف يحسن معرفة دينه وأتيح له أن يحفظ كتاب الله. أو ما يحتاج إلى الاستشهاد به من آياته لدعم رأيه.

وقد ناظر حمدي قنديل أحد شيوخ السلفية فأفحمه وأحرجه، وأراد شيخ آخر أن يطيب خاطر زميله، فلم يتعرض لحجج قنديل ويفندها، وإنما قال لزميله إن هؤلاء لا يعرفون شيئا من العلوم الشرعية، وأقسم بالله أنه لو سؤل أحدهم عن فرائض الوضوء وسننه والواجب فيه والمندوب والمستحسن والمكروه ما أستطاع أن يجيب على السؤال.

وفي نفس الوقت يخشى المثقفون، اﻷكثر علما وفهما لدينهم منهم، ولكن لم يقدر لهم حفظ كتاب الله مثلهم، التعرض لهم، إذ يشعرون بسبب عدم حفظهم القرآن، بالنقص إزائهم، فهو ﻻ يستطيعون الاستشهاد على صحة كلامهم بأية من القرآن وهو يقرأون القرآن ويتعبدون بالتفكر فيه، وفهم معانيه، ولكنهم ﻻ يستطيعون حفظه. وما يحفظونه من آيات يخشون إن احتاجوها للاستشهاد بما فيها، أن تخونهم ذاكرتهم أو يخطئون فيها وينسون منها لفظا.

والكثير من هؤﻻء الدعاة السلفيين بعد أن حفظوا القرآن الكريم في الكتاب (المسيد كما يعرف في المغرب أو الخلوة كما يعرف في السودان) لم يلتحق بأي مدرسة، ووعظه بالعامية ليس لكي يفهمه الشعب، وإنما لجهله العربية الفصحى. ولا ينتظر ممن يجهل لغة القرآن العربية أن يتمكن من فهم معاني ألفاظ القرآن ودلالاتها اللغوية أو الفقهية.

والقليل منهم التحق بالمدارس بعد الكتاب، وواصل التعليم حتى تخرج من الجامعة، ولكنه لم يجد عملا أو وجد المهنة التي تعلمها ﻻتحقق طموحاته المادية مثل ما يتحقق للدعاة الذين لم يتعلموا مثله، فأطلق لحيته،وسار على نهجهم دربهم وصار داعيا. وبعد قيام الثورة كانوا ممن امتطوا صهوتها، ووجد فيها فرصة تمكنه من أن يجمع بين السلطة ومغانمها المادية والرمزية والمعنوية، وبين الثروة، ويزداد بذلك ثراء وعلوا في اﻷرض..

ما الحل إذن، ﻻ بالنسبة للحاضر، وإنما بالنسبة للمستقبل؟ أﻻ يجب علينا جميعا اﻻهتمام بتحفيظ أطفالنا، ذكورا وإناثا، القرآن الكريم إلى جانب تأمين تعليم ديني صحيح وعلمي راق لهم؟

إن شعوبنا شعوب متدينة، والدين جزء ﻻ يتجزأ من هويتها. وهو اﻷمر الذي على الجميع استيعابه وعدم تجاهله. والعلم الصحيح بالدين ﻻ يتناقض مع تحصيل كافة العلوم الإنسانية والتطبيقية. فقد كان علماء المسلمين زمن ازدهار الحضارة اﻻسلامية علماء موسوعيون، يجمعون إلى جانب الفقه دراسة الفلك والرياضيات والطب والفيزياء إلى بداية العصر الحديث الذي انهارت فيه حضارة المسلمين، وانتقلت علومهم إلى أوروبا،وغرقت بلدانهم في الظلمات.

كما أن ترك أولادنا يتعلمون الدين من هؤلاء الدعاة المحترفين الذين لا يتوفرون على تكوين علمي سليم، سيشوه عقيدتهم ويزيد المجتمع تخلفا على ما هو عليه.

السلفيون والمرأة

أكثر ما يلفت النظر في اهتمامات السلفيين هو تركيزهم على كل ما له علاقة بالنساء وأمورهن، ويغفلون حاجة المجتمع للتخلص من الفقر والبطالة والتخلف الحضاري؟ ﻻ توجد أدنى علاقة للدين أو التقوى والورع كما يدعون بحصرهم اهتمامهم بأمور النساء وكان حجب المرأة أو الإقلال من قيمتها أو تقييد حريتها، أو نوع ما ترتديه من ملابس، ومالا تخفيه من جسمها،هو سبب ما ابتلي به المجتمع من رزايا ومصائب، أو كان خلف اﻻستبداد والفساد والمظالم والموبقات التي يعانيها.

الدافع الوحيد لدى هؤﻻء ليس التقوى وإنما إصابتهم لسبب ما بالقصور ألشبقي الناتج عن إصابات خلال فترة المراهقة بالبلهارسيا قبل هجرتهم إلى المدن، أو بسبب إدمانهم العادة السرية في شبابهم، أو البدانة المفرطة الناتجة عن النهم في الطعام، أو نقص إفراز هرمون التستيرون أو زيادة هرمون البرولاكتين أو الإصابة بالسكري وضغط الدم وترسب الكلوستيرول على جدران الأوعية الدموية أو الشيخوخة أو بتليف الكبد والتهابه وتشمعه أو تليف في عضو التناسل بسبب الإصابة بمرض البيرونيس يتسبب في اعوجاجه،أو في الجهاز العصبي المركزي أو نتيجة تعاطي المخدرات والإفراط التدخين وفي تناول الخمور أو تسلط أوهام عن مقومات الرجولة والأنوثة عليه قد تشعره بنقص وهمي أي يكون السبب نفسي وليس عضوي.. أو غير ذلك من اﻷسباب التي تسببت في القصور الشبقي لدى المصاب به والتي المتمثل غالبا في ضعف الانتصاب أو سرعة القذف.

واﻷحساس بالنقص في هذا الجانب يزيد من اﻻهتمام بكل ما يتعلق بالشبق وبالنساء إلى حد الهوس. في محاولة يائسة لتعويضه. كما يتسبب عنه أيضا كراهية النساء اللاتي تذكره رؤيتهم بقصوره وتزيد إحساسه بينما بتمتع بهن غيره، ويأمل بذلك أن يتم تغييبهن واختفائهن خلف الجدران أو خلف نقاب لا يظهر منهن شيئا، وهو يلوى ألفاظ القرآن لكي تتفق مع رؤيته وتساندها ويصر على تأويلها بما يتفق مع تلك الرؤية المريضة.

خلال زيارة لي لبلجيكا وجدت في شارع رئيس ببروكسل في منتصف الثمانينيات، طابورا على الرصيف المقابل أمام باب محل، لم أستطع قراءة ﻻفته عن بعد بسبب ضعف نظري، فعبرت الشارع فإذا به محل لعروض "السترابتيز" يقف على بابه حارسان زنجيان شدادا. وكل من اصطفوا في الطابور رجال فوق سن السبعين. دفعهم الحرمان من الشبق كنتيجة للقصور فيه بسبب التقدم في العمر إلى تعويضه ب رؤية النساء يتجردن من ملابسهن قطعة تلو أخرى، وربما تخيلهن في أوضاع شبقية معهم وهن عاريات، تعوض في الخيال ما يعجزون عن تحقيقه في الواقع.

وفي أحدى برقيات السفارة البريطانية بالقاهرة لوزارة الخارجية البريطانية ذكرت أن سبب طلاق الملك فاروق من الملكة فريدة ومطاردته للنساء يرجع إلى ما بلغها من بعض المقربين إليه في القصر من أنه يعاني من قصور شبقي ﻻ يمنع الحمل ولكنه يحول دون التمتع بالمعاشرة الشبقية.

بالطبع ليس كلهم ينطبق عليهم ذلك، وإنما هناك أيضا ظاهرة اﻻتباع أو اﻹمعية، حيث يتشبع أتباعهم بما يقولونه ويتبعونهم فيه باعتباره من مقتضيات الحفاظ على الدين واﻷمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع ضحالة ثقافتهم العامة والدينية.

وﻷن أحاديث شيوخهم ﻻ تخرج عن نطاق الحديث عن الغسل والطهارة من الطمث والنفاس وآداب الجماع وحجاب النساء ونقصهم في العقل والدين، ووجوب اتقاء فتنتهن، ومنعهن من العمل والتعليم ومن الخروج من بيوتهن وكل ما يتحقق منه اختلاطهن بالرجال. وعموما، كل ما يتعلق بأمور النساء. ولذا تراهم لا ينفكون يكررون ما تعلموه من مشايخهم من النساء، حتى يخيل إليك أنهم علمهم بالدين، لا يتعدى ذلك.

وفي نفس الوقت يتضح أنهم ﻻ يفقهون شيئا في السياسة أو الاقتصاد وبالتالي لا يمكنهم التحدث عن كيفية مكافحة الفقر أو إيجاد حل للبطالة أو أي من الموضوعات اﻷكثر أهمية للمجتمع.وقد ترى الرجل منهم الذي يحتج على نشر صورة لامرأة جميلة، حتى لو كانت ترتدي ملابس محتشمة، ويفتي بأن التصوير حرام الا للضرورة وفي جميع الحالات مكروه، ينتشي كالطاووس عندما يرى صوره تملا الصحف والمجلات أو معلقة على الحيطان..

لذا لم يكن غريبا عليهم أن ينحصر اهتمامهم في مجلس الشعب في العمل على وضع مشروع يحل محل قانون الأحوال الشخصية الذي يرون أنه وضع بضغط من زوجة الرئيس المخلوع بما يخالف الشريعة. وقد يكون في القانون عيوبا تسبب في مشاكل اجتماعية بعد صدوره، ولكن ثمة ما هو أكثر أهمية منه في المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد.

القيم والحقوق وحكم الله في الشريعة

يتوافق الإخوان المسلمون المصريون والسلفيون على تطبيق الشريعة، والمتتبع لخطاباتهم يجد أن فهمهم لتطبيق الشريعة لا يكاد يتعدى تطبيق الحدود في العقوبات إلا قليلا. وبمقارنتهم بحزب العدالة والتنمية التركي أو العدالة والتنمية المغربي، أو حزب النهضة التونسي، سنجد لدى الأحزاب الثلاثة الأخيرة مفهوما أوسع نطاقا للشريعة يتضمن كل القيم والحقوق والأحكام الواردة في القرآن والسنة وأحل الله فيها كل شيء واستثني مما أحل أمور حرمها على المسلمين.

ومن القيم إذا وصفتها بأنها من قيم الشريعة اﻹسلامية أصبت. وإن وصفتها بأنها قيم إنسانية عامة تقرها كل مجتمعات العالم على اختلاف دياناتها وأعراقها صدقت.ومما قد ﻻ تنتبه إليه أنها حزمة قيم مترابطة ﻻيمكن التخلي عن قيمة منها.

وقد يختلط عليك اﻷمر فترى أن بعضها فيم وردت في المواثيق الدولية وبعضها ينتمي إلى مكارم اﻷخلاق، ولكنك لو تمعنت فيما تعتبره من اﻷخلاق ستجده يندرج ضمن الحقوق أيضا. فاغتصاب امرأة هو اعتداء على حقها في العفة وفي الكرامة وفي العدالة وفي اﻹحسان وفي الحرية..الخ.وقد يكون مطلوبا أن تطالب الذكور واﻹناث بالتزام العفة ولكن من حقهم في العفة أيضا أن تيسر لهم الزواج المبكر، أو ما يعبر عنه في الدين بالتحصين، لكي يتمكنون من الحفاظ على تلك العفة واﻻ كان ما تطلبه منهم يشق عليهم ومضاد للطبيعة والفطرة..

والإحسان حق في اﻹسلام لذوي القربى واليتامى والمساكين والفقراء وابن السبيل والغارمين.. وكما تحسن إليهم من حقك عليهم أﻻ يسيئوا إليك، فهي حقوق متبادلة.

ونفس الشيء بالنسبة للتراحم. فكما أنت مطالب بصلة الرحم فإن أرحامك أيضا مطالبون بوصلك.

وتلك القيم/الحقوق إذا انتقصت من أي قيمة منها أيضا أصيب باقي القيم بنقص فيها. وهو ما يعني أنها ﻻ تقبل الحلول الوسط أو التوافق على أقل منها أو على بعضها وإهمال الباقي. فإما أن تأخذ كلها أو تفقد قيمتها.ولذا ﻻ أستسيغ مفهوم: سلم القيم الشائع في علم الاجتماع اﻻ أذا كان يعبر عن نتيجة بحث إحصائي يوضح ترتيب اﻻهتمام في المجتمع بالقيم.

ويدخل ضمن الحقوق التي شرعها اﻻسلام والمواثيق الدولية الحق في حفظ الحياة وحفظ الدين وفي التدين، أي حرية الاعتقاد، وفي حفظ العقل وفي التملك وفي حفظ العرض والنسل.. وهي ما يعبر عنه الأصوليون بمقاصد الشريعة..

والذي يطالب بتطبيق الشريعة أو الحكم بما أنزل الله، إن لم يكن يعي بأن تطبيق الشريعة وإعمال حكم الله، يعني إرساء هذه القيم والحقوق في المجتمع كان بمثابة الجاهل بما يطلبه. وفاقد الشيء ﻻ يعطيه، وﻻ يؤمل أن يأتي فيه بخير، أو يعول عليه فيه. وعندما يقول تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي..." يكون هذا بمثابة إجمال لما يتطلبه إعمال حكم الله وتطبيق الشريعة، وباقي ما ورد في القرآن من أحكام هي تفصيل لذلك. وعندما يقول الله تعالى : "إن الحكم اﻻ لله، أمر أﻻ تعبدوا اﻻإياه، ذلك الدين القيم.."، فإنه يعني بذلك الالتزام بالعدل واﻹحسان الذين يأمر بهما الله، والتوحيد يعني التزام العدل في عبادة الله حيث من أشرك به فقد ظلم نفسه.

وهذه المعاني نجدها في كتابات واجتهادات علماء دين معاصرين، ولكننا لا نجدها تؤسس لمشروع مجتمعي لدى الإخوان والسلفيين، ولا نجدهم أيضا يلتزمون بتلك القيم وأمثالها مثل: الوفاء بالعهد والصدق والأمانة في التعامل مع الآخرين.

بالطبع، لا يجوز تعميم حالة فردية، قد تكون شاذة وغير متكررة،على جماعة ينتمي إليها هذا الفرد، مثل حالة البلكيمي، النائب السلفي الذي يصف نفسه بأنه داعية، والذي أجرى عملية تجميل لأنفه، وخرج من المستشفي ليقدم بلاغا يدعي فيه بأن الضمادات التي على أنفه هي ناتجة عن تعرض عصابة له اعتدت عليه، وسلبت منه مائة ألف جنيه، حتى يخفي حقيقة أنه أجرى عملية تجميل، ثم اتضح كذب ما ادعاه، ووجهت له النيابة العامة تهمة البلاغ الكاذب. كما اتهمته راقصة أيضا بأنه تزوج بها عرفيا وأنها تطالبه بالطلاق، وأنه هددها بتشويه وجهها لو أصرت على طلب الطلاق، أو أعلنت زواجها السري منه، وأنكر هو الزواج منها، بينما أكدته..وجود هذه الحالة عند السلفيين، حتى لو كانت حالة فردية غير متكررة لديهم، توضح مدى الانفصال القائم لدى بعضهم بين الدين والأخلاق. وبالتالي وجود خلل في ثقافتهم الدينية.

أما عن العلاقة الملتبسة بين العسكر والإخوان حاليا، فحديثها يحتاج إلى مبحث خاص يتناولها.

فوزي منصور

www.fawzymansour.com