حديث الفدرالية: استقلال ليبيا وجذور نظامها الفدرالي

بقلم: أبوالقاسم اشتيوي

لن تصعب على المتتبع لوسائط الإعلام الليبية ملاحظة أنَّها تولي اهتماماً خاصاً لقضايا جوهرية من قبيل قضايا صوغ الدستور وشكل نظام الحكم وقانون الانتخابات. وما يسترعي انتباه المراقب اختزال (بعض) الليبيين للقضايا سالفة الذكر في قضيَّة واحدة عَدُّوا الفصل فيها مدخلاً للفصل في بقيَّة القضايا هي قضيَّة شكل نظام الحكم في الدولة الليبية العتيدة، حيث انتهى أمرهم في هذه الجزئية إلى التوزُّع بين معسكرين انعدم الحوار البنَّاء بينهما هما معسكر الفدرالية ومعسكر النظام المركزي. ويمكن عزو هذا الاستقطاب الحاد إلى أنَّ قراءة أيٍّ من المعسكرين لِمَا يطرحه الآخر تمهيداً لمحاورته تتم وفق منطق حوار الأديان، بمعنى انطلاق الحوار من مُسلَّمة وجوب الانتصار على الآخر لكفره وفساد عقيدته. فلا مجال لأي طرح عقلاني تُتَبادل فيه الأفكار وفق منطق الجدل بالتي هي أحسن لِيَخْرُجَ الوطن منتصراً على الجميع.

يشترك المعسكران أيضاً في اعتمادهما معايير مفاضلة محايدة تدعم وجهتي النظر المتعارضتين في آن. فالقول بأنَّ الدولة (أ) متقدمة لأن نظامها فدرالي يُردُّ عليه بأنَّ الدولة (ب) تفوقها تقدماً لأنها تعتمد النظام المركزي. ما يستدعي القول بأنَّ المفاضلة بين النظامين يجب ألاَّ تؤسَّس على معايير محايدة مثل معايير التقدم أو الديمقراطية أو التنمية المتوازنة أو الكثرة العددية. (كأن يقول أحدهم بأنَّ النظام الشيوعي في الصين هو الأفضل على الإطلاق لأنه حقَّق أفضل معدل نمو اقتصادي على امتداد العقد الفائت).

ولا يكمن الخطأ في التفضيل النِّسبي لأحد النظامين على الآخر، وإنَّما يكمن في القول بأنَّ أحدهما أفضل من الآخر على الإطلاق. والمقصود بذلك أنَّ على الشعب أو نوابه اختيار النظام الأفضل بالنسبة للدولة المعنية اعتماداً على أنَّ اختيارهم سيكون عقلانياً توجبه الضرورة (نظريات الاختيار العقلاني Rational Choice Theories). ولأهمية المسألة سنزيدها إيضاحاً بأمثلة واقعية عن موجبات اختيار نظام بعينه من أنظمة الحكم، وسنستقي أولها من دولة وقع اختيار مؤسِّسيها على النظام الفدرالي هي الولايات المتحدة الأميركية.

لا بد لنا في هذا السياق من اللجوء إلى تصنيفات أَلْفرِدْ ستيبان Alfred Stepan من جامعة كولومبيا توخياً للدقة والوضوح، حيث يُطلق على نمط الفدرالية الذي تبنته الولايات المتحدة مُسمَّى "فدرالية التَّجمُّع" Coming Together Federalism. أي أنَّ الآباء المؤسسين لأميركا التقوا وتدارسوا الأمر فيما بينهم واختاروا (عقلانياً) الفدرالية نظاماً "يجمع" الولايات المستقلة عن الاستعمار البريطاني. وهو النظام الذي تقول وثائقهم إنَّ الضرورات العسكرية والاقتصادية هي التي أوجبته.

المثال الثاني يضربه لنا الشعب الإسباني الذي اختار(عقلانياً) التحوُّل إلى الفدرالية لمنع تفكُّك أو انفراط عقد الدولة جرَّاء التوتُّرات العرقية في أقاليم مثل الباسك وكتالونيا. الأمر الذي يصدق أيضاً على تحول بلجيكا إلى الفدرالية وعلى اختيار الهند لها نظامَ حكمٍ لدولتها المستقلة حديثاً عن بريطانيا. وهو نمط الفدرالية الذي يطلق عليه ستيبان مُسمَّى "فدرالية التَّماسُك" Holding together Federalism.

هنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: هل كان اختيار من أسَّسوا دولة الاستقلال الليبية للصيغة الفدرالية اختياراً عقلانياً أملته الظروف الداخلية، وهل هم من اختاره فعلاً لا قولاً؟ إنَّ الإجابة عن هذين السؤالين لن تتسنَّى إلاَّ باستقراء بعض المصادر التاريخية الرسمية وكذلك بعض كتابات المؤرخين المعنيين بالمسألة وتحليلاتهم. ولكن، أي سنوات القرن الماضي ستكون الأنسب لاستهلال البحث؟

في هذا الشأن ربما كان زمن البداية الأنسب بواكير نهاية الحرب العالمية الثانية. ومبرر ذلك أنَّ توقُّف القتال على الجبهات العسكرية أذَّن ببدايته على الجبهات السياسية فيما عُرف تالياً باسم الحرب الباردة. حيث كان التصدي للمدِّ السوفييتي شرقي المتوسط أبرز ملامح تلك الحرب التي تقود بريطانيا طلائعها بالتنسيق مع أميركا. فمراكز القرار في الدولة الأولى خَلُصت إلى أنَّ الشمس بدأت تغرب عن الإمبراطورية، وأنَّه ما من سبيل لإبقائها قوة عالمية إلاَّ بالسيطرة على هذه المنطقة الحيوية من العالم.

ولربط هذا التقديم بما يجري على الساحة الليبية آنذاك سنقتبس مباشرة عن جون دارون قوله إنَّ "روسيا ادَّعت استحقاقها لحصَّة في الوصاية على المستعمرات الإيطالية في ليبيا"، لِيُرْدِف هذا القول بجملة اعتراضية نصُّها أنَّ ليبيا هي "الجائزة التي احتفظت بها بريطانيا لنفسها"(1). ومعرفة سرُّ تركيز بريطانيا على ليبيا لا يتطلَّب سوى الوقوف على شاطئ الأخيرة والالتفات شرقاً. فهناك، في مصر، لا تبدو آمال بريطانيا عريضة بما يكفي لِتُجدِّد الحكومة المصرية اتفاقيتهما المشتركة بشأن قاعدة قناة السويس التي تقوم عليها إستراتيجية حماية شرق المتوسط من التوغُّل الروسي.

بيد أنَّ الإحاطة بمجريات الأمور تتطلب الرجوع إلى العام 1944، فالعاصمة لندن استضافت في ذلك التاريخ أول جولة محادثات غير رسمية بين بريطانيا وأميركا تناولت ترتيبات ما بعد الحرب. ويمكن التعرُّف على الخطوط العريضة لتلك المحادثات بمطالعة بعض ما جاء في تقرير إدوارد سْتَاتِنيوس Stettinius Edward، نائب وزير الخارجية الأميركي، الذي رفعه إلى وزيره في يوم 22 مايو سنة 1944. حيث وردَ فيه أنَّ "محادثات لندن بيَّنت... مدى الأهمية التي يعلِّقها البريطانيون على مشاركة الولايات المتحدة الفاعلة في [حلِّ] ما سيطرأ من مشاكل في عالم ما بعد الحرب... ففي مسألة الأمن العالمي لا يختلف تفكير البريطانيين عن تفكيرنا، ونحن على يقين بأنَّنا سنكون على اتفاق تام معهم بمجرَّد الشروع في المحادثات الرسمية"(2).

مثل هذه الدول لا تعقد الاجتماعات لمجرد التظهير الإعلامي أو لتدريب ساستها على التفاوض. بل تعقدها لقراءة الأحداث واستباق ما قد يَنجُم عنها من تداعيات بوضع الخطط الإستراتيجية المناسبة لمواجهتها. إذ لم تمض على ذلك الاجتماع سنوات ثلاث حتى شرع البريطانيون والأميركيون في محادثاتهم الرسمية مثلما ذكر التقرير، وكان ذلك فيما عُرف لاحقاً باسم "محادثات البنتاغون سنة 1947". وستكون بدايتنا مع هذه المحادثات بجلسة السادس عشر من أكتوبر، التي يفتتحها السفير البريطاني في واشنطن بالنقل عن رؤساء أركان القوات البريطانية قولهم بانعدام أيَّة إمكانية لتفعيل إستراتيجية الردع، القائمة على الاحتفاظ بمنطقة الشرق الأوسط والدفاع عنها، إنْ لم تحتفظ بريطانيا بمنشآت إستراتيجية فيها زمن السِّلم، لأنها إنْ لم تفعل سَتُجْبَر على الانسحاب إستراتيجياً من تلك المنطقة.

كان خطاب السفير مُوجَّهاً إلى نائب وزير الخارجية الأميركي على خلفية الانسحاب البريطاني الوشيك من فلسطين (انتهاء الانتداب) ومن قاعدة قناة السويس (عدم تجديد الاتفاقية البريطانية المصرية). وهنا أقتبس من سجلات تلك الجلسة مباشرة قول السفير إنَّ بريطانيا "ترتبط أيضاً بمعاهدات مع شرق الأردن فضلاً عن أرجحية حصولها على امتيازات معيَّنة في الخليج الفارسي، إلى جانب رغبتها المؤكَّدة في الاحتفاظ بما لها من امتيازات في السودان. ولكن كل الامتيازات سالفة الذكر تظل قاصرة بدون مصر وفلسطين، لأنَّ بريطانيا ستظل مفتقرة إلى الامتيازات الجوهرية في الركن الجنوبي الشرقي من البحر المتوسط. إنَّ مسألة ما إذا كنَّا قادرين، زمن السِّلم، على الاحتفاظ بمنشآت إستراتيجية كافية تتوقف برمتها على برقة، وهي لذلك ستكون أول المسائل التي نودُّ بحثها معكم. فعليها تتوقف كثرة من المسائل الأخرى"(3).

ردُّ الأميركيين لم يتأخر كثيراً، ففي الجلسة ذاتها يخاطب نائب وزير خارجيتهم السفير البريطاني قائلاً "إنَّهم يدركون تمام الإدراك مدى أهمية حصول البريطانيين على قواعد في برقة وفي أماكن أخرى من المنطقة، وإنَّهم مستعدون لاعتماد برقة أوَّل البنود المطروحة للنقاش بغية التوصل إلى مقاربة مشتركة بشأنها"(4). على أيَّة حال، انتهت مباحثات البنتاغون بتزكية الجانب الأميركي لسياسة مفادها أنَّ "ضمان المنشآت البريطانية في برقة يصب في مصلحة حفظ الأمن في منطقة الشرق الأوسط وإدامة السلام العالمي. وأنَّ تحقيق ذلك لن يتسنَّى إلاَّ بتوفير الدعم الأميركي لمطلب بريطانيا بالوصاية على برقة"(5).

والشيء بالشيء يُذْكر، سأستطرد في مسألة الوصاية لأقول إنَّ قصَّة تواطؤ عبدالرحمن عزام مع بعض الوطنيين في طرابلس (بشير السعداوي على رأس القائمة) لجعل الوصاية على برقة من نصيب مصر كانت صناعة أميركية بريطانية مشتركة، ذلك أنَّ عبدالرحمن عزام لم يكن صاحب هذا الطرح ابتداءً؟ ففي الصفحة 588 من الوثيقة ذاتها يقترح الأميركيون على البريطانيين عدم التخلِّي عن مشروع إلحاق برقة بمصر إذا تحقَّقت مجموعة شروط من بينها "وجوب موافقة مصر على منظومة اتفاقيات دفاع إقليمي طويلة الأجل بين الدول العربية وبريطانيا تُمْنَح الأخيرة بموجبها منشآت إستراتيجية في مصر وبرقة"(6)! لقد كانوا على استعداد لبيع برقة إلى الشيطان في سبيل تحقيق مصالحهم. ما حدا بوزير الخارجية إرنست بيفن، صاحب مشروع الوصاية سيء الصيت، إلى القول بأنَّه على استعداد لتجرَّع كأس السم والسماح للروس بحصة في الوصاية على طرابلس إذا ما أطلقت الأمم المتحدة يد بريطانيا في برقة.

وما دمنا أتينا على ذكر إرنست بيفن فسنستغل اسمه للحديث عن سقوط مشروع بيفن ـ سفورزا، بشأن الوصاية على ليبيا، لننتقلَ من خلاله إلى استقلال ليبيا ونظام الحكم فيها. وتقول الرواية الرسمية المتداولة بين الليبيين أنَّ مندوب هايتي في الأمم المتحدة هو من أسقط المشروع بتصويته ضده. هذه الرواية صحيحة في جزئية تصويت مندوب هايتي ضد مشروع بيفن ـ سفورزا ولكنها ليست كذلك فيما يتعلق بالتفاصيل والنتائج، غير أنَّ المقام لا يتسع للاستفاضة في هذه القضية الجانبية. مهما يكن الأمر، ما يهمنا توكيده أنَّ ما سقط في جلسة التصويت تلك لم يكن فكر الوصاية بل نسخة بيفن ـ سفورزا منه، فالاقتراح البولندي الذي وافق عليه المجتمعون في تلك الجلسة قضى فقط بتأجيل النظر في مسألة المستعمرات الإيطالية إلى حين. أي أنَّه يحق لبريطانيا وإيطاليا تعديل مشروعهما المشترك وتقديمه إلى الجمعية العامة للتصويت عليه مرة أخرى.

من أسقط مشروع الوصاية برمته هم أبناء طرابلس الذي نزلوا إلى الشوارع بالآلاف يتظاهرون أمام مقر الحاكم العسكري البريطاني ويحرقون أعلام بريطانيا وإيطاليا ويخربون مصالحهما في المدينة، حيث تُقدِّر الوثائق البريطانية عددهم بعشرين ألف متظاهر عدا آلاف أخرى قادمة من جنزور والزاوية فاوضها مفتي طرابلس على عدم الالتحاق بالمتظاهرين. ناهيك عن مظاهرات مصراته وزليتن وسوق الجمعة وتاجوراء. وهنا، في برقة، علينا ألاَّ ننسى أنَّ منتسبي جمعية عمر المختار والمؤمنين بفكرها الوطني كان لهم الموقف نفسه وتظاهروا للسبب ذاته نصرةً لإخوانهم في طرابلس.

لم يكن أمام الإدارة العسكرية البريطانية في طرابلس من خيار سوى استنفار قواتها العسكرية والدفع بجنودها إلى شوارع المدينة لمواجهة غضب المتظاهرين قبل أن يستفحل وتخرج الأمور عن السيطرة. وهكذا اِسْتُخْدِمَت الهَرَاوَى والغاز المسيل للدموع لتفريق الجموع وإنهاء تظاهرها، ولكن المظاهرات لم تتوقف ولم ينته العصيان المدني الذي شلَّ المدينة على مدى أيام إلا عقب سقوط المشروع في الجمعية العامة. حسناً، قد يقول البعض، ماذا كانت النتيجة؟ النتيجة كانت تحوُّل إرنست بيفن وزير خارجية بريطانيا وصاحب مشروع الوصاية عن فكر الوصاية برمته وليس عن صيغة بيفن ـ سفورزا فقط. فالرجل قال في تصريح ذاع صيته بأنه ليس على استعداد "لحلِّ الأزمة الليبية بالحراب البريطانية"(7).

لقد قرأ البريطانيون والأميركيون في أحداث طرابلس الرسالة ذاتها التي تبعث بها عواصم عربية أخرى مثل القاهرة ودمشق وبغداد وسواها من عواصم المشرق العربي ومغربه: إنَّها رسالة تنامي الشعور القومي والتَّوق إلى التحرُّر لدى شعوب الوطن العربي، ولذلك قرَّروا أنَّ الوقت لم يعد في صالحهم وأنَّ عليهم سرعة التصرف لتدارك تداعيات هذا المدُّ القومي واحتوائه (تطابق تام مع ما يحدث من احتواء للثورات العربية أيامنا هذه).

بوصول الأمور إلى هذا الحد لم يعد أمام بريطانيا سوى لعب ورقتها الأخيرة في مسعى تأمين مصالحها الإستراتيجية في المنطقة: إنَّها ورقة الدفع بمشروع استقلال ليبيا دولةً موحَّدة! حيث رأت فيه "فرصتها المثالية السَّانحة لتستبق الحراك القومي وتحبطه، بمعنى احتوائه والإفادة منه قبل أن يدهمها الوقت وتُجبَر على منح [ليبيا] استقلالها بسبب الثورة المحلية و/أو الضغط الخارجي... فحساباتها ذهبت إلى أنَّ الترويج لاستقلال ليبيا برعاية الأمم المتحدة قد يكون أفضل السُّبل لتحقيق مصالحها الإستراتيجية (أقلَّه في برقة)... معتمدةً في ذلك على تعاونٍ توثَّق بمرور الزمن مع ليبيين ترى فيهم أمثل صنائعها Ideal prefabricated collaborators"(8). ولكن المصادر التاريخية تعفي كثرة ممن شاركوا في المشروع البريطاني من جزئية العلم بخباياه. "فالبريطانيون كانوا في واقع الأمر يتحكمون في ولادة الدولة [الليبية] على الرغم من أنَّ ذلك لم يكن بيِّناً للعديد من المراقبين المعاصرين للحدث وفي بعض الأحيان حتى للمعنيين به مباشرة"(9).

سنتدرج في معرفتنا بشكل الدولة التي يسعى البريطانيون إلى تكوينها في ليبيا، والبداية ستكون مع وكيل وزارة الخارجية البريطانية المساعد وليام سترانغ William Strang. ففي يوم 24 نوفمبر من عام 1949 علَّق كتابةً على الوثيقة FO 371/73840 بما يلي: "كان جليَّاً، لوزارة الخارجية على أقل تقدير، أنَّ ليبيا ستصبح دولة تابعة لقوةٍ ما"(10). وتأسيساً على هذا اليقين تحرص بريطانيا على جعلها دولة تابعة لها. حسمت بريطانيا إذن أمرها وأعلنت حرصها على إنشاء دولة تابعة تحقق مصالحها الإستراتيجية. غير أنَّ حسم بريطانيا لأمرها منفردة لا يكفي لتحقيق مطامعها، وهنا يأتي دور الأميركيين الذين تعهدوا بتبنِّي المشروع البريطاني لتحقيق مصالحهم المشتركة كما مر بنا في محادثات البنتاغون.

لمتابعة الأحداث سنقرأ من وثائق المجلس الذي يصنع السياسة الأميركية عند أعلى مستوياتها؛ سنقرأ من وثائق مجلس الأمن القومي الذي يرأسه الرئيس الأميركي ويضم في عضويته وزيري الخارجية والدفاع من بين آخرين. هذا المجلس اجتمع ليقرِّر موقف الولايات المتحدة، وتالياً سياستها، من المستعمرات الإيطالية السابقة. وعقب النقاش والتداول بين أعضائه اتفقوا على الموقف الذي سَيُتَّخذ حيال مسألة المستعمرات الإيطالية وضمَّنوه في مسوَّدة تقرير يحمل صفة سرِّي للغاية صدر بتاريخ 4 أغسطس من العام 1949. فما الذي جاء في ثنايا ذلك التقرير؟

قبل الخوض في محتويات التقرير على القارئ تَذكُّر أنَّ قرار الأمم المتحدة القاضي باستقلال ليبيا قبل يوم 1 يناير من العام 1952 صدر يوم 21 نوفمبر سنة 1949، أي عقب مضي ما يقرب من أربعة أشهر على تقرير مجلس الأمن القومي. الآن يمكننا الاقتباس مباشرة من التقرير قول الأميركيين إنَّ "الظروف الراهنة تأخذ الولايات المتحدة إلى مواجهة وضع مؤدَّاه أنَّ الحل الوحيد للمسألة الليبية، الذي قد يحظى بأغلبية الثلثين اللازمة لتمريره، هو منح [ليبيا] الاستقلال بحلول تاريخ مُحدَّد في المستقبل القريب... فإذا ما أُعْلِنت ليبيا دولة مستقلة في تاريخ مؤكَّد مثل يوم 1 يناير من العام 1952 فإنَّ مصالحنا الإستراتيجية ستكون محمية حتى حلول ذلك اليوم باستمرار الإدارة البريطانية"(11).

هل كانت مجرَّد [مصادفة] تاريخية لا أكثر؟ أن يُطْرَح تاريخٌ لاستقلال ليبيا في مجلس الأمن القومي الأميركي ويأتي قرار الأمم المتحدة باستقلال ليبيا في مهلة متوافقة معه؟ إنَّ اختيار هذا اليوم بعينه لا يحمل أية رمزية أو أهمية تجاوز كونه بداية السنة الجديدة، ولكن الأهمية تكمن في العام 1952. حيث يرد في التقرير ذاته أنَّ "مُدَّة العامين ونيِّف الانتقالية السابقة للاستقلال ستمنحنا الوقت الكافي لإنهاء الترتيبات اللازمة لإدامة استخدام منشآت عسكرية مثل قاعدة ويلوس مع أية حكومة [ليبية] قادمة"(12). إنَّ مهلة السنتين التي يحدِّدها التقرير لم تكن مجرد مهلة اعتباطية، ولتوكيد أهميتها يُشدَّد عليها بشيء من التفصيل في موضع آخر منه بالقول إنَّ "الأمر المرغوب بحسب الوقائع الرَّاهنة هو جعل المدَّة الانتقالية السابقة للاستقلال لا تقل عن سنتين ولا تزيد عن ثلاث سنوات. ما يُوجِب تحديد يوم الاستقلال بتاريخ الأول من يناير سنة 1952 أو الأول من يناير سنة 1953"(13).

جرت الأحداث وفق المسار المُتَّفق عليه وصدر قرار الأمم المتحدة باستقلال ليبيا في جلسة الجمعية العامة الرابعة بتاريخ 21 نوفمبر سنة 1949 متضمِّناً تشكيل مجلس استشاري عرف باسم مجلس العشرة أو مجلس ليبيا، وتلا ذلك قرار تعيين أدريان بِلْت Adrian Pelt مفوضاً خاصاً بليبيا في يوم 10 ديسمبر سنة 1949. بوصول الأمور إلى هذا الحد يمكن القول إنَّ المعركة السياسية لاستقلال ليبيا قد بدأت.

خاض الشعب الليبي هذه المعركة بقيادة جمعيته الوطنية (تحتاج إلى مقالة منفصلة للحديث عن ملابسات تشكيلها) التي استهلت معركتها بقرار أوَّل يقضي باعتماد الفدرالية نظاماً للحكم في ليبيا، وكان ذلك يوم 2 ديسمبر من العام 1952! هل كان هذا القرار قراراً (عقلانياً) ليبياً خالصاً لم يستجب لأيَّة إيحاءات أو إملاءات خارجية؟ إملاءات بريطانيا التي كانت تدير البلاد عسكرياً على سبيل المثال؟ لا يوجد في الدراسات الليبية (ما تسنَّى لي قراءته منها على أقل تقدير) التي تؤرِّخ للاستقلال ما يوحي بوجود مثل هذه الإملاءات.

ولكن القضيَّة لن تُحسم تاريخياً بالرجوع إلى مصادر أحد الأطراف بمعزل عمَّا سواها، فماذا تقول وثائق بريطانيا وأميركا بشأن مرحلة الاستقلال؟ ربما كانت وثائق صاحبنا القديم إرنست بيفن هي نقطة البداية الأفضل في هذا الشأن. ففي الفقرة الثالثة عشر من مذكرة رفعها إلى مجلس الوزراء بتاريخ 19 ديسمبر سنة 1949 (تواريخ كل الأحداث التالية تسبق قرار الجمعية الوطنية)، تتحدث عن مستقبل التطورات في ليبيا، يقول إنَّ "على [بريطانيا] استغلال وضعها كقوة احتلال تدير البلاد لضمان أن تتوحَّد [ليبيا] وفق الصِّيغة الأفضل لتحقيق مصالحنا، أي أن يكون الاتحاد موسَّعاً Loose قدر الإمكان. وهذا قد يتحقَّق وفق صيغة كونفدرالية أو فدرالية"(14).

هذا عن المشروع البريطاني، فماذا عن تعهدات الأميركيين بدعمه؟ الإجابة عن هذا التساؤل تَمُدُّنا بها برقية بعثها الوفد الأميركي المشارك في اجتماع لندن الثلاثي إلى وزير خارجيته بتاريخ 3 مايو سنة 1950. حيث يَرِد في تلك البرقية أنَّ مايكل رايت Michael Wright (وكيل وزير الخارجية البريطاني المساعد) ذَكَّر رَيموند هَير Raymond Hare (نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا) "بأنَّ الولايات المتحدة وبريطانيا ارتَأتا أنَّ أفضل صيغة لحكم الدولة الليبية العتيدة تتمثل في بنية فدرالية مُوسَّعة، وتساءل عمَّا إذا طرأ أي تغيير على موقف الولايات المتحدة بهذا الشأن؟ وهو التساؤل الذي رد عليه هير رداً قاطعاً بالنفي"(15).

ليس هذا كل شيء، ففي هامش الصفحة نفسها ثمة توصيات لوزير الخارجية الأميركي بأن يتَّخذ ما يلي من مواقف في لقائه المزمع بوزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية إرنست بيفن:

1. "طَمْئِن السيد بيفن بشأن استمرار دعم الولايات المتحدة لضمان [تحقيق] المتطلبات العسكرية البريطانية في برقة.

2. عبِّر له عن الرِّضا بشأن توصُّل وزارة الخارجية البريطانية والسيد أدريان بلت إلى صيغة مقبولة في مسألة التطور الدستوري لليبيا.

3. اظهر له ثقتك في أنَّ حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا ستواصلان التعاون الوثيق بشأن مفاوضات إقامة ليبيا المستقلة. وفي سياق ذلك سنعمل بطبيعة الحال على تنسيق جهودنا في مسألة إبرام المعاهدات اللازمة لاحتياجات البريطانيين في برقة واحتياجات الأميركيين العسكرية في طرابلس"(15).

تقطع النقطة الثانية من التوصيات بأنَّ صفقة ما عُقدت بين الخارجية البريطانية وأدريان بِلْت تتعلق بالتطور الدستوري لليبيا. فهل من مصادر تاريخية تناولت ذلك بالبحث والتحليل؟ لإزاحة الغموض عن هذه الجزئية سنلجأ إلى وليام لويسWilliam Louis أحد الثقاة في تاريخ الإمبراطورية البريطانية. فوثائق الرجل تقول إنَّ "[أدريان] بِلْت خاض في لندن، خلال شهري فبراير ومارس من العام 1950، مباحثات مستفيضة مع وليام سترانغ وروجر آلن Roger Allen (خليفة كْلَتُون Clutton في رئاسة الدائرة الأفريقية)، وهي المباحثات التي حازت رضا البريطانيين التام. حيث أسفرت عن حصولهم من بِلْت على ضمانات بشأن النقاط التالية من بين أخريات:

‌أ. "[بِلْت] موافق على الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها في برقة، وهو على استعداد لمساعدتنا في إبرام اتفاق طويل الأمد مع الحكومة الليبية القادمة بشأن برقة تُراعَى فيه رغباتنا...

‌ب. [بِلْت] على استعداد لدعم مثل هذا الاتفاق أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الوقت المناسب...

‌ج. [بِلْت] يفضِّل أن يكون دستور ليبيا دستوراً فدرالياً موسَّعاً..."(16).

غير أنَّ بريطانيا، على الرغم من الضمانات التي قدَّمها مفوض الأمم المتحدة، لا تريد للرجل أن يظنَّ مجرد ظنٍ أنها غير جادَّة بشأن مصالحها في برقة. ففي الصفحة ذاتها ينقل المؤرِّخ عن روجر آلن قوله: "يجب ألاَّ يساور بِلْت مطلقَ شكٍ في أنَّنا سنسحقه إذا لم يساير مخططاتنا"(17). هذا هو خطاب الحكومة البريطانية مجرَّداً من دبلوماسيته المعهودة!

ما علَّة هذا الإصرار الأنجلو ـ أميركي على الفدرالية؟ إنَّها الخوف من المدِّ القومي الذي تحدثنا عنه سابقاً. "كان الأميركيون والبريطانيون متخوفين من قيام دولة مركزية قد تقع تحت نفوذ المتطرفين... ولهذا خطَّطوا لقيام دولة فدرالية... فوجهة النظر الأنجلو ـ أميركية تستند إلى قابلية الدولة الفدرالية للتفكيك إذا تطلَّب الأمر. وهكذا يمكن للبريطانيين والأميركيين والفرنسيين إدامة نفوذهم في برقة وطرابلس وفزان"(18).

سنختم رحلة الوثائق والمراجع مع أدريان بِلْت صاحب الأثر الملموس في ولادة الدولة الليبية. فنصيب الرجل من الصفقة مع البريطانيين، وبالتالي نصيب الأمم المتحدة، كان ضمان تمويل الحكومة الليبية النَّاشئة مقابل توقيع اتفاقيات عسكرية طويلة الأجل معها. فضمان التمويل يرى فيه بِلْت الضمان الوحيد لقيام دولة ليبية قابلة للحياة، ما يعني نجاح التعاون الدولي في التخطيط لعملية الاستقلال وتنفيذها. لقد كتب الرجل سفراً ضخماً عن تلك المرحلة يزيد عدد صفحاته عن الألف، ويشي عنوانه الفرعي (ومتنه) بما يعتمل في نفسه من رضا عمَّا حقَّق من نجاح وفق مخطط تعاونٍ دولي مدروس. عنوان ذلك الكتاب كان: Libyan Independence and the United Nations: A Case of planned Decolonization. إنَّ تحقيق استقلال ليبيا وفق ذلك المُخطَّط المدروس Planned كان جائزة الرجل التي عمل جاهداً لنيلها.

هل بقي هناك ما أضيفه إلى حديث الفدرالية والتطور الدستوري لليبيا؟ قد يستغرب القارئ إذا صرَّحت بأنني لم اكتب هذه المقالة مناهضةً للفدرالية، بل كتبتها لأقول ما أشبه الليلة بالبارحة. فمن تآمروا على جهاد الأجداد واحتووه لمصلحتهم يتآمرون على جهاد الأحفاد ليحقِّقوا الشيء ذاته، وسيجدون بين ليبيي هذا الزمان متواطئين Collaborators كما وجدوهم بين أسلافهم فيما مضى. ما أودُّ قوله إنَّ إسقاط هذا السرد التاريخي على الثورة الرَّاهنة سيزيل الغموض عن كثير من التساؤلات التي تدور في أذهان العديد من القرَّاء. سيتيح كذلك فهماً أفضل لغياب البعض وبروز البعض الآخر بروزاً لافتاً على ساحة الأحداث. كتبت هذه المقالة لأتساءل عمَّا إذا كنَّا سننتظر ثلاثين عاماً أخرى كيما ترفع الدول التي تدخلت في ثورة 17 فبراير السريَّة عن وثائقها لنطلع، بعد خراب البصرة، عمَّا جرى حقيقةً خلف الأبواب الموصدة.

والآن، هل أنا ضد الفدرالية بالمطلق. لا لست كذلك، وقُصارى ما أنادي به أن يكون الاختيار عقلانياً توجبه مصلحة البلاد، لا أن يكون جرياً وراء مغالطات تاريخية يُروِّجها بعض من يحرفون التاريخ ليشتروا به ثمناً قليلاً. من لا يملكون دليلاً صحيحاً واحداً على ما يدفعون به فيرتدُّون إلى مخاطبة سامعيهم بلغة تستثير الغرائز ولا تُحفِّز العقول. وفي هذا الشأن أتوجه بالخطاب إلى صديقين عزيزين لا يساورني أدنى شك في وطنيتهما ومناقبيتهما وولائهما لليبيا ولبرقة: جمعة إبراهيم السعيطي ومفتاح سليمان المسماري من التكتل الوطني الفدرالي. فعلى حزبهما تقع مسؤولية التأسيس لخطاب فدرالي مستنير يتوسَّل السُّبل الديمقراطية من خلال خطاب مؤطَّر يبتعد عن الإساءة لبرقة وتاريخ جهادها.

حين يتحقق ذلك ويفهم النِّاس ماهية الفدرالية وموجباتها بمعزل عن الطرح السطحي الذي يسوِّقه البعض، سيحقُّ لبرقة أن تطالب ليس بالفدرلة فقط، بل سيحقُّ لها المطالبة بالانفصال وتأسيس دولتها المستقلَّة إن أملتها الضرورة والاختيار العقلاني لا مصالح البعض الضيِّقة وما يوحون به من زخرف القول إلى بعضٍ آخرَ غابت عنه الكثير من وقائع تاريخ ليبيا. وإذا أردتم مثالاً حياً على الاختيار العقلاني فاتَّجهوا بأنظاركم شمالاً هذه المرَّة. فهناك، في اسكتلندا، سَيُسْتَفْتَى الشعب بحلول العام 2014 حول مسألة الانفصال عن المملكة المتحدة. وأنا على يقين بأنَّ اختيارهم سيكون عقلانياً تمليه ضرورات الداخل لأنهم شعب يقرأ وقائع التاريخ ويعتبر.

أبوالقاسم اشتيوي

ashtaiwie@gmail.com

هوامش

1. Darwin، John. The empire project: the rise and fall of the British world-system 1830-1970 (eBook -Kindle edition، Cambridge University Press، 2009)، p. 567.

2. FRUS. 1944، v. iii، p. 2.

3. Ibid. 1947، v. v، p. 567.

4. Ibid. p. 569.

5. Ibid. p. 587.

6. Ibid. p. 588.

7. Louis، R. William. Ends of British imperialism: the scramble for empire، Suez and Decolonization، (I.B.Tauris، 2007)، p. 511.

8. Hyam، Ronald. Understanding the British Empire، (Cambridge University Press، 2010)، p. 248.

9. Louis، R. William. The British Empire in the Middle East: 1945-1951، (OxfordUniversity Press، 1998)، p. 268.

10. FO 371/73840

11. FRUS. 1949، v. iv، p. 573.

12. Ibid.

13. Ibid. p. 577.

14. CAB 131/7. p. 561.

15. FRUS. 1950، v. iii، P. 984.

16. Ibid.

17. Op. Cit. Louis، 2007. P. 521.

18. Louis، R. William. International Affairs. v. 61، no. 3. (Summer،1985)، p. 406-408.