الدسوقي في مواجهة مع شعر الثورة من مصر إلى تونس

كتب ـ محمد الحمامصي
النقد الإبداعي

حين طالعنا العام 2011 بانتفاضة للشعوب العربية بداية من تونس ومرورا بمصر ثم اليمن وسوريا، طالعنا الكاتب محمد الدسوقي في نفس العام بثورته الخاصة فخرج إلي ميدان النقد رافعا لوحات التنديد بالنظريات النقدية الجامدة والطرق الاكاديمية المعقدة البعيدة تماما عن ذائقة المتلقي، العادي وقدم لنا مدرسته الخاصة في النقد ولو جاز لي التعبير لأسميته "النقد الإبداعي" الذي لا يدافع عن نظرية بعينها، ولا يتبنى فكرة واحدة يسير في إطارها.

إن الأسلوب الجديد الذي اتبعه الدسوقي ليس مبنيا علي أسس واهية ولا مزاج شخصي، ولا آراء انطباعية، لكنه مبني على أساس الخبرة والمتابعة والتدقيق، فناقدنا الذي يعيش الحياة الأدبية ما يقارب الأربعين عاما كاتبا للقصة، ومقدما للبرامج الإذاعية معتمدا على شعر العامية الذي يصوغه في أسلوب يطوع الفكرة ويسهلها على مستمع الإذاعة البسيط، وباحثا في المؤتمرات الأدبية، تلك السنوات الطويلة والمهارات المتعددة في الكتابة، شكلت طريقا خاصا بكاتبنا وطريقة في تلقي الإبداع، وعرضه في أسلوب مميز يساعد النشء على استساغة الأدب، ويعطي المبدع ما يشبه "الروشيتة" البسيطة بالتشخيص والدواء.

وقد اختبر الدسوقي هذه الطريقة في مقدمات صغيرة لدواوين يقدم بها بعض الشعراء وكتاب القصة للحياة الأدبية، وأبحاثا في المؤتمرات الأدبية وكتبا مجمعة يعرض فيها طرق بعض المبدعين في الكتابة، وبعد نجاح الاختبار قدم كتاب "الثورة وأسئلة الشعراء" الذي يعتبر تأصيلا لطريقته النقدية وثورة على الطرق النقدية الأكاديمية المعهودة، ولا تقتصر أهمية هذا الكتاب كونه الدراسة الأولى على مستوي الوطن العربي لتجليات نص الثورة، ولا كونه جامعا مجموعة كبيرة من شعراء الوطن العربي من أقطار مختلفة، ولكن أهميته الحقيقية في تقديمه كافة أشكال الكتابة بداية من الشعر العمودي مرورا بشعر التفعيلة وصولا إلي قصيدة النثر، وهذا يدل على خبرة الناقد وإمكاناته ودرايته بكافة دروب الشعر.

والكتاب من القطع المتوسط، يتكون من مائة وسبعين صفحة، ويحتل غلافه صورة كبيرة لميدان التحرير وهو رمز الثورة، ثورة الشعوب العربية وثورة النقد في الكتاب حيث يبدأ بإهداء "إلى الربيع العربي" ثم مقدمة من جزئين بعنوان تجليات الثورة أم تجليات نصها، ويتحدث في الجزء الأول من المقدمة عن لغة الشعر الثائرة في المواقف العادية فكيف تكون ثورة الثورة، ويؤكد أن معظم الأدباء فاجأتهم الثورة فلم يقدموا من معين إبداعهم ما يناسب جلالها.

والجزء الثاني من المقدمة يعرض فيه ما يجب على المبدع من الوعي والأناة حتى تظهر معالم ثورته، وتتشكل في إبداعه.

يخوض الناقد نزال شعراء القصيدة العمودية، بمقارنة بين قصيدة "المرأة الاستثناء" وقصيدة "أتموا ما بدأتم"، حيث أن الشاعر محمد الشهاوي في قصيدة "المرأة الاستثناء" كان واعيا بأن الحدث الاستثناء يتطلب لغة مشابهة، أما في قصيدته الثانية التي تتحدث عن الثورة يتحدث بخطاب شعري غابت فيه أناه الشعرية تماما وغابت الثورة التي يخاف عليها من الاكتمال.

وينتقل إلى قصيدة "رسالة إلى الحجاج" للشاعر سعد عبدالرحمن ويوضح أنه برغم البداية بحرف النداء "يا" ليستدعي الماضي إلا أنه لم يؤد الدور الدرامي في القصيدة بقدر ما كان دوره صياغيا.

أما قصيدة "الآن أقول" لتقى المرسي فيقول عنها "إنها قصيدة قصيرة تنطق بالفرحة وتعتمد على إيقاع غنائي تماهت فيه الذات الشاعرة بالذات الثائرة فتحركت السواكن".

ومن مصر إلى موريتانيا وقصيدة الشيخ نوح "الشعب يريد" يقول عنها "كلماتها غنية ونبضها متعدد رغم تكراره في قافية موحدة إلا أن الألوان والظلال والصور منحت القصيدة حيويتها".

أما الشاعر التونسي عبدالمنعم الأمير وقصيدته "توقيع عاشق على ثوب قرطاج" فيقول عنها الكاتب "تبدأ القصيدة من لثغة البوح، أي بداية طفولة القصيدة التي تشب عن الطوق مثل شاعرها".

وبعد الخوض في شعراء القصيدة العمودية ينتقل إلي شعر التفعيلة ويتحدث الكتاب عن شعراء التفعيلة بشكل عام فيقول: إن قصائدهم نتاج طبيعي لتجربتهم الطويلة مع الشعر وأن معظم القصائد تحمل مضمونا في الوقت الذي تؤثر جمالياتها على نفس المتلقي وينتقل من العام إلى الخاص، ويتحدث عن الشاعر منصف الوهايبي من تونس ويقدمه في قصيدتين منها "تمرين على كتابة يوم الجمعة"، ويقول عنه "إن قصائده لها ومضتها الكاشفة لنفسية شاعر متمرد، يوصل الشعر عن طريق القراءة والمشاهده ويخلط بين الفكر والكلمات فبقدر ما للفكرة دور بقدر بساطة الكلمات".

وعن قصيدة "اخلع نعليك" لفاروق شوشه يقول "إن الشاعر ينقل حقيقة ويولد عاطفة ويمزج بينهما عن طريق الشعر، وبرغم البداية التقريرية للقصيدة، إلا أن الشاعر يخلق صورة جديدة للميدان المجرد ويقدمه في كيان مجسد".

وعن قصيدة "ممدوح المتولي" يؤكد أنه يناضل من أجل أن تصبح قصيدته نداء للتحرر الذاتي ومحاولة للاكتشاف وطرح الأسئلة.

وينتقل إلي ديوان "انجيل الثورة" لحسن طلب ويقول عنه إنه "ألقى بنفسه في البحر وكان خائفا من البلل" ويوضح أن الديوان كان ردة فعل انفعالية تجاه الثورة.

أما الشاعر التونسي آدم فتحي وقصيدته "ليتني حجر يا ابنتي" يقول عنه "إن الشاعر تمني لو أصبح حجرا كي لا يرى الدم يهرق والحلم يزهق دون أن ينفجر أو ينتحر وهو يستخدم ابنته كتكئة لتوجيه الخطاب إلى الأجيال القادمة".

ويعود الكتاب إلى مصر وقصيدة "لأنك أمسكتها في عجالة" للشاعرة شريفة السيد يقول عنها "إن الشاعرة استخدمت ضمير المخاطب وهو ضمير المواجهة بلغة بسيطة ومباشرة وقريبة من معجم العامة".

ويعود إلى تونس في قصيدة "ثورة النار" لجمال الصليعي ويشير إلى أن القصيدة "بدأت بشفافية وسحر غامض يغلف حادث احتراق البوعزيزي، وتمنى أن يتوحد الشاعر مع القصيدة حتى تكتسب ديمومة لا تنتهي".

ويختم الناقد جولته في قصائد التفعيلة بالشاعر المصري صبري قنديل الذي اختار انتقاء لغة مجازية رغم طابع القصيدة السردي ليوصل رسالته ويوضح نمطية الرؤية بحيث يحل الحماس العاطفي محل التأمل والتجربة.

وبعد العرض الشيق لقصيدة التفعيلة ينتقل الكتاب إلى قصيدة النثر ويتحدث عن قصيدة النثر عامة، كونها حالة ثورية لكل شاعر انطلاقا من تصوره الخاص لنصه،

وينتقل إلى خصوصية ديوان "مهمل يستدل عليه بظل" لعلاء عبدالهادي، وينوه إلى ثنائية "المهمل/الظل" وأن الظل دال على صاحبة كما أن القصيدة دالة على شاعرها.

أما الشاعر عبدالمنعم رمضان في قصيدة "كتاب الموتى" يؤكد الكاتب أن الشاعر يعيد انتاج نص الواقع بأدوات فنية متعددة، ثم يتناول قصيدة "أبعد نقطة ممكن أن يصل إليها المشهد" لأمجد ريان منوها إلى أنها تبدأ بتفاصيل سردية كثيرة تبدأ من الذات وتنتهي إلى علاقتها بالكتابة.

أما "الوجه ذو السن الباسم" لعبدالحكم العلامي، فأوضح أن الشاعر يعتمد على ذاكرته، لا على ذاته المتماهية مع الواقع أو المتأثر به.

وفي قصيدة "الكلمات تنتفض" لماجدة الظاهري – تونس يقول "إن هناك ائتلافا بين التركيب اللغوي والصور الفنية في مادتها الموسيقية في عبارات قصيرة حادة.

وقصيدة "أغنيتي ليبية الهوى" عائشة المغربي – ليبيا، يوضح علاقة القصيدة بالواقع حيث التساؤلات ومحاولات حرف اللغة عن سياقها.

وقصيدة "الاحتراق للبقاء" زهور العربي – تونس يقول عنها "إن عباراتها الثرية تمتلك إزاحتها اللغوية أي عباراتها لا معقولة، لتصبح اللغة متطابقة مع القصيدة".

وينتقل إلي سوريا وقصيدة "وطن يبوح بالحكايا" لوجيهة عبدالرحمن، يقول: إن الكاتبة لم تفكر في فكرة معينة قبل كتابة القصيدة ولكن هناك نبش داخلي في اللاوعي على عكس مواطنتها بيانكا ماضيه في قصيدتها "أنين الصمت" فإن هناك تراتبا منظما في سياق القصيدة.

وهكذا يتنقل الكاتب بين أشكال الكتابة المختلفة والهويات المتعددة للكتاب، بمهارة هي نتاج طبيعي لخبرة واسعة واطلاع كبير لكاتبنا الذي يوضح بمنتهي الحرفية الظواهر والإشارات في كافة القصائد من حيث لغة الخطاب وحروف الروي وتداعي الحروف وعناوين القصائد وتعتبر هذه المنطقة في الكتاب أثرى مناطقه ويتجلي فيها "النقد الإبداعي" فلا يعتبر الكتاب مجرد عرض للقصائد، أو تحليل وتفسير لها، ولكن الناقد مبدع هو الآخر يقدم نقده بحرفية ومهارة صانع يدوي لا يكتفي بالنظر إلى اللوحة، بل يصنع لها إطارا بدقة ومهارة، مما يحير المشاهد إلى ما ينظر اللوحة أم الإطار.

وبعد العرض المتميز للقصائد بأشكالها المختلفة يتحدث الناقد بلغة الخبير ليؤكد أن قصيدة الثورة ليست هي التي كتبت قبل الثورة أو بعدها، ولكن الثورة في حقيقتها هي النموذج الفني لكل قصيدة متميزة.

ثم يختم الناقد بحثه بكلمة مهمة يجب أن ينظر إليها القاري بعناية، يقول فيها: "إن الشعر هو الشعر لا معنى له إلا هو، وليس للشعر غير إطلالته وراء الواقع، والثورة ليست كما يتصور البعض، مجرد أشلاء الثوار ولا دموع الأمهات، وإنما الثورة في حقيقتها هي اختراق الواقع وعلامات استفهام، ومغزى كبير، إنها الأسئلة فمن يستطيع الجواب؟!".