الحمير والسياسة!

بقلم: جمال محمد تقي

للحمار طباع سياسية تعلم منها الانسان ما لم يتعلمه من طباع الحيوانات الاخرى، منها المصابرة والجلد والامتثال المنطقي، وبساطة الامتطاء، والمعرفة المنمطة بالتكرار، وقد تفوق الحمار على البعض من بني البشر في قضية التعلم بواسطة اجترار التعرف المكرر، فهؤلاء لم يتعلموا برغم تكرار نفس الدرس لمرات تكاد تعد بعديد ايام توليهم المناصب المؤثرة بحياة الناس ودوابهم، والتي تشمل الحمير بطبيعة الحال!

الحمار هو اكثر الحيونات اثارة للجدل من حيث توصيف صفاته ورسم سلم التقييمات الخاصة بشكل علاقة الانسان به، من سالف العصر والاوان، وحتى الان، مرورا بكليلة ودمنة وحمار جحا، حتى حمار الحكيم، بقي الحمار محاصرا بصفات اشكالية في تقييمات بني البشر!

الكلب مثلا احتل المرتبة الاولى في مصاحبة الانسان منذ ايام اهل الكهف، ثم تضاعفت درجات تبنيه في الازمنة الحديثة حتى وجدناه قد دخل غرف نوم الانسان وصار ينام على سريره، وترسخت حضوته عنده لتقترن بحضوة الابناء في الطعام والكساء والدواء ولوازم الترفيه والتعليم ، وغدا الكلب اليوم واحدا من افراد الاسرة المعاصرة وخاصة في البلدان المتقدمة صناعيا حيث احجام العائلات فيها عن كثرة الانجاب، اضافة الى طفح مظاهر الوحدة والتوحد السائدة فيها والتي يجري تذليلها بتبني المصادقة والمزاملة المزمنة للكلب.

اطلق الانسان مختلف الصفات على سلوك وطباع الحيوانات التي تعايش معها، واغلبها كان نابعا من مراقبته لها ومن تجاربه المتناقلة عن خبرات ترويضها او تقليص اضرارها عليه، فالكلب اشتهر بالوفاء والاسد بالقوة، والثعلب بالحيلة، والبوم بالتأمل، والافعى بالذكاء، اما الحمار فاشتهر عنده بصفات الصبر والتحمل والشرود والغباء، وفي هذه الصفات التي يوصف فيها الحمار شيء من التناقض الموضوعي، لان الموصوف بالصبر هو من يلاقي المتاعب والمشقات والملمات، او التعامل السيئ، وهو غير قادر على الافلات مما يعانيه وبالتالي يحتمل ما استطاع حتى تأتي ساعة تمرده، وهذا بحد ذاته نوع متقدم من التكيف الذي لا تتصف به الا الحيوانات الذكية والواثقة من نفسها، اما الشرود فهو نوع من رياضة اليوغا، على طريقة الحمار طبعا، ليتمكن من تحمل ما يلاقيه على يد الانسان القاسية عليه في معظم الاحيان، واما الغباء المربوط بعلاقة تراتبية مع الشرود فهي صفة لا تليق به لاسباب وجيهة اولها لانه لايطيع الا ما استطاع، والمثل القائل بان التكرار يعلم الحمار ينطبق على كل الحيوانات المراد منها تنفيذ اوامر بني البشر، لكن القسوة لا تنتج غير التعاسة التي يسميها الانسان شرودا وبالاعتياد عليها تتحول الى ادمان يقلل من الاحساس الفيزيائي بالاشياء حتى القاسية، ومنها الضرب والجلد واشياء اخرى لا يعلم بها الا من يملكون الحمير ويمتطوها ويسخرونها لاعمالهم في الريف والمدينة!

من كل ما تقدم نستنتج، عموما، بان الانسان لم ينصف الحمار برغم الخدمات المجزية التي يسديها له، لكن كل ذلك لا يعني ايضا بان الجميع ينظرون للحمير بنفس النظرة، شكلا ومضمونا، او يعاملوها بالقسوة اياها، فالرفق بالحيوان ايعاز اخلاقي وديني وقانوني ايضا وهو بالتأكيد لا يستثني الحمير وباي حال من الاحوال، فهذا الحزب الديمقراطي الاميركي والذي تخرج من صفوفه اشهر رؤساء اميركا يتخذ من الحمار شعارا لدمغته، في حين ان نده التقليدي الحزب الجمهوري يتخذ من الفيل شعارا خاصا به، وعليه فان هناك من يقر مسبقا بان للحمار صفات كامنة وعتيدة تعادل وربما تتجاوز ما يحمله الفيل من صفات دالة على المتانة والضخامة والاكتساح والاستثمار!

الحمار هو اقل الحيوانات البرية واللبنية فسادا في الارض، واقلها ضررا واقلها جشعا وطفيلية، ولربما تكون هذه كلها اسباب كافية للتضامن مع اي التفاتة من احزاب العالم ومنظمات المجتمع المدني فيه ليس فقط لرفع المظلومية المادية والمعنوية عن معشر الحمير وانما لتبجيل هذا الكائن المسالم وتجسيد صفاته النزيهة بالفطرة في سياساتها البرنامجية والتطبيقية، حتى تكون صفات الحمير تلك قدوة لها!

اذا كانت هذه مجرد امنية او دعوة على سبيل التعميم فان ما يجعلها اكثر حصرا واكثر الحاحا واكثر فائدة هو تخصيصها للاحزاب المتحاصصة للسلطة في العراق والتي جعلت منه وبزمن قياسي وبقسوة وبتكرار مبتذل وبغدر قل نظيره، وبخرافة كاريكاتيرية يشهد على مسخرتها القاصي والداني، بلدا لا يشبه اي بلد اخر بسرعة انهياره.

هذه الاحزاب التي تعيد بنفسها يوميا انتاج ما كانت تعتبره اعوجاجا في الحكم، من حيث تدري ولا تدري جعلت من العراق بلدا يحتضر بعد ان كان عفيا مكتنزا، بلدا لا رفق فيه للانسان او الحيوان، ولا زمالة فيه للزرع والضرع ، بلدا نازفا ممصوصا مشفوطا، بلدا بلا حول ولا قوة ، بلدا يعاني من كل لدغات وعضات وقرصات ولسعات وافتراسات ورفسات ونطحات الاحزاب المفترسة التي انهالت على جسده الممدد نهشا وتقطيعا ومازالت تتصارع على هيكله العظمي لتتقاسمه، بانيابها ومخالبها وسمومها وقرونها، تنهال عليه وهي تتلذذ بعذاباته!

احزاب للحمير الحمر او البيض او الرمادية، وباي لون من الالوان، هي وبكل ثقة ارحم واكرم للكثير من شعوب الارض المبتلية باحزاب الافاعي والعقارب والذئاب التي تتكالب على حاضر ومستقبل الاجيال القادمة من بني البشر.

جمال محمد تقي