إذا أخرجت الأرضُ ثوَّارَها ...

بقلم: رجب سعد السيد
أحمد حرارة قبل أن يفقد عينه الثانية

أنا مدين للقارئ باعتراف، وهو أنني قد بذلت جهداً كبيرا لأنتقي ملامح متفردة للشخصيات من الثوار الذين يرد ذكرهم في هذا المقال، وفي اختيار ألفاظ لا تتكرر .. فالتجارب التي مر بها هؤلاء الناس الذين ينتمون، بلغة علم التصنيف، إلى (تحت نوع) بشري مختلف، ونادر، تكاد تتشابه، ومع ذلك، فيمكنك، إن أردت، أن تستشف خصوصية وفرادة في شخصية وحياة كل منهم. إنهم ينتمون لمجتمعات متباينة، ولكنهم جميعا نبت الأرض، ولكل تربة نبتها، ولكل نبتة مذاقها ورونقها.

لقد عاش الدكتور "أرثر شِــن"، وهو طبيب مقيم في (أوكلاند) بولاية كاليفورنيا الأميركية، في الستين من عمره، بين صفوف الأغلبية الصامتة، التي ظلت ساكنة أمداً طويلا، تراقب أحوال تفاعلات النظام الرأسمالي الأميركي مع البشر في أوجه حياتهم المختلفة. وقد تيسر له كطبيب أن يعاين تدني أحوال الناس الصحية، وعجز الكثيرين عن التمتع بمزايا التأمين الصحي. وتأكد له أن ثمة عيوباً وثغرات ينبغي معالجتها، لصالح استقرار المجتمع الديموقراطي. وما إن علم بحركة الاحتجاج التي اندلعت في أوكلاند، حتى قرر أن يشارك بها، فانقطع عن عمله، وخرج إلى الشوارع، في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، متضامناً مع المحتجين. ويقول إنه قد تأثر – بلا شك – بثورات الربيع العربي، وما شاهده في شرائط الأخبار من أحداث ميدان التحرير بالقاهرة، وثورة تونس، حيث لعب الشباب دوراً مهماً في تغيير معالم مجتمعاتهم، وتابع مظاهرات لندن التي قام بها الطلاب الغاضبون، احتجاجاً على زيادة الرسوم الدراسية، واحتجاجات العمال ضد حاكم ولاية ويسكونسين، الذي حاول أن يسلبهم حقوقهم، وما تولد عن ذلك من استياء عام ضد الحكومة الأميركية، آخذٌ في التزايد، نتيجة تعاطفها مع الأغنياء سياسياً وضريبياً، غافلة عن توفير موارد لمعالجة مشاكل السكان الأكثر احتياجاً.

أما "شيلسي إليوت"، 25 سنة، فكانت مشاركتها في الحركة الاحتجاجية التي اشتهرت باسم (إحتلوا وول ستريت)، في سبتمبر/أيلول 2011. وقد انضمت شيلسي للحركة في اليوم الثاني من الاعتصام؛ وكانت مهيأة للمشاركة نتيجة لمعايشتها مشاكل حياتية صعبة، وتوترا مستمراً، منذ تخرجها في الجامعة بالعام 2008. وتحكي شيلسي عن مشاعر بسيطة رصدتها خلال أيام الاعتصام؛ فقد كانوا يعانون الجوع، ويسعون للحصول على شرائح من فطائر، أطلقوا عليها – مازحين – اسم (فطيرة إحتلوا)، وقد أصبحت تلك الفطائر مصدر طرائف ونكات، تماما مثل ساندويتشات كنتاكي التي ارتبطت بميدان التحرير!

الطبيب شِــن - أثاره الإجحاف والظلم الاجتماعي
وقد اصطدم معتصمو (إحتلوا وول ستريت) بقوات الأمن الأميركية، ونشب عراك، حاولت شيلسي خلاله أن تتحاور مع أحد عناصر قوات القمع، فرشها مع آخرين بغازات الفلفل المهيجة للأغشية المخاطية والمسيلة للدموع، وجرجرها آخرون، مع فتيات أخريات، على الأرض، تماما كما فعلت قوات القمع مع فتيات مصريات في ميدان التحرير! ومع ذلك، فتقول شيلسي إنها في غاية السعادة بما تعرضت له من مظاهر العنف، ما دام ذلك كان يصب في صالح حركة الاحتجاج، ونجح في تجسيد توجهات الحركة ونقلها للعالم.

وتقول تلك الثائرة النيويوركية عن (إحتلوا وول ستريت) إنها – كما هو الحال بالنسبة لثورة يناير 2011 المصرية – كانت بلا قيادة. خرج الناس للمشاركة فيها من تلقاء أنفسهم، يشعر كل منهم أن الحركة هي حركته هو، واجتمعوا على ضرورة تغيير النظام، لأن ذلك أمرٌ من شأنه أن (يؤثر، بالقطع، على أطفالي، إن قُـدِّرَ لي أن أصير أُمَّــاً، كما يؤثر على أسرتي الحالية وفيها جدتي وجدي؛ فإن ساءت أحوالنا الاقتصادية أكثر، فإن ذلك سيكون أمراً خانقاً). ولما سُــئلتْ شيلسي عن الخطوة التالية، وهل ستكون ذات طابع سياسي، أم أن الأمور ستترك لرجال الاقتصاد ليجدوا الحلول بعيداً عن تدخل السياسة، قالت لا يمكن فصلُ السياسة عن الاقتصاد، فهما متلازمان؛ ومن أهم أسباب مشاكل المجتمع الأميركي شراكة بعض الشركات العملاقة مع الحكومة، مما يؤثر على سياسات الأخيرة لصالح الأولى؛ ويجب تغيير هذه السياسات، وسيكون هدفنا دائماً هو إيقاظ المواطنين الأميركيين ليهتموا بشئون بلدهم، وليدركوا أن لهم صوتاً يجب أن يُســمع، وقد بدأ ذلك يحدث بالفعل، وتتزايد أعدادُ المهتمين والمشاركين.

شيلسي إليوت - حركة إحتلوا وول ستريت
وقد اكتشفت شيلسي من تجربتها مع (إحتلوا وول ستريت)، على المستوى الشخصي، ضرورة أن تكون على وعي أكبر بالشأن الاقتصادي، فبدأت تتلقى دراسات في هذا المجال، لتكون على بينة مما يجري حولها. وهي متفائلة، بصفة عامة، وتقول: بالرغم من أن الكثيرين من الأميركيين يبدون وقد انقطع بهم الرجاء، فإن غيرهم تعاطف معنا وأبدى قدراً من الاهتمام بما نفعله؛ وعلى أي حال فإن هذا – في رأيها – وقت مدهش للحياة في بلد كالولايات المتحدة الأميركية، حيث الفرصة متاحة لإحداث تغيير، قبل أن يحلَّ الدمارُ بنا جميعاً، و(كلي أمل في أن يتمكن الناسُ من المشاركة في إعادة بناء الاقتصاد الأميركي).

أما الأسباني "أولمو غالفيز"، فكأنه جاء إلى الدنيا ليكون ثائراً، فقد أعطاه أبواه الطبيبان، منذ اللحظات الأولى له في الحياة، اسم الثائر الاشتراكي، بطل فيلم (1900)، الذي أخرجه برناردو برتولوتشي، وقام ببطولته (جيراردو بارديو). ولم يكن الشاب أولمو يعلم أن القدر يرتب له أن يسير في سكة سميِّه الثائر الأسباني الذي عاش في مفتتح القرن العشرين. وكان أولمو قد حصل على درجته الجامعية في إدارة الأعمال، ولم يجد فرصة عمل في وطنه، فغادره، محبطاً، إلى الصين، حيث عمل لمدة 3 سنوات؛ وعاد إلى إسبانيا بالعام 2010 ليجد الأحوال قد ازدادت سوءاً، ووجد نفسه يتعاطف مع حركة (شباب بلا مستقبل) في (تويتر). وقد بدأت مشاركته في حركة الاحتجاج، والاعتصامات التي تخللتها، في أبريل/نيسان 2011، ولم يكن يدور بخلده أن تتجاوز مشاركته محيط تويتر، لكن الشاب ذي الثلاثين عاماً، الخبير في تكنولوجيا المعلومات، وجد نفسه يشارك في تنظيم شبكات اجتماعية، انتهت إلى تنظيم أول مسيرة احتجاج، في مايو/آيار 2011.

خبير المعلومات أولمو - ثائر أسباني شاب
ويقول غالفيز، لقد كان ميدان التحرير مصدر إلهام لنا، وسرنا في مسار شبيه بما جرى فيه، فقد بدأنا بعدد 300 مشارك، تزايدوا إلى 3 آلاف، ثم إلى 70 ألفاً، في يوم واحد! كما أن التجربتين متشابهتان في خذلان وسائل الإعلام الرسمية لهما، فاعتمدنا نحن على وسائطنا الإعلامية الخاصة.

وينقل أولمو انطباعاته عن مسيرة مايو/آيار، فيقول إن الناس تخلوا عن سلبيتهم ولم يعودوا يكتفون بالجلوس أمام شاشات التليفزيون (حزب الكنبة)، وغادروا بيوتهم إلى الساحات، فقد أصبحت لهم الكلمة. ويعترف بأن الثوار الإسبان كانوا على صلة قوية بزعماء حركة (إحتلوا وول ستريت) الأميركية، قبل أن تبدأ؛ ويؤمن غالفيز بقول غاندي: لقد حققنا ما حققناه لأننا كنا نعرف أنه غير مستحيل!

وقد سالت في ميدان التحرير دماء كثيرة، وأصيب الآلاف من ثوار يناير/كانون الثاني 2011؛ ولا تزال أعداد الشهداء والمصابين محل جدل بين جهات عديدة، حتى هذه اللحظة، بل إن الجدل قد طال، حتى، تعريف (الشهيد). لكن المؤكد أنها لم تكن ثورة بيضاء، وقد لقي الثوار أنواعا من القمع اتسمت بالغلظة والقسوة الشديدتين، فكان الميدان ساحة معركة حقيقية؛ وإذا قورن عدد الشهداء من الثوار، ولو حتى في أقل تقدير له، بعدد ضحايا معارك حربية، وجدناه يفوق عدد ضحايا إسرائيل، مثلاً، في كثير من معاركها مع جيوش عربية.

وعلى أي حال، فإن عدد الشهداء يدور حول الأف شهيد، أما عدد المصابين، فعدة آلاف، من بينهم حالة مستغربة، لطبيب أسنان شاب (31 سنة)، هو أحمد حرارة، الذي خسر إحدى عينيه برصاصة مطاطية أطلقها عليه جنود قوات الأمن المصرية (وكان بينهم عنصر تخصص في توجيه طلقات سلاحه إلى أعين الثوار الشباب)، خلال الاشتباكات بالغة العنف التي شهدها الميدان، ومناطق أخرى في مصر، في يناير/كانون الثاني 2011. وعاد (حرارة) ليخسر عينه الأخرى، بالطريقة ذاتها، في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه. ويعيش الطبيب الشاب على أمل أن يجد مساعدة طبية تعيد إليه بعض بصره. وقد منعه الأطباء من معاودة النزول إلى (التحرير) نهائياً، لأن غازات إسالة الدموع الحديثة التي تستخدمها قوات القمع المصرية تؤثر على العصب البصري، ويجب الاحتفاظ به سليماً، لعل ذلك يساعد في إنجاح محاولات استعادة بصره.

ويتطلع حرارة، إن استعاد بصره، ولو حتى برؤية من نوعية (الأبيض/الأسود)، بلا ألوان، كما أخبره الأطباء، إلى الالتحاق بعمل مكتبي، فإن لم يعد له بصره، فسوف يتعلم طريقة (برايل)، ويبحث عن وظيفة مناسبة، فالثائر الشاب يرفض الركون لعطف المجتمع، ويصر على أن يعمل. وكان البنك الأهلي قد وفَّر له فرصة عمل بعد أن فقد العين الأولى، وقد اختلف الأمر بفقده الثانية.

ولم يكن حال حرارة يختلف عن أحوال مئات الآلاف من أمثاله من شباب مصر، يتشاكون فيما بينهم سوء الأحوال السياسية والاقتصادية في البلاد، مع عجزهم عن فعل أي شيء حيال ذلك. وما إن اندلعت أحداث يناير، وارتفع شعار (الشعب يريد إسقاط النظام) حتى انطلق حرارة إلى ميدان التحرير في اليوم التالي لبداية الثورة؛ وفي 28 يناير، أصيب بنحو 60 من شظايا مقذوفات قوات القمع، غرست في وجهه وعنقه ورئته، وتسبب بعضها في نزيف داخلي بالرئة، لم يلبث أن تعافى منه، لكن فقدان إحدى عينيه كان مؤكداً.

ناتاليا وأنطونيس - جمعت بينهما الثورة فصارا زوجين
وفي اليونان، التقت "ناتاليا كلوسا" – 41 سنة – بأنطونيس – 33 سنة – في اليوم الثاني بعد أن احتل الثوار ميدان سينتاجما، الساحة الرئيسية، المناظرة لميدان التحرير، في العاصمة اليونانية أثينا. ويشبه سينتاجما التحرير أيضاً في قربه من مبنى البرلمان! وقد انتهى لقاء ناتاليا وأنطونيس بزواجهما.

وكانت ناتاليا تعيش حالة من التناقض، فهي تعمل في بنك، وتعتقد أن البنوك هي أعدى أعداء الشعوب، فهي في مقدمة المتسببين في الأزمة الاقتصادية. وقد تمكنت ناتاليا من التأثير على بعض زملائها في البنك، فشاركوا في مظاهرات الاحتجاج في سينتاجما.

وكان الحبيبان قد التقيا في الميدان في 26 مايو/آيار 2011، وتبادلا الحديث، فاكتشفا أنهما متوافقان، وغادرا الميدان في ساعة متأخرة، ليستأنفا لقاءهما وأحاديثهما في مشرب. وعندما أصيب أنطونيس بالغاز المسيل للدموع، وكانت إصابته بالغة، استضافته ناتاليا في بيتها لتعتني به، فقد كان يعيش وحيداً، وكان بحاجة لمن يرعاه. ولم يلبثا أن تحابا.

تقول ناتاليا، إنها كانت تريد أن تفعل شيئا من أجل بلادها، ولم تكن تعرف إلى ذلك سبيلاً، حتى وجدته في مظاهرات واعتصامات سينتاجما، وداعبها الأمل في حدوث تغيير، بعد أن نجحت حركة الجماهير في سينتاجما. وتتذكر ناتاليا وهي متألمة مما حدث في الحفل الذي أقامه الثوار بالميدان يوم 28 يونيو/حزيران، وكان يحضره أناسٌ من غير الثوار، حضروا كمتفرجين، وهاجمت قوات الأمن الجميع بقنابل الغاز المسيلة للدموع؛ وكان بعض الحاضرين قد اصطحبوا أطفالهم، فكان المشهد غير إنساني بالمرة؛ وقد بلغت القسوة بعناصر القمع إلى درجة ضرب المسعفين بالغازات؛ وتقول: لقد أحسست بالخجل من أن ذلك يحدث في بلدي: اليونان. وتقول أيضاً، لقد تكفلت سنوات طويلة بزرع عدم الثقة في الآخرين بين اليونانيين، ولكن الحياة في سينتاجما بينت أن ذلك لم يكن إلا بتأثير من ثقافة عارضة، وأنه يمكن أن تثق بالناس، وأن تنتظر منهم أن يظاهروك، ما دمت أنت ظهيرا لهم.

خافيير سيسيليا - الشاعر المكسيكي الذي صاح - سئمنا
وكما بدأنا بالحديث عن شيخ ثائر، ننهيها بالحديث عن شيخ ثائر آخر، هو (خافيير سيسيليا)، وهو شاعر وكاتب مكسيكي معروف، عمره 55 سنة، إغتالت مافيا المخدرات، في مارس/آذار 2011، إبنه "خوان فرانسيسكو"، وكان عمره 24 سنة، فأضيف إلى قائمة ضحايا هذه المافيا، الذين بلغ عددهم 50 ألف قتيل؛ وتبين للجميع عجز الإدارة المكسيكية عن مواجهة هذه العصابات الدموية، فأسس الأبُ المكلومُ حركة (السلام والعدالة والكرامة)، ولها اسمٌ متداولٌ في الأوساط الشعبية، هو (سـئمنا)! ألا يذكرنا باسم حركة: كفاية؟!

وقد دعت (سئمنا) إلى وقف إراقة الدماء ووضع حد لأنشطة المافيا الإجرامية. وقد بدأت الحركة بمسيرات مكونة من مئات الأفراد، ونمت إلى مئات الآلاف، وبلغت ذروتها في قافلة تكونت في يونيو/حزيران 2011، شملت 12 مدينة مكسيكية.

وسيسيليا يساري التوجه، ويظهر ذلك في أشعاره، وله رواية عن (يوحنا المعمدان). وكان يشارك في مؤتمر فلسفي في الفلبين عندما وصله نبأ اغتيال ابنه وستة من أصدقائه، فعاد إلى المكسيك من فوره، وأطلق حركة "سئمنا"، ليقول للحكومة إننا نريد مؤسسات جديدة مختلفة، قادرة على مكافحة الفوضى والفساد وملاحقة الخارجين على القانون في الدولة. ووجه خافيير خطابا مفتوحا إلى ساسة بلاده، قال لهم فيه: لقد بلغ السيل الزبى! كان له صدى في كافة الأوساط، فاق كل توقعاته.

ومن أهم الأيام التي مرت بمؤسس حركة "سئمنا"، يوم خروج أول مسيرة في مايو/آيار 2011، بدأت بما يقرب من مائتي شخص، وما إن وصلت إلى ساحة زوكالو، الميدان الرئيس في مكسيكوسيتي، العاصمة، حتى كان العدد قد تجاوز المائة ألف إنسان. ولا يزال خافيير سيسيليا مندهشاً من أمر هذه الحركة وما حققته من نجاحات، فلم يكن في نيته أكثر من لفت الأنظار إلى خطورة النشاط الإجرامي المستشري في المجتمع المكسيكي، وتخاذل الأجهزة الحكومية حياله؛ وقد فوجيء برد الفعل العظيم على مستوى الوطن كله، مما خفف عنه ما ألمَّ به من آلامٍ من مصابه في فلذة كبده.

وقد عرفت حركة "سئمنا" سلوكيات شبيهة ببعض ما جرى مع الثورة المصرية، حيث حاولت حركة يسارية في مدينة مكسيكية حدودية هي (خواريز) اختطاف الحركة لصالح أجندتها السياسية، وعلى حساب مصالح أهل المدينة التي تشهد أعلى معدلات أعمال قتل واغتيالات في العالم؛ وكان في تلك المحاولة تهديد باستنزاف قوة الحركة، التي نجحت في تدارك هذا الظرف.

وبرغم التشابه الواضح في بعض الملامح بين حركة "سئمنا"، وحركات مهدت للثورة المصرية، مثل حركة "كفاية"، فإن سيسيليا ينفي تأثره بما سبق وواكب حركته في العالم من حركات احتجاج وثورات، خاصة في الشرق الأوسط، ويقول إن دافعه كان ذاتياً محضاً، متمثلا في آلامه الخاصة التي كانت تدمي قلبه، وهي التي دفعته لإطلاق صيحة (سئمنا)، وليست ثورات الربيع العربي!

ويصرح (الشاعر) سيسيليا بأنه ينتابه الحنين للبيت، الذي سيعود إليه، حتماً، في يوم من الأيام؛ غير أنه الآن موزَّعٌ – كعوليس في الإلياذة والأوديسة – بين مواجهة الوحوش الشريرة، والالتزامات الأخلاقية؛ ولم يعد البيت مجرد مكان يخصه هو وحده، فقد اكتسب مفهوما أوسع، فصار مجتمعا وأمة بكاملها، هي المكسيك، التي يأمل أن تعود ملكاً للمكسيكيين كافة، وليست حكرا على المجرمين.