مصالحة فلسطينية تبحث عن مضمون!

بقلم: خيرالله خيرالله

الى اين يمكن للمصالحة ان تاخذ الفلسطينيين وقضيتهم؟ هل هناك شيء اسمه مصالحة من اجل المصالحة، اي مصالحة من دون هدف واضح يسعى المعنيون بالامر الى تحقيقه. مثل هذا الهدف يوفّر املا في ان يؤدي الاعلان الذي وقعه حديثا في الدوحة كل من رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية السيد محمود عبّاس (ابو مازن) والسيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" الى نتائج ذات انعكاسات ايجابية على الواقع الفلسطيني.

لا شكّ انّ الجهود التي بذلها امير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني من اجل استكمال المصالحة بين الجانبين تعتبر جهودا طيبة نظرا الى ان اي مصالحة بين "فتح" و"حماس" تظلّ افضل من المواجهة بينهما... حتّى لو بقي الانفصال التام القائم بين الضفة والقطاع على حاله.

لكنّ التحدي الاكبر امام قطر، بصفة كونها عرّاب المصالحة، سيظلّ نفسه. يتمثّل هذا التحدي في القدرة على اعطاء المصالحة مضمونا سياسيا في وقت لا وجود لايّ اهتمام اسرائيلي بعملية السلام. مثل هذا الموقف الاسرائيلي الذي تتبناه حكومة بنيامين نتانياهو يلقى دعما من "حماس" التي ما زالت ترفض البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية المرتكز على خيار الدولتين.

هناك حلف ضمني بين حكومة اسرائيل و"حماس" يقوم على رفض خيار الدولتين. هل في استطاعة قطر المساهمة في فكفكة هذا الحلف... ام ان المصالحة الفلسطينية- الفلسطينية ستساهم في تمتينه؟

ليس مطلوبا في اي شكل التشكيك بالجهود القطرية. فهي جهود مشكورة تاخذ في الاعتبار المأزق الذي يعاني منه الفلسطينيون ككلّ. لو لم يكن هناك مأزق حقيقي لدى السلطة الوطنية، في اساسه التعنت الاسرائيلي، لما كان "ابو مازن" اقدم على سابقة في غاية الخطورة تتمثل في وضع نفسه في مستوى واحد، اقله من الناحية البروتوكولية، مع خالد مشعل. في النهاية، ان مشعل ليس سوى زعيم لتنظيم فلسطيني، فيما "ابو مازن" رئيس دولة فلسطين ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الوطنية ورئيس "فتح"...

في كلّ الاحوال، سارعت اسرائيل الى رفض الاتفاق الفلسطيني- الفلسطيني وتخيير رئيس السلطة الوطنية بين السلام و"حماس". مثل هذا الخيار الذي يطرحه بيبي نتانياهو غير موجود لسبب في غاية البساطة. يعود هذا السبب الى ان كلّ المطلوب من "ابو مازن" هو الاستسلام وليس السلام عن طريق التخلي عن جزء من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية وتسليم الامن، كلّ الامن الفلسطيني، لاسرائيل. دفع ذلك برئيس السلطة الوطنية الى ابلاغ رئيس الحكومة الاسرائيلية في آخر لقاء بينهما انه يفضل بقاء الاحتلال على العرض الذي يقدمه نتانياهو!

ما المضمون السياسي الذي في استطاعة قطر توفيره لاتفاق المصالحة الفلسطينية- الفلسطينية كي يكون خطوة في اتجاه تحقيق خطوة على طريق قيام الدولة الفلسطينية "القابلة للحياة"؟

الجواب ان "حماس" اقدمت اخيرا على مبادرات ذات طابع رمزي في اتجاه المصالحة مع نفسها اوّلا. والمصالحة مع النفس تقوم على التخلي عن الشعارات الطنانة التي لا تقدّم ولا تؤخر والتي لا تخدم سوى الموقف الاسرائيلي القائم على فكرة ان لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه. من بين هذه المبادرات زيارة رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" للاردن مع وفد من الحركة. تكمن اهمية الزيارة في انها جاءت بعد انعقاد ثلاث لقاءات فلسطينية- اسرائيلية في عمان للبحث في امكان العودة الى طاولة المفاوضات. وما لا بدّ من ملاحظته ايضا ان الزيارة جاءت بمعية ولي العهد القطري الشيخ تميم بن حمد. سمح ذلك بحصول لقاء مع الملك عبدالله الثاني في اثناء اجتماعه بوليّ العهد.

شيء ما تغيّر لدى "حماس". بدأ التغيّير بالخروج من تحت العباءة السورية، وربّما الايرانية الى حدّ ما، واقتناع الحركة اخيرا ان لا هدف لدى النظام السوري سوى المتاجرة بالشعب الفلسطيني تحت عنواني "المقاومة" و"الممانعة". هذا التغيير مهمّ. ربما كان هذا التغيير، فضلا عن الشعور بان السلطة الوطنية في مأزق حقيقي، هو الذي دفع قطر في اتجاه الجمع بين "ابو مازن" ومشعل في الدوحة. ولكن هل يمكن اعتبار تشكيل حكومة برئاسة "ابو مازن" ممرّا الى انتخابات رئاسية وتشريعية قريبا؟ ماذا اذا فازت "حماس" في الانتخابات وسيطرت على الرئاسة وعلى المجلس التشريعي واحتفظت في الوقت نفسه بشعاراتها المطالبة بتحرير فلسطين من البحر الى النهر، وهي شعارات تلقى ترحيبا اسرائيليا؟

ليس مطلوبا مصالحة فلسطينية- فلسطينية في غياب اتفاق مسبق على مشروع سياسي واضح هو البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الذي يحظى بموافقة المجتمع الدولي ومباركته. وحده الاجماع الفلسطيني على البرنامج السياسي لمنظمة يمكن ان يهزم الاحتلال يوما وان يعطي في الوقت الراهن معنى ما للمصالحة ومضمونا سياسيا لها.

في غياب خطوة تقدم عليها "حماس" في هذا الاتجاه، يخشى ان لا يكون من هدف للمصالحة سوى التخلص من حكومة الدكتور سلام فيّاض التي هي افضل شيء حصل للفلسطينيين في السنوات الاخيرة. اكثر من ذلك، ان الخوف كلّ الخوف من ان يكون الهدف من التصريحات المعتدلة التي تصدر هذه الايام عن هذا المسؤول "الحمساوي" او ذاك هو التمهيد لوضع اليد على الضفة الغربية على غرار ما حصل في غزة. مثل هذا الاحتمال وارد في ظلّ حال الضعف والانقسامات التي تعاني منها "فتح" والغليان الذي يسود الاوساط الفلسطينية في كلّ انحاء الضفة الغربية.

نعم للمصالحة الفلسطينية- الفلسطينية ولكن مع اعطاء مضمون سياسي لهذه المصالحة. مثل هذا المضمون يحدد الهدف الوطني المتمثل في التخلص من الاحتلال بدل ان يكون هذا الهدف التعايش معه من جهة وتغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني في اتجاه مزيد من التخلف على غرار ما هو حاصل حاليا في غزة من جهة اخرى...

خيرالله خيرالله