رسالة الى بابا عمرو

بقلم: عدنان طعمة الشطري

الأجندة السياسية والمخابراتية الإقليمية وغير الإقليمية تجتمع في المدن ذات الطابع الاثني والديني والطائفي في مواجهة الآخر المضاد عسكريا كما اثبتت احداث العالم العربي والشرق أوسطي الأخيرة. فمدينة الكنائس في العصور الغابرة، ومدينة الجوامع ذات "الاتجاه السني"، "فلوجة - الرمادي"، قد استقطبت كالاسفنجة لحى الفصائل الجهادية المتطرفة في جميع أرجاء العالم فطوحت في الزمن العنفي العراقي إلى مركز للإرهاب الدولي في مواجهة "السيطرة الشيعية" على بلاد ما بين النهرين وإعادة ترتيب التوازن الاثني في الخارطة الطائفية الإسلامية.

عاصمة العالم الشيعي ومدينة الحوزات العلمية النجف الاشرف بدورها شهدت مواجهات دامية مع المارينز الأميركي وبروز "مقاوم شيعي" فقير يواجه "طائرات الاباتشي الأميركية" من سراديب القبور الموحشة في اكبر مقبرة في العالم الإسلامي.

وأحداث الساعة تشير إلى بابا عمرو الذي أطلق عليه "عمرو" نسبة إلى الصحابي عمرو بن معد يكرب الزبيدي الذي أرسله عمر بن الخطاب إلى مدينة حمص ذات الطبيعة الاثنية لمواجهة القوات الفارسية آنذاك، فمات عمرو في حمص ودفن فيها في منطقة سميت فيما بعد "بابا عمرو".

الفلوجة... النجف... حمص "بابا عمرو"، الثالوث العسكراتي في أكثر مناطق العالم توترا، عناوين للتصادم الاثني الدموي سيما وان العقل الطائفي العربي قد رشح "حمصا" كمعادل تصادمي مع النجف الاشرف لان في حمص مقبرة إسلامية كبرى، ومدفون فيها أكثر من أربعمائة شخصية إسلامية، وفيها حي "الخالدية" نسبة إلى خالد بن الوليد وفيها قبره وترك فيها سلالته الخالدية وأحفاده الذين يقاتلون الآن "النظام العلوي الكافر" حسب ايديولجيتهم الاسلاموية.

و"بابا عمرو" الحمصي قد شهد مواجهة دامية فاصلة سيطرت فيها قوات النظام الرسمي في معركة "ام المعارك" حمصية كما وصفت وإلقاء القبض على عشرات المسلحين وأكداس من الأسلحة وإعلان "الديمقراطيين السوريين" على حد تعبير ساركوزي "الانسحاب التكتيكي" وفرار عشرات "المقاتلين الديمقراطيين" إلى الحدود اللبنانية في انتظار تعليمات برهان غليون التي تصله من غرفة مخابرات قطرية.

"الديمقراطيون السوريون" أثبتت الوقائع الميدانية في "بابا عمرو" إنهم يحملون جنسيات عراقية ولبنانية وخليجية، من ضباط مخابرات قطريين ومقاتلين أفغان من تنظيم القاعدة الإرهابي، ومقاتلين أتراك انقادوا لأوامر وتعاليم "الاردوغانية الجديدة" التي تسعى لاستعادة الحلم العثماني في محيط تركيا الإقليمي والإسلامي.

حمص "بابا عمرو" و"الخالدية" والمقبرة الحمصية قررت إرادة السلطان الطائفي في الدول الخليجية إن تكون "بنغازي جديدة" وورقة جيوسياسية لطائف سوري جديد مستوحى من التجربة اللبنانية على حد تعبير احد التقارير الإعلامية بعد إضفاء مساحيق تجميل على ديكور الدولة العام وصناعة عملية سياسية مفككة.

سوريا التي تعيش أزمة حضارية- أثنية عميقة متفككة طائفيا على ارض الواقع بالرغم من القبضة الحديدية لسلطة البعث الأمنية طيلة السنوات التي عاشها ويعيشها الحكم الاسدي- البعثي وتتجلى انصع الصور والحوادث في "الأقصوصة الطائفية" التي عشتها وملخصها:

في عام 2010 عملت مترجما في شركة فرنسية- ايطالية مشتركة لتأثيث فندق موفنبيك للوليد بن طلال، احد أمراء النظام السعودي، والذي يقع في منطقة "الروشة" وهي واحدة من أجمل المناطق ذات المناظر الخلابة في العاصمة اللبنانية بيروت. وعملي كان مترجما للغة الانكليزية ووسيطا بين الشغيلة والعمال السوريين والمهندسين الايطاليين والفرنسيين ويتطلب عملي الحركة والخفة في الانتقال بين طوابق "الفندق الأميري" وان أغطي اغلب مواقع التأثيث في الفندق الذي يعد واحدا من اكبر الفنادق العالمية.

لفت نظري المستوفز بطبيعة بيروت المتناسقة إن ثمة أربعة عمال سوريين قد فرض عليهم بقية العمال - الذي يقدر عددهم بمائة عامل - عزلة تامة وطوقا وهميا من الانفصال القصدي، وكأن حال هؤلاء العمال يقول "يا أيها الكافرون لا اعبد ما تعبدون". لا عِشرة او لقاء او جلسة تجمعنا، لا تبادل أحاديث بيننا ولا حتى اداء تحية الإسلام، أو تحية البشر الإنسانية. كانوا ينظرون للعمال السوريين الأربعة نظرة ازدراء ومقت ورفض ونفور.

اكتشفت عن طريق المصادفة ونتيجة إشرافي على العمل التأثيثي بان العمال الأربعة هم من معتنقي المذهب العلوي، وان الكثرة الكاثرة من العمال السوريين هم من المذهب السني او كما يطلقون عليهم في مجتمعاتنا "الشيعية" بأبناء الجماعة.

عرفت سر القطيعة وإياهم وراح بعض من عمال "الكثرة السنية" تسرد لي أسباب القطيع من إنهم "الروافض" و"عبدة القبور" ويعبدون الإمام علي بن أبي طالب، وثمة فتاو لائمتهم تؤكد إن النظر إلى وجوه "العلوية" حرام وملامسة أيديهم كفر وجريمة، والذي يختلط ويعايش "العلوية" فهو منبوذ ومطرود من فرقتهم الناجية، وللحديث تتمة ربما ارويها في مقال منفرد.

وهذا النموذج الحياتي الذي عشته يكشف طبيعة الصراع الاثني بين مكونات المجتمع السوري، فيا ايها الكافرون "العلوية" لا نعبد ما تعبدون، ولا نشرب ما تشربون، ولا نعمل ما تعملون، وحتى لو قلتم "لا اله إلا الله" فنحن نخالفكم بها ازدراء لهم واحتقارا لملتهم وكرها لمذهبهم.

"بابا عمرو" وبطبيعته الاثنية المتوارثة يجسد طبيعة الصراع السني- العلوي عيانيا وكارثيا في صراع الذاكرات، وانشطار الذاكرة المروع بين المكونين الاثنيين، وهما ذاكرتان ممتدتان إلى العمق السعودي والإيراني والقطري والعراقي والأفغاني.

المترقب السوري لما يشهده "بابا عمرو" وهي تؤسس نموذجا لأدبيات مستقبل اثني، وتنامي هويات فرعية، مذهبية وعرقية واسلاموية متطرفة، تنازع دولة شمولية- اسدية من اجل البقاء، والبقاء على أنقاض سلطة ربما يكون طبيعة حكمها الاستبدادي ونزوعها الانفرادي في ادارة دفة الدولة أهون الشرين، وان الحل ليس في "بابا عمرو" التي عدت "ابتلاء خارجيا" ارتبط بخصوصية المجتمع السوري.

والولوج من بوابة "بابا عمرو" في التحول الديمقراطي ينمي "الدولة العنفية" والدولة المضطربة الملتهبة باستمرار في أزمتها البنيوية وتنازع أمراء الحرب الطائفيين على جسم الدولة السياسي والاقتصادي، والتي تفجرت راهنا في صراع المال السياسي بين برهان غليون ومجلسه الاسطنبولي ورياض الأسعد زعيم ما يسمى بـ"الجيش السوري الحر" على خلفية الصراع السعودي- القطري على زعامة المعارضة السورية المسلحة.

وللتذكير فان "وادي خالد" الذي عد العمق الستراتيجي لمجاميع المعارضة السورية المسلحة، سبق وان عبرته أربع مرات ذهابا وإيابا من سوريا إلى لبنان، ومن لبنان إلى سوريا، كان منفذا للعراقيين الفارين من نظام صدام حسين للعبور إلى لبنان عبر الأراضي السورية. "وادي خالد" هذا وبنهره الآسن الصغير، ربما يشهد تجمع الأضداد الطائفيين في لهيب معتركه وخرائبية منظره، في تصادم حربي مسلح، او ربما يمثل نقطة التقاء تفاهمية جديد، بين الهلال الشيعي والطوق العربي السني.

عدنان طعمة الشطري

Adnan.tumma@yahoo.com