عن هوى المقاومة وتحوّلات مقاوماتنا المسلحة...

بقلم: ماجد كيالي

لم تعد "المقاومة" تلقى هوىً في نفوس معظم الناس، مثلما كانت في السابق، بل إنها باتت تبعث على طرح التساؤلات بشأن ماهيتها، وصدقيّتها، والتداعيات الناشئة عنها، واستهدافاتها الحقيقية.

في الماضي، وقبل عقود من الزمن، اقترن مصطلح المقاومة عند الفلسطينيين، وغيرهم في المنطقة العربية، بمصطلح "الثورة"، أي بالتحرير والحرية، وبالكرامة والعدالة. في حينها كانت المقاومة وجدت تمثّلاتها في التصارع مع إسرائيل، في حين وجدت الثورة تمثّلاتها في استنهاض الفلسطينيين، وفي تحريك الجماهير العربية للتمرّد على الواقع السائد، الذي يؤبّد وجود إسرائيل.

لكن تعقيدات الوضع العربي، وضمنه إعاقة قيام المجتمع والدولة فيه، بسبب هيمنة الأنظمة التسلّطية، جعل من المعركة ضد إسرائيل مجرّد ذريعة، أو مجرد مقولة لا معنى ولا تمثّلات ملموسة لها، إلا بما يخدم تكريس تلك الأنظمة.

هكذا شهدنا انكسار المقاومة من حيث المبنى والمعنى، ليس فقط بسبب الضربات الإسرائيلية القاصمة التي وجّهت إليها (في فلسطين ولبنان)، وإنما بسبب محاولات النظام العربي تدجينها وتجييرها وتوظيفها، أيضا، ما نتج عنه فكّ التماهي بين معنى المقاومة ومعنى الثورة، ثم بين معنى التحرير ومعنى الحرية.

بالمحصّلة فقد نجم عن كل ذلك أن المقاومة لم تعد هي ذاتها، هذا ينطبق على المقاومة الفلسطينية، مثلما ينطبق عليها في العراق ولبنان من أوجه متعدّدة.

وفي الواقع فإن المقاومات المسلّحة تبدو اليوم وكأنها تعمل خارج مشروعها الوطني المفترض. فبعد أن كانت تعقد الآمال عليها لخلق الاجماعات الوطنية، باتت عاملا من عوامل انكسار هذه الاجماعات، لاسيما بعد أن تمكّن عدوّها من استنزافها أو من تقييدها، إلى الدرجة التي صرفها عن الانشغال به.

هذا حصل مع الفلسطينيين مع تحوّل حركتهم الوطنية إلى نوع من سلطة تحت الاحتلال، ومع جماعات المقاومة في العراق التي باتت نوعا من ميليشيا سلطوية وطائفية، وهذا حصل في لبنان، إذ تحوّل حزب الله، لاسيما بعد الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من الجنوب، إلى نوع من حزب يحتكر السلطة، والطائفة، والسلاح، وقرار الحرب والسلام، كما التحالفات الخارجية، دوناً عن اللبنانيين، وعن اجماعاتهم وعن مؤسّساتهم الدولتية.

طبعا ليست المشكلة هنا مع المقاومة المسلحة بحدّ ذاتها، لاسيما إذا أحسنت إدارتها، واستثمارها سياسياً، وإنما هي تكمن تحديداً في عسكرة المقاومة، والتي تتمثّل في المبالغة بقدرة هذه المقاومة على مغالبة إسرائيل (مثلا)، وهو أمر لم يحصل حتى الآن. ذلك أن المقاومة المسلحة يمكن لها أن ترفع كلفة الاحتلال، وأن تتعبه وان تستنزفه، ولكن تحقيق الغلبة عليه يحتاج إلى موازين قوى ملائمة ومعادلات سياسية مناسبة، كما يحتاج إلى توافر معطيات عربية ودولية معينة.

أيضا فإن عسكرة المقاومة تتمثّل في حصرها بمجرد عمليات عسكرية وبجماعات من المقاومين المحترفين والمحدّدين، ما يعني إخراج المجتمع من دائرة الفعل، وتغييب كل أشكال المقاومة الشعبية، الأمر الذي يضعف المقاومة ومجتمعها، وهو وضع لطالما استثمرته إسرائيل جيداً.

وعدا عن تحويل المجتمعات إلى كتل سلبية في مواجهة الاحتلال فإن عسكرة المقاومة تؤدّي، أيضا، إلى انحرافها بتحوّلها إلى نوع من سلطة مهيمنة على مجتمعاتها، ما يصرفها عن الأغراض التي قامت من أجلها. هذا حصل في التجربة الفلسطينية كما في التجربتين العراقية واللبنانية.

لكن المفارقة الأكبر والأوجع ربما تكمن في أن العسكرة جعلت المقاومات السائدة أكثر شبهاً بالأنظمة السائدة منها إلى مجتمعاتها، فهي جعلت المقاومة المسلحة فوق النقد والمحاسبة، وجعلتها مصدرا للشرعية (وهذا حصل فلسطينيا ولبنانيا) وهو أمر يذكّرنا بما فعلته أنظمتنا، التي طالما سعت إلى تعظيم ترسانتها العسكرية ووحداتها الخاصّة وأجهزتها الأمنية، على حساب المجتمع، وحتى على حساب الصراع مع إسرائيل.

هذه مفارقة تستدعي التأمّل حقاً فكيف حدث أن تماهت المقاومة مع الأنظمة؟ وكيف بات ثمة نوع تطابق بين أنظمة الاستبداد وبين المناضلين المفترضين من اجل الحرية؟ ثمة جواب واحد على هذا وذاك: إنها السلطة، فالسلاح بات عند المقاومات بمثابة سلطة، وإن تغلّف بدعوى مقاومة العدوّ، بخاصّة في المجتمعات التي تعاني من التهميش والاغتراب والتفكّك، وغياب دولة المؤسّسات والقانون. في هذه الحال يغدو السلاح بذاته قانوناً ومصدراً للشرعية، بغضّ النظر عن مشروعيته الوطنية؛ فالمقاومة تشرعن ذاتها، أو تنتج شرعيتها!

هذا يفسّر تماهي المقاومات المسلّحة مع الأنظمة (على اختلافها) وحذرها من الثورات الشعبية، التي تحضّ على الحرية والتحرّر، كما يفسّر ذلك تمسّك بعض الفصائل، في فلسطين ولبنان، بالمقاومة المسلحة، من دون أن تكون لذلك أية صلة بقدرة هذه الفصائل على مقاومة العدوّ من الناحية الفعلية، بالسلاح أو بغيره.

في الحالة الفلسطينية، مثلاً، وبرغم أنه لم يعد ثمة وجود يذكر للمقاومة المسلّحة، من الداخل ومن الخارج، في الضفة كما في غزة، وبرغم كل الثغرات التي بيّنتها التجربة فإن البعض مازال يصرّ على تقديس المقاومة ووضعها فوق النقد والمساءلة. وفي الحالة اللبنانية فإن حزب الله كفّ عن القيام بعمليات مقاومة منذ انسحاب إسرائيل من الجنوب (2000)، إذا استثنينا عملية اسر الجنديين التي أدت إلى حرب لبنان (2006)، والتي أكد بعدها الأمين العام للحزب بأن حزبه ماكان قام بهذه العملية لو كان يقدر بأن نتائجها ستكون على شكل حرب مدمرة، مع ذلك فإن هذا الحزب ما زال يتحدث عن المقاومة المسلحة وعن شرعية السلاح، وعن اعتباره خارج النقاش اللبناني؛ ولو بثمن عملية في عشرة أعوام.

هذا يحدث، كما قدمنا، في لبنان وفلسطين بسبب كون السلاح مصدراً للسلطة ومصدراً للشرعية، ولو أن هذا السلاح يعمل من دون صلة بمشروعه الوطني، ومن خارج مشروعيته الوطنية، إن لم يكن على الضدّ منهما.

ماجد كيالي