ما يستحق الاهتمام بـ 'المبادرة العربية'!

بقلم: جواد البشيتي

هي "مبادرة (سياسية) عربية جديدة (ولو في بعض بنودها)" لحل "الأزمة السورية" حلاًّ "عربياً مؤيَّداً دولياً (هذه المرَّة، ويُعِبِّر مجلس الأمن الدولي عن هذا التأييد، ويُعْلِنه)".

وإنَّ أهمية هذه المبادرة (وأهميتها السياسية "العملية والواقعية") تكمن في كَوْن مُعدِّيها (وبعضهم، وليس كلهم، ظَهَر في اجتماع مجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري) كانوا يَعْلَمون عِلْم اليقين أنَّ "المخاطَب فيها"، وهو الرئيس السوري بشار الأسد، لن يقبلها، ولسوف يسارِع إلى رفضها؛ فإنَّ الحل النهائي (بل اللانهائي على ما أتوقَّع) للمشكلة "السياسية ـ الشخصية" للرئيس اليمني علي عبدالله صالح، والذي جاءت به "المبادرة الخليجية"، ليس بالحل الذي يُغْري الرئيس بشار بشرائه، على افتراض أنَّه يستطيع، لو أراد، شراءه.

"المبادرة" نجحت، ولم تفشل؛ لقد نجحت في "تحقيق بعضٍ من المُمْكِن تحقيقه"، ألا وهو إرضاء المعارَضة السورية التي ترى "التدويل"، عند مقارنتها له بـ "التعريب"، خيراً وأنجع؛ ولقد عقَّب رئيس مجلسها برهان غليون على "المبادرة" قائلاً: "إنَّ الدول العربية كافة قد أعلنت اليوم أنَّها تعتبر نظام حكم بشار قد انتهى، ولا بدَّ من تغييره".

ونجحت، أيضاً، في إغضاب الرئيس بشار إغضاباً يمكن (ويجب) أنْ يُتَرْجمه نظام حكمه (على ما يُتَوَقَّع، ونتوقَّع) بأفعال وأعمال من شأنها أنْ ترفع منسوب التأييد لـ "التدويل"، عربياً ودولياً؛ فـ "المبادرة" تقول للرئيس السوري إنْ أردت المفاضلة ففاضِل بين نهايتين لكَ: النهاية التي يأتي بها حتماً قبولكَ لها، أيْ لـ "المبادرة"، والتزامكَ تنفيذها، أو النهاية التي ستأتي، حتماً، من إنهائكَ "خيار الحل العربي"؛ فأنتَ (تُخْبِر "المبادرة" بشار) إنْ قَبِلْتَ مُتَّ، وإنْ رفَضْتَّ مُتَّ (ولكَ الخيار).

من قبل، أيْ قبل إعلان "المبادرة العربية الجديدة"، كان كل شيء يبدأ (أيْ يجب أنْ يبدأ) من التزام نظام حكم بشار عدم مقاومة الحراك الشعبي ضده بالحديد والنار، وبكل ما يمتُّ بصلة إلى هذا الأسلوب (أيْ أسلوب الحديد والنار) والذي هو أسلوب عيش لكل حاكم يحكم، ويستمر في الحكم، بمنأى عن إرادة شعبه، وضدَّها.

أمَّا الآن، وعلى ما توضحه لنا "المبادرة"، فإنَّ كل شيء يبدأ من الرئيس نفسه؛ فالرئيس بشار يُعْلِن التنازل عن صلاحيته وسلطاته (أو عن تلك الصلاحيات والسلطات التي يقتضي الأمر تنازله عنها) لنائبه، الذي ينبغي له، بعد حصوله عليها، أنْ يقود نظام الحكم السوري إلى نهايته، بدءاً بتأليف حكومة انتقالية، يتقاسمها "الموالون" و"المعارضون"، ويرأسها شخص يتِّفِق عليه الطرفان.

وعلى هذه الحكومة، المتأتية من ذاك "التنازل"، ومن جهودٍ ووساطةٍ يبذلها "المبعوث العربي (أيْ مبعوث الأمين العام لجامعة الدول العربية)"، أنْ تُعِدَّ لانتخاب "جمعية تأسيسية"، تتولَّى وَضْع دستور جديد للبلاد، وقانون جديد (ديمقراطي) للانتخابات البرلمانية والرئاسية، فيُقَرُّ الدستور الجديد في استفتاء شعبي، ثمَّ تُجرى هذه الانتخابات في إشراف عربي ودولي.

وعلى "الحكومة الانتقالية" أنْ تَجْعَل الصراع السياسي سلمياً، وأنْ تؤلِّف لجنة في مقدورها معرفة وتسمية أولئك الذي ارتكبوا "جرائم (سياسية)"، ومعاقبتهم، وإنصاف الضحايا؛ أمَّا مجلس الأمن الدولي فعليه الآن أنْ يُعْلِن تأييده لهذا "الحل العربي"؛ وفي موازاة هذا الجهد (السياسي العربي) يستمر "المراقبون العرب" المُحسَّنون (فنِّياً) في أداء عملهم.

صلاحية، أو سلطة، واحدة فحسب هي التي ما زالت جامعة الدول العربية تعترف بصلاحية حيازة الرئيس بشار لها، ألا وهي "صلاحية (أو سلطة) التنازل عن صلاحياته وسلطاته لنائبه"؛ وكأنَّ "الجامعة" تقول له في "مبادرتها": "إنَّكَ ما عُدْتَّ صالحاً لقيادة الحل، أو الإصلاح؛ وعليكَ أنْ تشتري مصيراً (شخصياً) لكَ يشبه مصير علي عبدالله صالح؛ وثَمَن حصولك على هذا المصير هو هذا التنازل".

نظام الحكم السوري سارع إلى إعلان رفضه (وإنْ ليس في صورة رسمية حتى الآن) لهذه "المبادرة"؛ وربَّما لن يُتَرْجِم هذا الرفض برفضٍ آخر هو رفض استمرار المراقبين العرب في عملهم. وربَّما يُعْلِن مجلس الأمن الدولي تأييده لهذا "الحل العربي".

لكنَّ أخشى ما أخشاه هو أنْ يستمر (ولو إلى حين) عمل المراقبين العرب في الطريقة نفسها، وأنْ نرى النتائج نفسها، وأنْ "يتعاون" نظام الحكم السوري مع "المبعوث العربي" بما يُكْسبه مزيداً من الوقت، وكأنَّ الغاية (الكامنة) هي تَرْك الصراع في سوريا يَبْلُغ مداه، مع ثبوت فشل وعجز "التعريب"، واستعصاء "التدويل".

أمَّا الأسئلة التي ما زال الواقع يُصعِّب إجابتها فهي: هل يَفْهَم نظام الحكم السوري "المبادرة العربية" على أنَّها إغراء له بالتضحية بـ "الرئيس"؟

هل تَكْتَسِب الثورة السورية مزيداً من القوَّة من طريق تنامي الانشقاق في الجيش السوري، وتَعاظُم أزمة الاقتصاد السوري؟

هل تتفاعل الأزمتان السورية والإيرانية بما يُحْدِث تغييراً جوهرياً في الصراع في داخل سوريا؟

جواد البشيتي