الهبوط إلى القمة في بغداد

بقلم: إبراهيم الزبيدي

قليلة جدا هي الأخبار المفرحة التي صارت تأتينا من عاصمة العراق الديمقراطي الجديد لتنعش فينا الأمل في قرب الفرج وفي استفاقة العدالة والضمير والوجدان. ولكن خبرا صغيرا، لكنه خطير، نقلته صحيفة الشرق الأوسط من بغداد يتضمن تصريحا أدلى به الوزير الناطق باسم حكومة المالكي الدكتور علي الدباغ جعلنا نتوقف طويلا، ونتساءل، من أين أشرقت الشمس وكيف؟

يقول الخبر: "أعلنت الحكومة العراقية ولأول مرة منذ اندلاع الانتفاضة الجماهيرية في سوريا أنها تؤيد تغييرا جذريا للحكم في سوريا، مستبعدة في الوقت نفسه التدخل العسكري".

"وقال المتحدث باسم الحكومة العراقية علي الدباغ لدى حضوره مؤتمرا لمناقشة الأوضاع السياسية في العراق في كلية دجلة بجامعة ببغداد أمس: 'إن العراق يساند الشعب السوري.' مؤكدا على ضرورة 'حصول تغيير جذري في نظام الحكم بسوريا'".

"وأضاف الدباغ: أن التدخل العسكري في الأوضاع السورية سيشعل النيران فيها، معتبرا أن أول من ستطاله تلك النيران هو العراق".

لقد خدعونا. أوهمونا بأن هذا الموقف الجديد حقيقي، وأنه موقف الحكومة وحزب الدعوة والائتلاف. وعليه، فلا يملك المراقب السياسي إلا أن يبارك هذا التحول الإنساني العظيم في مواقف الفئة الحاكمة في بغداد، رغم أنه قد يكون تكتيكا سياسيا مرحليا فرضته ظروف القمة العربية القادمة.

ومهما تكن الدوافع، حتى لو كانت انتهازية سياسية عابرة، فينبغي الترحيب بهذا الموقف اللازم والضروري، حتى وإن جاء متأخرا، على الأقل لمحو آثار عدوان مقتدى الصدر الذي سيَّر تظاهراته العرمرمية يوم الجمعة الماضي في بغداد، تأييدا لثوار البحرين، وتجريحا بثوار سوريا، فقط لإحراج صديقه اللدود نوري المالكي الذي قال عنه إنه يريد تجيير مؤتمر القمة العربية لحسابه الشخصي.

ثم، وبعد التدقيق والتمحيص، تأكد لنا أن تصريح الوزير الدباغ لا يمثل موقف الحكومة، ولا يعبر عن رأي السيد المالكي، بأي حال من الأحوال. وثبت أيضا أن موقف الوزير الدباغ كان موضع اعتراض وامتعاض وعتاب من أغلب المستشارين المحيطين بالسيد الرئيس إحاطة السوار بمعصم العروس.

ولولا قرب انعقاد القمة، بمن حضر من قادة النظام العربي الأعرج، لكان جِلدُ السيد علي الدباغ قد وصل إلى الدباغ، عقابا له على تصريحه المخيف.

فالواقع المر يقول إن السيد المالكي لم يعودنا على اتخاذ موقف جريء، من هذا النوع، يتحدى فيه دولة الولي الفقيه في المسألة السورية الساخنة، وبالأخص في هذا المنعطف الدقيق الحرج الذي يواجه حليفها بشار ورهطه القامع الشديد "لأذناب الصهيونية والامبريالية" في بابا عمرو وحماة والقامشلي ودير وأدلب ودير الزور.

خصوصا وأننا كنا نعرف تمام المعرفة أن المسموح به، فقط، لبغداد (المالكية) أن تنادي بالويل والثبور لشرطة البحرين التي تدك مواقع المنتفضين البحارنة (بقنابل الدخان)، ثم تغذي آلة القتل (الشقيقة) بتهريب المال والسلاح والمجاهدين، عبر بعض نقاط الحدود الفالتة، وتغلق المنافذ الأخرى، بإحكام، لتمنع العراقيين الآخرين من نجدة أشقائهم في سوريا.

في حين أن موقفنا من جماهير البحرين المعارضة ومطالبها العادلة لا يقل ثباتا ولا حماسا ولا تأييدا عن أية جماهير أخرى تنتفض بشجاعة وجرأة ووطنية صادقة من أجل رفض الديكتاتورية والثورة على التمييز الطائفي أو القومي أو الديني، بأي صيغة كان، ومن أي حاكم كان. ولولا أن إيران تعمل على سرقة دماء المنتفضين البحارنة، وتحاول استخدامها ورقة ابتزاز سياسية في حروبها الطائفية البغيضة ضد خصومها في المنطقة، لكان لجماهير البحرين شأن آخر ومسار مختلف. بعبارة أخرى إن الصبغة الطائفية التي تحاول إيران وأنصارها إضفاءها على تظاهرات المواطنين البحارنة تفسد عدالتها وتعيق نضالها. ولو وقفت إيران وحزب الله وجماعات النهب الوطني العراقي الديمقراطي مع الشعب السوري في انتفاضته العادلة لاستحقت محبة جميع الشعوب واحترامها، وخاصة تلك التي ترزح تحت أنظمة الظلم والاستبداد والتخلف الطائفي البغيض. فالحرية لا تتجزأ، ولا تصبح في بلد ثورة ضد الطغيان، وفي بلد آخر عصيانا على الحاكم يستحق القتل والاغتصاب والاغتيال.

وحين يتظاهر مقتدى، في الجمعة العراقية الحزينة، لينصر البحارنة، ويجيز قتل أشقائهم السوريين، على مرأى ومسمع من حكومة السيد المالكي، فلا يعترض عليه أحد، حتى ولو ببيان هوائي فارغ، ويقول له ما قاله الوزير علي الدباغ بأننا نريد لثوار سوريا نفس الحقوق والمطالب المشروعة التي نريدها لأشقائنا في البحرين، وأن طلب الحرية لا يشترط أن يكون صادرا عن هذه الطائفة أو تلك لنؤيده أو نقف دونه، لأنه حق من حقوق الإنسان المقدسة التي وهبها الله لعباده.

ولو كان الخَرَف الطائفي هو خَرَفَ السيد مقتدى الصدر وحده لقلنا إنه فلتة من فلتات هذا الصبي الأهوج، ولمرت تظاهراته وتصريحاته مرَّ الهواء في شبك.

ولكن أن يتضامن معه، في نفس تلك الجمعة العراقية الحزينة، أحد كبار قادة المجلس الأعلى خطيبُ جمعة النجف صدر الدين القبانجي ليعلن "أن قضية السوريين ليست تغيير النظام، بل هي طائفية". و"أن المعارضة في سوريا كشفت عن وجهها الطائفي، وأن من حق السلطة بسط الامن ومواجهة العنف المسلح ورفض الكراهية والطائفية "، بالإضافة إلى مواقف أخرى مشابهة صدرت عن أحمد الجلبي وأغلب القياديين الآخرين في الائتلاف العراقي وحزب الله، فمعنى ذلك أن هناك موقفا عاما واحدا يعبر عنه المتسلطون على الطائفة الشيعية في العراق وإيران ولبنان، يعتبر المتظاهرين (غير السلميين) في البحرين، ثوارا ومناضلين، والمتظاهرين السوريين (السلميين إلى ما قلبل ثلاثة أشهر) طائفيين ومتآمرين، وعلى الجلاد أن يدك على رؤوس أطفالهم ونسائهم وشيوخهم المنازل والمساجد والمدارس والمستشفيات، فهذا هو الظلم بعينه، والطائفية على أصولها، وبأبشع مظاهرها الفاقعة.

كان الأمل أن يكون موقف الوزير علي الدباغ هو موقفَ الحكومة، وموقف رئيسها، بشل خاص، وموقف الطائفة الشيعية العراقية، بتخصيص أدق، حتى لو خالفت مواقف حزب الله ودولة الولي الفقيه. يومها كنا سنهتف بصدق وحرارة للرئيس العادل وصاحب الضمير الحي نوري المالكي، ولأصبحنا من مؤيديه ومناصريه المتحمسين لبقائه راكبا على رؤووس العراقيين دورة ثالثة.

لكن الأعوج يبقى أعوج، والغصن اليابس لن يعود أخضر، حتى لو سقيته بكل مياه الكون، وبعشرات القمم العربية الفاشلة التي لم تنفع، بالأمس، لا صدام حسين ولا معمر القذلفي ولا حسني مبارك، ولن تفع أحدا من الحكام المنافقين غدا. (وتلك الأيام نداولها بين الناس).

إبراهيم الزبيدي