القائمة العراقية: ما أحلى الرجوع إليه!

بقلم: إبراهيم الزبيدي

يبدو أن قادة القائمة العراقية بلغوا سن التقاعد. ودليل ذلك أن شيئا من الخرف بدأ يظهر على سلوكهم وتصريحاتهم وقراراتهم.

فثورتهم على "ديكتاتورية" نوري المالكي واتهامه بتسييس القضاء، واستخدام الدولة وأجهزتها المختلفة لإسقاط خصومه في القائمة، جعلتهم يأمرون وزراء العراقية بمقاطعة الحكومة، ونوابها بتجميد عضويتهم في البرلمان، ثم يعلن رئيس القائمة أياد علاوي أن العودة إلى نوري المالكي مستحيلة، وأن الحالة الوحيدة التي ستجعل القائمة تغير موقفها وتعود إلى قواعدها سالمة هي إحدى ثلاثة حلول أعلنها الدكتور أياد في مؤتمر صحفي نقلته عشرات الفضائيات والإذاعات والجرائد العراقية والعربية والدولية.

الأول "تشكيل حكومة جديدة تـُعد لإجراء انتخابات مبكرة، وتحمل على عاتقها مسؤولية تنظيمها بنزاهة وتحترم الدستور." والثاني "قيام التحالف الوطني بتسمية رئيس وزراء جديد قادر ومؤهل لإدارة شؤون البلاد يعاونه مجلس وزراء مع وجود معارضة نيابية." والثالث "تشكيل حكومة شراكة وطنية حقيقية تستند إلى تنفيذ اتفاقات أربيل كاملة لتأسيس منظومة دولة مؤسساتية متكاملة تعمل على تحقيق تشريعات دستورية."

ويعرف العراقيون والعرب والأجانب تفاصيل العراك الأخير بين نوري المالكي، صاحب ومدير دولة القانون، وبين صقور وحمائم القائمة العراقية السنية التي تتغطى بعباءة غير سنية، عملا بالضرورة التي تبيحها قاعدة "للظروف أحكام".

ومنذ أن تبنى مجلس القضاء الأعلى (المستقل جدا) معارك المالكي السياسية بإطلاق بالونات التهم الإرهابية لطارق الهاشمي وأفراد حمايته، وإقدام حكومتنا الرشيدة بنشرهذه التهم إعلاميا للتشهير بنائب رئيس الجمهورية وبقائمته وطائفته أيضا، وذلك قبل اعتقاله، (وكان في القصر الجمهوري بين يدي رئيس دولة القانون)، ومحاكمته وتجريمه، والعراقُ والعراقيون في حيص بيص.

الهاشمي في ضيافة شركائنا الكورد الذين تمسكوا بمقولة "المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته"، وصالح المطلق ممنوع من دخول مكتبه، ومطلوب من البرلمان إسقاط حصانته، بسبب إعلانه أن رئيسه نوري المالكي ديكتاتور أسوأ من صدام حسين، ووزراءُ العراقية مطرودون أيضا، وممنوعٌ على جميع أجهزة الدولة تنفيذ ُ أي قرار من قراراتهم، وأياد علاوي يهدد ويُـنظر ويتفلسف ويُجيش الجيوش. وباقي الناطقين الكُثر باسم العراقية يتصدرون نشرات الأخبار، كل صباح وكل مساء، وهم يهشون وينشون على المالكي ومستشاريه وأعوانه ومحالفيه. حتى ظن العراقي المسكين أن لا أمل في لقاء بين المتعاركين، ولا مصالحة ولا هم يحزنون، وأن الوطن مهدد بحروب طاحنة بدايتُها بالمفخخات والمُفخَخين، ونهايتها حروبٌ طائفية مخيفة لن تبقي ولن تذر.

وبعد حوار مجلجل طويل بالتفجيرات (البطولية الظافرة) التي سقط فيها مواطنون كثيرون، واحترقت فيها منازل عديدة، وأسواق ومدارس وجوامع وحسينيات، نكنشف فجأة أن الشركاء المتعاركين غير صادقين في عراكهم، وأن حروبهم كلها مجرد حروب دخانية وصوتية فارغة، وأنهم جميعا متلهفون لوسيط يلمهم من جديد. أما الوطن ومصيره، وأما المواطن وهمومه فليس على بلال أحد من المتعاركين.

نوري المالكي متلهف إلى الاجتماع بخصومه الألداء، بل ويتهم بعضهم بعرقلة عقده، تنفيذا لقرارات خارجية.

ثم يعلن أن "بعض من يشاركون في العملية السياسية يشكلون امتداداً لدول أخرى"، مشيراً إلى أن "هؤلاء لا يمكن أن يُسهموا ببناء دولة لأنهم ينفذون قرارات دول أخرى، ولا يمتثلون إلى قرارات الدولة العراقية، وما تقوله هذه العاصمة أو تلك هي التي تتحول إلى قرارات لديهم".

وقبل ذلك كان نوري المالكي نفسُه قد أعلن أنه احتفظ ثلاث سنوات بملفات عديدة تثبت إدانة الهاشمي بالإرهاب، لكنه قبل به شريكا وصافحه وقبـَّـل جبينه وخديه عشرات المرات.

ومع ذلك فهو مصر على الاجتماع بالخونة، وغير ممانع في شراكة العملاء في إدارة الدولة وصياغة قراراتها وصناعة مستقبل أبنائها.

بالمقابل، ورغم كل هذه الاتهامات الخطيرة بالعمالة للخارج، عاد وزراء العراقية إلى قواعدهم، ونوابُها إلى مقاعدهم في البرلمان، سالمين.

أذن فلا المالكي قدم استقالته، كما اشترط أياد علاوي، ولا الائتلاف الوطني اختار رئيس وزراء غيره، ولا حكومة وحدة وطنية جديدة شكلت لكي تـُعد لانتخابات جديدة، ولكن أياد علاوي ورفاقه قادة القائمة العراقية الكبار الآخرين أوقفوا التحاور بالمفخخات، وقرروا استبداله بالقبلات، وارتضوا العودة إلى أحضان السيد رئيس الوزراء. ما أحلى الرجوع إليه.

ولا ينسى قراؤنا الأعزاء ما قاله الدكتور أياد علاوي في آخر تصريحاته الصحفية المجلجلة، "العراق أصبح من أكثر البلدان فسادا بسبب سوء الإدارة"، مبيناً أن "هنالك دكتاتورية بلبوس الديمقراطية المشوهة التي خلفتها القوى الأجنبية في العراق."

أليس من الطبيعي والمنتظر، والحالة هذه، أن نشهد ثورة داخل القائمة العراقية يَطرد فيها قادتهُا الشباب، بمباركة الدول الشقيقة المانحة، قادتها الكبار، بعد أن تأكد أنهم شاخوا وأصاب بعضهم شيء من الخَـرف المعيب؟

إبراهيم الزبيدي