ما للقوم و'نيتشه' يا كاشغري

بقلم: جمال الهنداوي

كأنها السيول التي اغرقت جدة هي تلك الدموع التي سفحت بغزارة قل نظيرها مع صدور الامر الملكي السامي بـ «القبض فوراً» على الكاتب الصحافي السعودي حمزة كاشغري والذي تجاوز بتغريداته "كافة الخطوط الحمراء" حسب البيان.

دموع غزيرة بللت اولا صفحة السيد وزير الثقافة السعودي، عبدالعزيز خوجة، على تويتر وهو يعلن عن قراره بمنع الكاتب السعودي حمزة كاشغري من الكتابة في أي صحيفة أو مجلة سعودية. ويقول "بكيت وغضبت من أن يتطاول احدٌ، خاصة في بلاد الحرمين، على مقام النبوة بكلام لا يليق بمسلمٍ يخاطب سيد الخلق أجمعين." ونفس هذه الدموع، وان كانت اشد لوعة وجوى هي تلك التي رفعها الاعلامي سلطان الجوفي الى رب العباد شاكيا قلة حيلته وضعف قوته التي حالت بينه وبين ان يجعل "الكلب الملحد" عبرة لغيره من الليبراليين، مذكرا - ليس الله هذه المرة - بتنبؤ ملائكة الهيئة المباركة بما سوف يصدر منه من كفر وضلال من خلال غزوتهم على ديوانيته الثقافية في جدة كونه "أحد أشكال مثقفي الليبرالية الفاسدة". وقد تكون الدموع الابلغ، والاكثر تأثيرا، هي تلك البكائية الفريدة التي سفحها خطاب ناصر العمر مستصرخا اولي الامر محذرا من عالم يموج بالفتن والقلاقل تنبثق منه المملكة وحدها متنعمة بالامن والامان بقوة الله وبركة المؤسسة الدينية التي آذاها الكشغري بتغريداته. وقد تكون تلك الحرقة وتلك السواكب هي ما دفعت البعض للهمس باذن العاهل السعودي - فلا اظن ان جلالته يجد الوقت لاستخدام التويتر - بان الرجل قد صبأ بدين الاجداد وأساء إلى الذات الإلهية وإلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو«أمر لا يقبل منه بأي حال من الأحوال، ولا مكان للأعذار معه».

مأزق شخصي احس به وانا امسح الشاشة امامي من كل هذه الدموع والغضب لاجد انه ليس هناك من سب ولا شتم ولا تجديف فيما اثار حفيظة القوم واستدر بكائهم. فعلى الرغم من تسليمنا بان الحكم في ارض الحرمين -عادةً- يرى ما لا نرى، وان ما يصح في او عن او للمملكة قد لا يصح لغيرها، ومع ايماننا بان خادم الحرمين لا يغضب كل هذا الغضب الذي وصل حتى ماليزيا نتيجة تهويل الامر من قبل بعض المقربين الذين يتصيدون بين الحين والآخر ما يراد به تعزيز هيبة المؤسسة الدينية وارهاب مناوئيها، فاننا لم نستطع ان نجد الا عبارات قد ينقصها الكثير من البلاغة والقوة ولكنها قابلة للتأويل على الف وجه ووجه مما يمكن معه ان ندرأ شبهة التجديف وندفعها عن غائلة الصحفي الشاب استنادا على اعلانه التوبة والاعتذار.

وحتى تلك الجمل التي طار بها القوم واستخرجوها مكبلة من حساب مهمل في مجتمع مزدحم صاخب والتي تخاطب الرسول (ص) بالقول: "في يوم مولدك لن أنحني لك، لن أقبل يدك، سأصافحك مصافحة الند للند وأبتسم لك كما تبتسم لي، وأتحدث معك كصديق فحسب وليس أكثر". قد يكون من العسير علينا ان نستشف ما يخرج الكاشغري من الملة من جرائها.

فما الذي يراه القوم في النبي الأمي الذي كان يخصف النعل ويمشي في الأسواق حتى تكون الابتسامة في وجهه معصية. واي جبروت وسلطان كان للرسول وهو جالس في المسجد شادا الحجر على بطنه هاتفا بصوت اراده ان يصل الى عقول الناس "ما انا الا بشر مثلكم". وهل ان ذلك الانسان الذي كرم جباه الخلق عن السجود لغير الله سوف يألمه ان لا ننحني له. وهل سيطلب منا ان نقبل يده؟

منذ قرون ونحن نقرأ ان حياة الرسول الكريم (ص) كانت بعيدا جدا عن هالات التقديس والتأليه. وقرأنا كذلك عن من جابهه بالقول "أمنك أم من الله". ولم نر الشرر يتطاير من فيه وهو يرد عليه بحلم الانبياء "بل هي من الله"، او عن التي قالت له "لطالما يسارع الله في هواك" او حتى عمن قال مخاطبة رب العزة "دعني انظر اليك" او "ليطمئن قلبي". وكيف يذهل اعلام الامة الاعلام عن توبة الرجل واعتذاره واعتبار ما قاله "لا مكان للاعذار معه".

لقد أخطأ حمزة كاشغري بقوله هذا. أخطأ تماما. فلقد كان عليه ان يتحسس مواطئ اقدامه والارض التي يعيش عليها قبل ان يبث لواعج افكاره على الشبكة المراقبة بعلماء الصحوة وعسس السلطان. ثم ما للقوم و"نيتشه" وكيف سيفهموه. وماذا كان الكاشغري ينتظر من قوم متعطشين لحفلات الثأر والانتقام والمفتشين عن المتشابه من القول لتأويله بما يحقق الحد الاعلى من الزعيق والصراخ في دروب التكفير والتخوين والمتعطشين لرؤية الرؤوس المتدحرجة التي تسأل بأي ذنب قتلت.

كان على الكاشغري ان يعرف ان من يقول ان "اسوأ المفسدين في بلاد الحرمين تركي الحمد" لانه غرد على الامير عبد العزيز بن فهد: هل عرفت الجوع يوماً؟ لن يستصعب ان يصف بـ"الكلب الملحد" من اباح بما احسه من "حالات نفسية شعورية" تجاه الرسول الاكرم (ص).

وان من بنا منظومته الفقهية على مبدأ تغييب حقوق الفرد وحرياته الاساسية قربانا لما يراد به ان يبدو كدرء للفتنة، لن يجد غضاضة في ان يستحضر اكثر اوراق الفقه اصفرارا ليخرج منها بيد مرتعشة من التأثر قول ابن تيمية ".. وأما من سب رسول الله فإننا نستتيبه وندعوه إلى التوبة، فإن تاب قتلناه حداً لا ردة، حفظاً لجناب النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولأنه ليس بين أظهرنا حتى يسقط حقه" ليرمي بالكاشغري فريسة لشهوة الولوغ في الدم واذلال العباد متناسين اجهاره بالتوبة والاعتذار. فان كان الله غفور رحيم فان آل الشيخ منتقم جبار.

يقول الكاتب الذي يتستر باسم سيد القصر فطنة وتقية من يوم نحس مستمر:

"إن الإمام أبو حنيفة يقول مقولة لو عاش بعض الموتورين في زمانه لطالبوا بدمه عنترية وجهلا. وهذه المقولة أحق بالشك لدى الموسوسين مما قاله حمزة! ولكن الاغترار بقداسة الاشخاص تفرق وتسطح الامور! يقول الإمام احمد بن حنبل في كتاب السنة النسخة التي حققها د محمد القحطاني ونشرتها دار ابن القيم صفحة 226 من المجلد الأول: كان أبو حنيفة يقول: لو أدركني النبي صلى الله عليه وسلم أو أدركته لأخذ بكثير مني ومن قولي. انتهى كلامه!

ولست أدري ماذا كان سيكون موقف الهائجين اليوم من الإمام أبي حنيفة إذ يقول ما يقوله، وهل كانوا سيتهمونه بالانتقاص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو إدعاء النبوة؟! لكن يبدو أن حمزة كاشغري كان الحائط القصير الذي سهل على الجميع القفز عليه!"

جمال الهنداوي