الجيش السوري الحر وحتمية المواجهة مع إيران

بقلم: كاظم حامد الربيعي

بعد مرور أكثر من 10 أشهر على انتفاضة السوريين بإمكاننا القول أن للثورة ثلاث واجهات رئيسية يمكن من خلالها قراءة الأبعاد الواقعية لمستقبل الحراك الثوري السوري، وقبل هذا لا بد من الاعتراف بأن الثورة السورية لا تأخذ طابعاً تقليدياً كمثيلاتها في مصر وليبيا وتونس، بل إن الحالة السورية تصل الى مستوى الصراع المصيري والمعركة الفاصلة.

و دون الارتقاء الى هذه القراءة سيكون كل حديث حول الشأن السوري يدور في فلك آخر لا يتصل اطلاقاً بما يدور في الشرق الأوسط من صراعات وأزمات واضطرابات قائمة منذ عقود.

الواجهة الأولى: المعارضة الخارجية المتمثلة بالمجلس الوطني السوري، وهذه الجهة بقيت رهينة الحسابات الشخصية والمصالح الضيقة والرؤية القاصرة عن إدراك ما يجري على حقيقته دون إطلاق العنان في بحر الأماني والأحلام، لذلك كان من الطبيعي ان تنقم الثورة على المجلس ورئيسه برهان غليون بسبب سلبيته وعدم التحرك بشكل جدي نحو مطالب الثورة.

الواجهة الثانية: المتظاهرون وهنا لا بد من الإقرار بأن الشعب السوري لم ينتفض بأكمله ضد النظام فالأقليات (المسيحية والعلوية والدرزية) ما زالت منحازة إلى النظام بشكل أو بأخرى إما بذرائع واهية أو بوقاحة لا تُطاق، والشعب السني هو الذي قامت على أكتافه الثورة، لكنه وجد نفساً محصوراً بين بطش النظام وخذلان المعارضة الخارجية والمجتمع الدولي، ويُسجل لهذا الشعب حفاظه على هدوءه واتزانه الطائفي رغم بشاعة الحرب المذهبية التي يواجهها، حيث احتشدت كل الجيوش الشيعية من ايران ولبنان والعراق وسوريا لإخماد ثورته، ولعل عدم التصريح بحقيقة الحرب في سوريا من جانب الثوار السنة يناسب الظرف المعقد الذي تعيشه منطقتنا منذ عقود، فكل سني ينطق بشكايته ومظلوميته يُتهم بالطائفية والتطرف واشعال الفتن وإيقاد الحرائق والحروب الداخلية!

الواجهة الثالثة: الجيش السوري الحر ويتألف من العناصر السنية المنشقة عن القوات المسلحة وقوى الأمن والمخابرات، وغالبيتهم من عناصر الجيش برتب مختلفة، وهذه الجهة تُعد الأقرب في سلوكها وعملها إلى تصوير حقيقة الصراع الدائر في سوريا.

من المعلوم أن النظام العلوي في سوريا يعتمد (منذ السبعينات) على تشكيلات عسكرية وأمنية وأجهزة مخابراتية (من الطائفة العلوية) لإحكام قبضته على البلاد، وقد نجح الكيان العسكري –المخابراتي للنظام من فرض تسلطه وتوسيع نفوذه داخلياً وخارجياً.

وحينما قامت الثورة منتصف آذار 2011 لم يجد النظام سوى القمع العنيف كوسيلة لاستئصال جذوة الثورة في نفوس المتظاهرين، محاولاً تكرار تجارب حماة وحلب وإدلب السابقة لكن على نطاق أضيق في درعا وبانياس وحمص ودير الزور، غير أن النظام لم يكن موفقاً في سعيه في الاعتماد على التنكيل والتقتيل، ولم يكن في حسبانه أن يقع انشقاق وتمرد في صفوف المؤسسة العسكرية المعروفة بولائها الطائفي وبطشها بأبناء العرب السنة الناقمين على تسلط الأقلية العلوية على الحكم.

بإمكاننا القول بأن الثورة السورية كانت حدثاً استثنائياً قلب الموازين وغير الحسابات الاقليمية والدولية، فالانطلاقة في درعا كانت في ظروف غير تقليدية، وتفاعل المحافظات مع ثورة درعا كان مفاجئاً للجميع ، أما انشقاق العساكر السنية فكان التطور المفصلي في الثورة.

بداية الانشقاقات كانت في محافظة درعا، وكان أبرز المنشقين الملازم أحمد الخلف من الفرقة 15 (الذي قتل لاحقاً في معارك الرستن) والذي كشف عن وعي العسكريين السنة لحقيقة النظام وطبيعة حربه التي يقودها ضد الشعب وثورته، فقد قال إنه تلقى أوامر "بالقيام بعملية إبادة جماعية كاملة من قبل قائد الكتيبة بالقيام وبحضور قائد الفرقة".

ووصف الضابط المنشق بأن ما جرى في درعا في آذار الماضي بأنه "انتهاك كامل للمدينة... ولم تسلم منه المساجد التي، أُطلق النار صوبها وكتبت عبارات مشينة عليها مثل 'لا اله إلا بشار' و'لبيك بشار'.. لقد عاشت درعا أربع جُمعات بلا صلاة".

وأكد أحمد الخلف "أن العلويين يسيطرون على الجيش وفقا لخطة محكمة تجعل حركات الضباط تحت المجهر طوال الوقت وهو ما يمنع الضباط من التواصل وبالتالي القدرة على اتخاذ قرار بحجم الانشقاق، كما أن الكتائب والفصائل داخل الجيش مفصولة ومعزولة لمنع تواصل الضباط مع بعضهم البعض" وأضاف "هناك 17 فرعا أمنيا في سوريا، وهم لهم ممثلوهم في الجيش... فالاتصالات بين الضباط مراقبة، ولو حدث أي اجتماع بين أكثر من ثلاثة ضباط، خاصة لو من الطائفة السنية فإنهم يحولون للفرق الأمنية".

ويواصل أحمد الخلف حديثه عن طبيعة النظام الحاكم: "معظم القادة من العلويين، رؤساء الأفرع الأمنية كلهم من الطائفة العلوية، قائد الفرقة ونائب قائد الفرقة ورئيس أركان الفرقة كلهم من العلويين إلا اثنين من السنة، كذلك قادة الأفواج من الطائفة العلوية، وقادة الكتائب واحد من كل طائفة والباقي كلهم من العلويين. الطائفة العلوية تسيطر تماما على الجيش، وهم يعتبرون سقوط الرئيس سقوطا للطائفة العلوية، فهم يقاتلون في معركة حاسمة، الأسد أو لا أحد من بعده، إنها معركة أرض محروقة، بالأحرى إما بشار الأسد أو ما أحد غير".

وعن الدور الايراني في المعركة قال "إيران تنظر للحكم العلوي كأنه امتداد لها، هناك أجهزة إيرانية بالاستعانة بخبراء إيرانيين تدور في الشوارع في سوريا لكشف أجهزة الثريا للاتصالات وقد تم القبض على بعض منهم في بانياس، وأنا كعسكري أؤكد لك أن إيران دعمت سوريا بقنابل سامة، وقنابل مسيلة للدموع وقنابل متفجرة وعصي كهربائية حديثة للقمع"، هذا بعض ما جاء في حديث الملازم أحمد الخلف لصحيفة الشرق الأوسط المنشور بتاريخ (6 آب 2011) عدد (11939)، وللملازم أحمد الخلف شهرته ومكانته بين الضباط والعناصر المنشقة وله دور متميز في معارك الرستن في حمص (نهاية أيلول 2011)، وسميت باسمه احدى الكتائب التابعة للجيش الحر في محافظة درعا تكريماً لدوره.

تواصلت الانشقاقات حتى أعلن المقدم حسين هرموش (الفرقة 11) انشقاقه عن الجيش وتشكيل "لواء الضباط الأحرار" في حزيران 2011، ونفذ عدة عمليات في جبل الزاوية / إدلب ضد قوات النظام، حتى أعلنت السلطات السورية عن اعتقاله في ظروف غامضة، كُشف عنها لاحقاً وتبين أنه تم اختطافه من تركيا بمساعدة "عناصر علوية" في المخابرات التركية.

-في أواخر تموز 2011 أعلن العقيد المنشق رياض موسى الاسعد (القوة الجوية / فرقة 22) تشكيل "الجيش السوري الحر".

الجيش السوري الحر...عسكر سني بامتياز

لعل نقمة العسكريين السنة على النظام أكبر من غيرهم، فهم أكثر الناس تأثراً بسياسة النظام العلوي العنصرية في التعيينات والترقيات والصلاحيات، وكذلك هم الاكثر اطلاعاً على حقيقة التسلط والاستئثار والدكتاتورية المذهبية واقصاء واضطهاد السنة، وقد ولّدت هذه السياسة العنصرية قدراً كبيراً من الوعي السني المرفق بالحنق الشديد والمُلجم في نفس الوقت بالخوف من الاقدام على خطوة متهورة كالانقلاب والانشقاق في ظل سيطرة علوية محكمة على مفاصل القوة في سوريا.

وفرت الثورة الاجواء المناسبة للانشقاق لاسيما مع كثرة القتل وطائفية القيادات العسكرية، والشعور بأن النظام العلوي يستخدم المجندين السنة (وهم الاكثر عدداً) في قتل أهلهم وأبناء مذهبهم.

لذلك كان من الطبيعي أن يواكب المنشقون الحراك الثوري السلمي في خطابه المبتعد عن الطائفية، لكنهم كانوا مجبرين على على التعاطي واقعياً ومنطقياً على المستوى الميداني وهو أمر انسحب على نحو غير مخطط له وتبين أثره في الخطاب العام "للجيش السوري الحر".

ونقصد بالتعاطي الواقعي هو مواجهة الحقيقة القائمة التي يرفض الجميع الاقرار بها، وهي حتمية المواجهة بين السنة والأقلية الحاكمة وحلفائها لإعادة الأمور إلى نصابها والحقوق لأصحابها وإقامة الحكم العادل المستقيم، وسنقف عند مؤشرات ودلائل تؤكد على وعي القيادة العسكرية السنية لأبعاد المعركة الحقيقة بعيداً عن مثاليات المعارضة الخارجية

1-البُعد الديني والتاريخي في خطاب المنشقين

بالرغم من الاضطهاد الديني الذي يمارسه النظام العلوي بحق الشعب والقوات المسلحة بشكل خاص، فقد طغى الخطاب الإسلامي على بيانات ورسائل الجيش السوري الحر، فالكتائب التابعة للجيش حملت أسماء الصحابة وعبارات دينية (كتيبة خالد بن الوليد، وكتيبة الفاروق في حمص، وكتبة معاوية بن أبي سفيان في دمشق، وكتيبة أبو عبيد بن الجراح في ريف دمشق، وكتيبة العمري إحدى كتائب درعا، وكتيبة أسامة بن زيد في ريف إدلب، وكتيبة الله أكبر في البوكمال، كتيبة الصديق في دير الزور، كتيبة الأبابيل في حلب).

وسائر إصدارات الجيش الاعلامية تؤكد على حضور الخطاب الاسلامي كالاستشهاد بالآيات القرآنية والتأكيد على الثقة بنصر الله والاعتماد على قوة الله في تحقيق أهداف الثورة، وهذا الأمر ليس بالمستهجن وإنما يعكس تمسك الشعب السوري (عسكريين ومدنيين) بهويتهم وثقافتهم الاسلامية رغم عقود من الاستضعاف والاستهداف العقدي من قبل النظام

وعلى صعيد متصل فـ"الجيش الحر " يؤكد على ارتباط الثورة بالتاريخ الاسلامي لسوريا المتمثل بالدولة الأموية، وقد أطلق "الجيش الحر" اسم الصحابي معاوية بن أبي سفيان على كتيبته العاملة في دمشق، كما أعلن النقيب المظلي عمار الواوي تشكيل كتيبة باسم "الحجاج بن يوسف الثقفي". كما وجه العقيد رياض الاسعد يوم 11 / تشرين أول 2011 رسالة إلى أهالي دمشق وريفها افتتحها بقوله "يا أحفاد بني أمية الكرام أنتم خير خلف لخير سلف" ولا شك بأن لهذه التسميات دلالتها في صراع شرس مع القوى الشيعة المحتشدة خلف النظام العلوي، لأن الأمويين عند الشيعة هم العدو رقم (1) ، وحتى إن كان إطلاق هذه المسميات التاريخية عفوياً وغير مقصود من قبل الجيش الحر فإن الأطراف الشيعية لا يمكنها تفسير هذه الخطوة إلا بأنها "سلوك ناصبي"، أي معادٍ لآل البيت وأتباع مذهبهم!

2-الجيش الحر..مواجهة شاملة مع المحور الشيعي

لم يتردد الحلف الشيعي (ايران-العراق-لبنان) في دعم النظام السوري، وبات هذا الأمر مكشوفاً أمام الحراك الثوري، لكن العسكريين المنشقين اكثر اطلاعاً على حقيقة التعاون العسكري والأمني بين النظام وحلفائه الشيعة في الإقليم، ونتيجة لذلك وجد الجيش الحر نفسه في مواجهة شاملة مع الكتائب الشيعية (الجيش السوري ومليشيات الأمن، جيش المهدي العراقي، المليشيات اللبنانية من حزب الله وحركة أمل، حرس ايران الثوري والخبراء الإيرانيين).

لم يكن الجيش الحر يعلم أنه سيقدم على مواجهة شاملة، لكن صدمات الثورة ارعبت كل حلفاء النظام ودفعتهم لبذل أقصى ما يمكن من اجل إبقاء النظام والاجهاز على الثورة وتصويرها على أنها مؤامرة خارجية، فالجيش الحر (الجناح المسلح للثورة) في أعين الشيعة هو مليشيا سنية تهدد الوجود الشيعي في بلاد الشام وعلى هذا المعنى دارت تصريحات زعماء الطائفة نوري المالكي (رئيس حزب الدعوة الشيعي الحاكم في العراق) ومقتدى الصدر (زعيم جيش المهدي) ونبيه بري (رئيس حركة أمل) وحسن نصرالله (أمين عام حزب الله) وبيان جبر الزبيدي (وزير عراقي سابق)، ومكارم ناصر الشيرازي (مرجع ايراني) وجميع ساسة ايران (علي خامنئي ومحمود أحمدي نجاد وقادة الحرس الثوري ومراجع الدين).

جاء في بيان للنقيب المظلي عمار الواوي صادر بتاريخ (26/11): "لقد دخل الفُرس في غمار المعركة وجاءت فلول الخيانة من عراق الصدر ومليشيات الموت ومن حزب الشيطان في لبنان... نحن في اعلى درجات الجاهزية، قارعنا كتائب الأسد...وجعلناه ينهار ويتصدع وتركناه يستجدي العون والنجدة فقد تباكى واستعان بإيران والعراق ولبنان". وقد توعد الجيش الحر في عدة مناسبات المليشيات العراقية واللبنانية المساندة للنظام.

3-الجيش الحر...عسكر سني 100%

كان بإمكان العقيد الأسعد أن يدعي وجود عناصر من الاقليات الطائفية في صفوف قواته لكنه أكد في عدة لقاءات ومقابلات صحفية بأنه لا يوجد أي علوي في صفوف الجيش الحر، وحتى لا يُتهم بالطائفية قال إن "الشرفاء من الطائفة العلوية يساعدوننا من الداخل وهم يستعدون للانشقاق في اللحظة المناسبة"!.

يعلم الجيش الحر بأنه في مأزق لا يُحسد عليه لأن الضباط العلويين لم ينضموا للثورة وهم قادرون على إحداث انقلاب أو تحول كبير في مسار الثورة، ولذلك حذّر العقيد رياض الأسعد جميع الذين يقفون الى جانب النظام ومن أسماهم بالخانعين الجبناء مطالباً إياهم بإعلان موقفهم صراحة "لأننا سنعتبرهم أهدافاً مشروعة" وذلك في كلمة له في جمعة "الجيش الحر يحميني" 25/11/2011.

ولا ينسى الجيش الحر جرائم الجيش وقياداته العلوية في القرن الماضي حيث وجه نداءً بتاريخ (9/12/2011) الى العسكريين الموالين للنظام جاء فيه "...التاريخ يعيد نفسه، جرائم الماضي مكتوبة على أوسمة العم (ويقصد به رفعت الاسد) وجرائم الحاضر مكتوبة على جباهكم... مقاومتكم المزعومة خبرناها حيث ازدادت النجوم على أكتافكم كامتياز لقتلكم للشعب اللبناني الأبي وبقصف للمخيمات الفلسطينية وبمحاولاتكم مهاجمة الاردنيين وبتفجيركم للعراقيين الآمنين والآن مدافعكم تقصف أبناء شعبنا".

4-الجيش الحر: الثورة مواجهة حاسمة وليست مغامرة متهورة

ربما يعتقد بعض المعارضين في الخارج أن ما قام به الشعب مغامرة متهورة غير محوسبة العواقب، ولذلك لا يوجد أداء سياسي يواكب الثورة أو يرقى لأدنى مستوياتها، فالمجلس الوطني يراهن على بقاء التظاهرات السلمية لكنه لا يسعى من أجل حمايتها، فكان من الطبيعي ان يصطدم بالجيش الحر وبمطالب الثوار.

لقد أكد الجيش الحر أن النظام السوري لن يسقط إلا بالقوة وليس بالتظاهرات، ولذلك طالب بحظر جوي وبحري، كما طالب بقصف الاهداف الاستراتيجية للنظام، وهذا يعني أن التغيير المنشود في سوريا لا بد أن يكون جذرياً لا شكلياً سطحياً لا علاقة له بحوهر المشكلة وحقيقة الأزمة المستفحلة منذ انقلاب آذار/ 1963.

5-تشكيل "المجلس العسكري المؤقت"

بتاريخ 24/تشرين الثاني 2011 أعن الجيش السوري الحر تشكيل "المجلس العسكري المؤقت" برئاسة العقيد الأسعد وعضوية 8 ضباط آخرين، وحدد البيان التأسيسي مهام المجلس ومنها:

-يتم تشكيل محكمة عسكرية للثورة تختص بمحاسبة أفراد النظام ممن يثبت تورطهم بأعمال القتل والإعتداء على المواطنين السوريين أو تخريب الممتلكات العامة أو الخاصة التي يقرر قائد الجيش إحالتها إليها وتطبق هذه المحكمة النصوص المتعلقة بمحاكم الميدان العسكرية.

- يتم تشكيل فرع للشرطة العسكرية يقوم بأعمال الشرطة العسكرية من ملاحقة فلول النظام والتحقيق في الجرائم المرتكبة من قبلهم قبل عرضها على محكمة الثورة وتنفيذ القرارات الصادرة عن محكمة الثورة والقرارات ذات الصلة الصادرة من المجلس

-حلّ جميع الأجهزة الأمنية في السلطة البائدة في سورية وعلى جميع عناصر هذه الأجهزة ممن لم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين الإلتحاق فوراً بالجيش السوري الحر.

لعل هذه القرارات توضح سياسة "الجيش الحر" لسوريا ما بعد الحكم العلوي، وهي سياسة طبيعية منطقية كونها تعالج آثار الماضي الذي دمّر البلاد وأحالها إلى ركام لا ينتفع منه سوى إيران وحلفائها، فالنقاط الثلاث المتقدمة تعني اجتثاث كل ما له علاقة بهيمنة العلويين وحلفائهم الشيعة، وستلقى هذه السياسة معارضة من قبل الطوائف المتضررة لكنها ستكون حجر الأساس في بناء سوريا الجديدة.

صعود السنة بعد عقود من الانكسار

ليست المواجهة في سوريا تقليدية، هذا ما يؤكده الجيش الحر وهذا ما يُقر به كل عاقل يأبى الهرب من الواقع، فهي مواجهة مع إيران وكل ما له صلة بمخططاتها الدينية والسياسية، ولو لم تكن كذلك لم تكن الصورة دامية الى هذا الحد، قد يعتقد السني البسيط أنه خرج من اجل الحرية والعدالة، لكن عدوه لا يراه سواه كائن متطرف يسعى لإشعال حرب أهلية، فهتافات الجماهير ب "السلمية" كانت تصل إلى مسمع النظام "سنية"، والحرية في قاموس النظام تعني التشدد والارهاب والإمارة الأفغانية، أما الديمقراطية والتعددية فتعني القضاء على تسلط الاقليات واضطهادها من قبل السنة!

إن عاشته سوريا (بعد ثورة 15 آذار) مرّ من قبل على ايران ولبنان والعراق، فمدينة حمص عام 2011 هي قريبة في ملامحها لمدينة بغداد عام 2006، ولا تزال المواجهة قائمة على كافة الجبهات، ففي العراق دكتاتورية المالكي في تصاعد والضربات على القيادات السنة متوالية، أما الحوثيون في جبال صعدة اليمينية فيشنون حربهم الدينية على المعاهد الاسلامية العلمية في دمّاج، وإيران ترسل بتهديداتها المتواصلة لدول الخليج والعرب ، لكن البقعة الاكثر اشتعالاً اليوم هي سوريا، وستكون بداية النهاية للهيمنة الايرانية.

لقد بدأ الايرانيون عدوانهم في أيلول 1980 وتصدى لهم النظام العراقي السابق، ثم أرادوا النيل من العراق (بوابة العرب) ثانية في آذار 1991 حينما حركوا الشيعة في جنوب العراق ورفعوا شعار "نريد قائداً جعفرياً" لكن قمع النظام كان شرساً، و استمر الحال على ما هو عليه حتى سقط النظام في نيسان 2003 فتحقق الحلم الشيعي بحكم العراق.

لم تنجح المقاومة السنية في مواجهة الاحتلالين (الأميركي والإيراني) وكثفت عملياتها ضد الأميركيين بينما كان الشيعة يوطدون حكمهم في بغداد ويبنون جيشاً وأجهزة امنية لقمع السنة والقضاء على المقاومة الجهادية.

-مع تولي حكومة إبراهيم الجعفري الشيعية قيادة البلاد بدأت مرحلة الاجتثاث والتطهير الديني عبر فرق الموت التابعة لوزارة الداخلية.

-خلال الفترة شباط 2006-ولغاية نيسان 2008، بدأ العمل في مرحلة استئصال الوجود السني من العاصمة بغداد بعد تفجير مرقد الشيعة في سامراء.

-نجحت إيران في توجيه تنظيم القاعدة نحو المدن السنية لإضعافها عبر التفجيرات وإعلان "دولة العراق الاسلامية " وتصفية الكفاءات والضباط والأكاديميين والقضاء على المقاومة العراقية، لمزيد من تضييق الخناق على السنة ولتبرير القمع الحكومي الشيعي بحجة ملاحقة الارهاب وفلول القاعدة.

-تحوّلُ السُنةِ في العراق إلى أقلية مستضعفة منزوعة القوى مسلوبة الدعم الخارجي، في ظل نظام دكتاتوري يقوده رئيس الوزراء نوري المالكي (زعيم حزب الدعوة) محاكياً النماذج الشيعية المنتشرة في المنطقة (نظام ولاية الفقيه، النظام العلوي السوري، حكومة حزب الله في لبنان)، لتصبح معظم المنطقة العربية في القبضة الايرانية (العراق ولبنان وسوريا) أو تحت مرمى نيرانها (الخليج العربي والسعودية واليمن).

بعد التحرير.. إذا أردت السلام فاستعد للحرب

لن ينتهى الصراع في سوريا بمجرد سقوط النظام السوري، فإيران لن تترك ما تبقى من حلفائها (العراق ولبنان) وستعتقد أن بإمكانها تعويض ما خسرته في سوريا، لذا من المرجح أن تستمر المواجهة بشكل أو بآخر لأن كلا الطرفين (الشعب السوري، والحلف الشيعي) غير مستعد للتضحية بمكاسبه والتنازل، فالشعب عانى من اضطهاد أربعة عقود ودفع دماء كثيرة كضريبة للتحرر، وإيران كادت أن تجهز على القوة السنية في المنطقة بعد 3 عقود من العمل لولا ستر الله ثم الثورة السورية التي أذهلت الجميع وأرعبتهم في نفس الوقت.

سيكون أمام حكام سوريا الجدد خيار واحد لا بديل عنه وهو اتخاذ إيران وحلفائها عدواً ليس بحثاً عن المشاكل وجرياً وراء الأزمات وإنما حماية لمكاسب الثورة ومصالح البلاد، فمستقبل سوريا سيبقى في خطر إن لم يُصبح الخطر الإيراني هو الهاجس الأكبر والتحدي الأول لحكام سوريا الجدد، فسوريا ما بعد الثورة ستصبح بحكم المجاورة لإيران (العراق الشيعي) وستكون البوابة الشرقية الجديدة شاء الثوار أم أبوا لأن الواقع يفرض نفسه والعاقل يتعاطى مع الأحداث على نحو إيجابي واقعي بعيداً عن التفكير العاطفي الكلاسيكي.

ليس من الحكمة بناء السياسات والمخططات على العواطف والمخاوف المفتعلة والتي يزرعها العدو كالخشية من النزاع الداخلي والتقسيم الطائفي والفوضى، فمفاتيح السلام والاستقرار والأمن بأيدينا إن امتكلنا خطة واقعية صالحة للعمل، أما الجمود والانغلاق والسلبية تحت واجهات مشبوهة كالحفاظ على الوحدة الوطنية وحقوق الاقليات ونبذ الطائفية فليست إلا ثورة مضادة يقوم بها من يُحسب على الثورة في غفلة عن أعين الثوار.

كاظم حامد الربيعي