الفيتو المزدوج ومعضلة حمد المزدوجة

بقلم: صباح علي الشاهر

سؤال ربما تبادر إلى ذهن الكثيرين وقد تكرر للمرة الثانية الفيتو المزدوج الروسي الصيني خلال بضعة شهور لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة: لماذا هذا الوقوف الصلب من قبل الدولتين العظمتين إلى جانب سوريا، التي تبدو منعزلة عربياً وعالمياً نوعاً ما؟

سوريا ليست بلداً نفطياً غنياً، ولا هي مؤثرة في عالم الإقتصاد، وكسبها وفق نظرية الربح الإقتصادي لا يساوي بأي قدر خسارة دول بالغة الثراء، يمكنها (وقد عرضت هذا فعلاً عبر المساومة) تعويض روسيا وكذا الصين بمليارات الدولارات ومصالح يسيل لها لعاب الدول.

هل أخطأت روسيا الصاعدة بعد إنتكاس، والصين التي عهد عنها عدم المغامرة بشيء والتي إعتادت حساب كل شيء بالمسطرة والفرجال، أم أن الآخرين هم الذين أخطأوا القراءة، وتلمس المتغيرات؟

حمد بن جاسم يمثل بكل وضوح ذاك الذي حجبت عن عينيه تطورات القرن الحادي والعشرين، والذي ما زال يعيش مثلما أجداده عقلية بداية القرن العشرين، وياليتهم كانوا يدركون معطيات هذا القرن الذي لم يفهموا منه سوى تسيّد دول الغرب، وبالتحديد بريطانيا العالم، بهذه العقلية حاول التأثير على مندوب روسيا الإتحادية في مجلس الأمن سواء بالإغراء، أو التهديد بكون روسيا ستفرط بعلاقاتها بالدول العربية، التي بات حمد معبراً عنها ويا لسخرية الأقدار.

ولأن حمد لا يتحدث عن دراسة وتمعن بما يحيط به، وما يمر به العالم الآن من متغيرات، فإنه على الأرجح، لم يفهم أو يتمعن برد تشوركين، مندوب روسيا العظمى، حينما نهره بقوله: لا تتكلم معي بهذه النبرة وإلا فلا قطر بعد اليوم!

أجزم أن حمد لم يفهم هذا التحذير، ربما عدّه رد فعل غاضب رغم أن تشوركين كان بالغ الهدوء، ولم يكن منفعلاً قط، تماما مثلما لا ينفعل الأسد من طنين الذبابة حوله، والإنفعال كما رأينا جميعاً كان في الجانب الآخر.

مغزى كلام تشوركين يحمل في طياته السخرية المريرة من كسيح يدعو الآخرين لتهديم بيته على رأسه. هذا الحمد لا يعرف إنه إذا إستعدى الآخرين على سوريا، وإذا حدث ما لا يحمد عقباه لا سامح الله، فإن قطر ستذهب بالرجلين كأول من يذهب في المنطقة، هذا هو جوهر كلام تشوركين ومعناه.

هؤلاء أعراب، حديثو النعمة، قصيرو النظر، الذين لا ينظرون إلا بمنظار الغرب وأميركا، وبالتالي إسرائيل، لا بد من الحجر عليهم بدعوى السفاهة وعدم الأهلية، وإلا فهل لأحد أن يفسر لنا أو لغيرنا هذا الغباء الذي يدعو صاحبه إلى تقديم أمته ومن ضمنها بلده إلى الخراب والفوضى.

مصيبتنا بمن يحكمنا الآن كإمتداد لمن كان يحكمنا سابقا.

خيبتنا، وهواننا ليس نتاج يومنا، ليس وليد هذا الملك أو ذاك الأمير، أو هذا الحاكم، وإنما وليد الحكام الآباء، والأجداد، وليد مرحلة الإحتلال والإنتداب والتبعية. تعددت الأسماء والأسباب واحدة، ولا نجاة لنا إلا بالخروج من حكم وهيمنة الآباء والأبناء والأحفاد، أولئك الذين إعتبرونا جميعاً، على إمتداد الأرض العربية رعايا وأتباع لذواتهم نصف المؤلهة، لا مهمة لنا سوى التبجيل بمقامهم العالي والسامي والرفيع.

نعم تحتاج أمتنا إلى قيم الديمقراطية، والتعددية، والتداول السلمي للسلطة، والشفافية، والإحتكام إلى عامة الناس في تحديد من يحكمها، وطريقة حكمها، وفي العدل والمساواة، والتوزيع العادل للثورة، والعصرنة والحداثة، عبر الوسيلة الوحيدة التي أثبتت نجاعتها ألا وهي صناديق الإقتراع، فهل هذا مُتحقق في مشيخة حمد التي لا تتعدى أربعة اشياء: بئر نفط، وقاعدة أميركية، ومفتي سلطان، وقناة فضائية. تلكم هي مشيخة قطر بلا زيادة ونقصان.

ما يتمشدق به حمد ومن لف لفه، هو بالتحديد ما ينشده التغيير الذي بات أمراُ لا مناص منه، ومن الواضح أن هذا التغيير سيجرف أول ما يجرف حكم الذين يعيشون خارج العصر، هذا التغيير حاصل سواء عبر الثورات الشعبية، أم عبر صدام إقليمي يتحوّل إلى حرب متعددة الأطراف، أكثر الدلائل تشير إلى أنه سيعيد رسم خارطة المنطقة إيذاناً بإنبثاق عصر آخر، جديد ومختلف، لا مكان فيه لحمد وأشباهه.

معضلة حمد مزدوجة أيضاً، وهو لو تمعّن جيداً خاسر في الحالتين، خاسر إذا إنهار النظام السوري، فبعد هذا الإنتصار لن يتوقف التغيير على أسوار بلدان الخليج غير الحصينة، وحتى من دونما حراك شعبي، فهي ستخضع للإملاءات الأميركية بالتغيير الذي بواسطته تستطيع أميركا تقديم نموذج للتابعين مختلف عما سبق، فتغير الوجوه لن يتوقف عند تغيير مبارك، وبن علي، وساذج من يتصور أن المرحلة الجديدة التي تخطط لها أميركا، يمكن أن تبقي أنظمة العصور الوسطى تحكم في القرن الحادي والعشرين، حتى لو سلمت لحاها لإسرائيل، فهذه إن حدثت ستكون مدعاة للتغيير، والأتيان بأنظمة تحضى بجزء ولو يسير من المصداقية والعصرنه والشرعية، كي يكون لإجراءاتها وإتفاقياتها ديمومة وثبات، ولا يهم أن كانت بلبوس إسلاموي، شريطة أن يتم ملاءمة الشريعة مع الحداثة والعصرنة الأميركية.

ومعضلته الثانية، كونه صغيراً يلعب في ملعب الكبار، وباستثناء مال النفط والغاز الذي يُسترد منه عبر تمويل ما يُسمى بحركات المعارضة المسلحة، والتهييج، وشراء الذمم، فإنه في حقيقة الأمر ليس سوى (برغي) بالغ الصغر في ماكنة عملاقة، يتم إستبدال قطع غيارها بإستمرار، وهنا تكمن معضلته الثانية، فمذيع نشرة الأخبار ليس هو من يصنع الحدث، وساعي البريد ليس هو من يملي الرسائل، هو خارج اللعبة، واللاعبون الحقيقيون يدوزنون أوتارهم، ويعيدون حساباتهم في كل لحظة، وصولاُ إلى لحظة الحسم التي ستكون واحدة من إثنين، إما الإنفجار، أو تأجيله.

إذا حدث الإنفجار فلا حظ لحمد في بقاء مشيخته، أما إذا تم تأجيل الصدام بحكم توازن القوى، وحسابات الخسائر التي لا يتحملها أي طرف من الأطراف، فإن حمد سيكون بمواجهة سوريا التي لم تسقط، والتي ستكون منتصرة بكل المعايير. خصوصاً وأنها ستنهج النهج الذي طالبت به التحركات الشعبية وهي مُحقة، فكيف يكون حال حمد يوم يطالب بتنفيذ ما نفذته سوريا؟ هل سنجد حاكم قطر يعرض الميزانية السنوية على البرلمان القطري الذي بيده وحده إختيار الحاكم ومحاسبته، وتعيين الوزراء، ورسم سياسة البلد؟ وهل سنشهد معارضة تسأل الأسرة الحاكمة: من أين لكم هذا وقد كنتم قبل ثلاثين عاماً تعيشون في بيوت الطين؟

صباح علي الشاهر