صاحب 'العاطل': مستقبل الرواية العربية مشرق وواعد

بقلم: محمد الحمامصي
التعامل مع الواقع

رواية "العاطل" للكاتب الروائي ناصر عراق، والتي ضمتها القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر"، هي الرواية الثالثة بعد "أزمنة من غبار"، و"من فرط الغرام"، للكاتب الذي يتخذ من الأزمات المجتمعية العربية مدخلا لرؤيته في رصد تأثير ما يجري من تحولات سياسية واقتصادية وفكرية واجتماعية في المجتمعات، خاصة بين نخبه الثقافية وعوالمه المهمشة.

"العاطل" ترصد رحلة شاب مصري متعلم من أسرة متوسطة الحال توصد أمامه أبواب العمل في القاهرة مثل غيره من الملايين العاطلين في مصر إلى دبي، حيث تضج هذه المدينة الثرية بالأحداث والشخصيات والجنسيات المتباينة، وينتهي به الحال إلى دخول السجن متهما في جريمة قتل عاهرة روسية.

حول التعامل مع الواقع وإمكانية انتماء الرواية بالواقعية قال عراق "في ظني أنه ما من رواية ناجحة إلا وكان لظلال الواقع حضور ما في هذه الرواية، لأن الإبداع بشكل عام يعد جزءاً من، وتعبيراً عن، واقع محدد بكل ما يصطخب داخل هذا الوقع من تفاعلات سياسية واجتماعية واقتصادية إلى آخره. لكن السؤال الصعب الذي يُطرح على كل مبدع هو: ماذا سيأخذ من الواقع، وماذا سيحذف منه؟ وكيف سيعيد صياغته في قالب إبداعي فني جميل ومؤثر وممتع؟ وبالتالي تختلف حظوظ المبدعين في قدرتهم على استلهام الواقع وكيفية التعبير عنه وفقاً لثقافة كل مبدع وملكاته وموهبته وغزارة خياله وامتلاكه لأدواته اللغوية وهكذا. من هنا يمكن القول بثقة: إن كل رواية ناجحة تنتمي إلى الواقعية بشكل أو آخر. ولعلي أتذكر الآن كتاب رجاء جارودي المدهش (واقعية بلا ضفاف)، حيث استطاع هذا المفكر الكبير أن يوسع مفهوم الواقعية في الأدب بمنطق سديد ينهض على رؤية شاملة للكون والإنسان، فالواقعية عند جارودي ليست انعكاساً رخيصاً ومبتذلاً للواقع، إنها أغنى وأعمق من ذلك بكثير. هذا الرأي توصل إليه أيضاً الناقد الإنجليزي المهم تيري إيجلتون في كتابه المثير (الماركسية والنقد الأدبي) الذي ترجمه الدكتور جابر عصفور. وهو كتاب صغير مدهش أدعو الجميع نقاداً ومبدعين إلى الاطلاع عليه والاستفادة منه.

تطرح الحكاية الرئيسية للرواية تساؤلات كثيرة هل هي حكاية الفشل أم الغربة أم القهر الإنساني الداخلي في ظل غيبة موهبة أصيلة؟ يرى الكاتب أن كل هذه التسؤلات تشكل الحكاية الرئيسية في روايته، ويقول "الفشل والغربة والقهر الإنساني الداخلي أمور تختلط ببعضها بعضاً، فالرواية تتكئ على كشف هذه السلسلة المهترئة من الخيبات التي يتعرض لها بطل الرواية، وهي خيبات ما كانت تحدث لو كان صاحبها يعيش في مناخ اجتماعي لائق، مع الانتباه جيداً إلى ان الفن الجميل يتحتم عليه ألا يقدم رسالة مباشرة، وإلا سقط في غياهب جب الوعظ والإرشاد والنصيحة، وكلها أمور تخاصم الفن تماماً".

ويعتقد عراق "أن موضوع الرواية يستدعي الشكل الأنسب له، بمعنى أنك لا يمكن أن تتخيل رواية "الحرافيش" لنجيب محفوظ مثلاً، إلا من خلال شكل (الراوي العليم) الذي اعتمده صاحب نوبل عند كتابته هذا النص الباذخ. كذلك أعتقد أن فكرة رواية "العاطل" تستوجب اختيار صيغة ضمير المتكلم باعتبارها الأفضل والأنجع للتعبير عن بؤس بطل الرواية. ومن ثم على المبدع الحصيف أن ينتبه إلى هذا الأمر جيداً، أي ما الشكل الأنسب والأجمل الذي يتواءم مع موضوع الرواية الذي ينوي كتابته؟ مع ملاحظة أن هناك أشكالاً متعددة للقالب الروائي، وعلى المبدع الموهوب أن يبتكر الشكل الملائم (لمضمون) روايته".

ناصر عراق
ويؤكد أن الرواية الجميلة، رواية جميلة وكفى، بغض النظر عن المؤثرات أو الأسباب المباشرة التي دفعت المؤلف إلى كتابتها. ويقول "نعم... لقد تأثرت كثيراً مثل ملايين غيري من المصريين بالفترة القاتمة لحكم الرئيس المخلوع حسني مبارك. كما أن الفرصة التي واتتني للسفر إلى دبي والعمل بها مثلت لي كنزا معرفياً وإنسانياً لا ينضب. فأنت تقيم في بلد يعيش تحت سمائه 180 جنسية، وكما قال لي مرة باندهاش الشاعر الكبير أدونيس: (ناصر... إن دبي مصغر العالم). آنذاك كنا نتناول غداءنا في أحد مطاعم دبي، وكان أدونيس يتأمل بحذق رواد المطعم الذين يمثلون جنسيات متباينة، كذلك راح شاعرنا الجميل يتابع حركة النادلين الذين جاءوا من الهند والفلبين ولبنان والمغرب وتونس. أريد أن أقول باختصار إن إقامتي في الخليج منحتني نعمة التواصل مع العالم كله تقريباً، الأمر الذي يوفر لي فرصاً كبيرة للتأمل والاستلهام ومن ثم الإبداع".

ويضيف عراق "يخيل إليّ أنه من الصعب أن يحكم الكاتب على تجربته، خاصة أنها لم تكتمل بعد، ففي جعبتي الكثير من الروايات التي لم تنجز، والأفكار التي لم تتبلور، والأحلام التي لم تتحقق، ومع ذلك يمكن القول: إنني حاولت قدر طاقتي، وأكرر حاولت، أن أعبر عن طموحات وخيبات الشباب المصري في السنوات الأخيرة، سواء من كان يعيش بالقاهرة أو يقيم في دول الخليج، ففي رواياتي الثلاث "أزمنة من غبار" و"من فرط الغرام"، و"العاطل" يبدو تأثير الواقع المحتدم على مصير شخوص الرواية، حتى روايتي الجديدة "تاج الهدهد" التي لم تنشر بعد تتناول مأزق الشباب المصري في زمن الرئيس المخلوع. طبعاً لا يخفى عليك ولا على القارئ النبيه أن الفن يجب ألا يحمل رسالة اجتماعية مباشرة كما قلت في السابق. ويبقى الحكم في النهاية على مسيرتي الروائية بيد القارئ الكريم والناقد الجاد فقط.

ويرى عراق أن الرواية العربية تعيش الآن فترة خصوبة نادرة، و"أغلب الظن أن هذا يعود إلى كون الرواية خير معبر عن تناقضات المدينة الحديثة، تلك التي تضج بصراعات الإنسان وأحلامه وطموحاته. وما دامت المدن العربية في (نمو) ظاهر، فإن الإقبال على كتابة الرواية وقراءتها في ازدياد مستمر. وإذا كانت مصر قبل عقود هي التي تنفرد تقريباً بالإبداع الروائي في الوطن العربي، فإن الأمر اختلف تماماً الآن، حيث أصبحنا نقرأ لروائيين من كل البلاد العربية تقريباً، وقد أسهم مبدعو دول الخليج بنصيب كبير في هذا الفن الساحر، بجانب أشقائهم من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وتونس والمغرب والجزائر والأردن، فهناك على سبيل المثال الروائي السعودي عبده خال الذي حصد قبلي عامين الجائزة العالمية للرواية العربية المعروفة إعلامياً باسم "البوكر العربية"، والعام الماضي فازت بها الروائية السعودية أيضاً رجاء عالم. وفي الإمارات نستمتع بروايات أبدعها كتاب يتمتعون بحس روائي راق وعذب مثل علي أبو الريش وسارة الجروان وفتحية النمر وغيرهم كثير، باختصار يبدو مستقبل الرواية العربية مشرقاً وواعداً، وهو أمر يسر الخاطر بلا جدال".