ازمة كيان ونظام... في سوريا!

بقلم: خيرالله خيرالله

لا يمكن في اي شكل تغطية الازمة العميقة التي تمر بها سوريا، وهي ازمة نظام وكيان في الوقت ذاته. لا يمكن فعل ذلك عن طريق تصريحات من نوع تلك التي ادلى بها اخيرا الرئيس بشّار الاسد الى محطة اميركية. كشفت تلك التصريحات ان الرئيس السوري يعيش في عالم آخر لا علاقة له من قريب أو بعيد بما يدور على الارض.

لكن هذه التصريحات كشفت ايضا الحاجة الى ان تعود سوريا يوما ما دولة طبيعية، دولة قادرة على الاعتراف بمشاكلها الحقيقية وتعمل على حلّها بدل الهرب المستمرّ منها. من هذا المنطلق، يمكن القول ان الكلام الصادرعن الدكتور برهان غليون، الوجه الابرز في المعارضة السورية، عن مستقبل علاقة بلده بايران كلام صحّي. هناك للمرّة الاولى سياسي سوري يتحدّث عن الواقع ويرى ان ما يسميه بعض الجهلة "اوراقا" في يد سوريا ليست في طبيعة الحال سوى اثقال يتحمّلها البلد وينوء تحت عبئها كل مواطن سوري...

تشكّل طبيعة العلاقة بين دمشق وطهران، بشكلها الحالي، تعبيرا صارخا عن عمق الازمة التي يمرّ بها الكيان السوري منذ الاستقلال. اكثر من ذلك، تعطي هذه العلاقة غير الطبيعية فكرة عن المرحلة الخطيرة التي بلغتها الازمة السورية التي تحوّلت في السنوات الثماني والاربعين الاخيرة، اي منذ تولّي البعث السلطة، الى ازمة كيان وازمة نظام في أن.

منْ يتابع تطور سوريا منذ الاستقلال يكتشف ان ازمة الكيان السوري اختلطت في مرحلة معيّنة بازمة النظام لتنتهي بتحويل سوريا كلها مجرّد تابع لايران. صار على النظام في سوريا الاستعانة بميليشيا ايرانية موجودة في لبنان، بفضله اوّلا، لسدّ الفراغ الامني الذي خلّفه الانسحاب العسكري من البلد الجار في نيسان- ابريل 2005 نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. وفي السنة 2011، لم يعد امام النظام السوري من خيار غير الاستعانة بسلاح "حزب الله" الايراني كي يسقط حكومة الرئيس سعد الحريري ويفرض حكومة بديلة من صنع "حزب الله" ولا احد آخر غير الحزب...

هناك الآن في سوريا من يفكّر بطريقة مختلفة. يفكّر في كيفية استعادة السوريين خصوصا والعرب عموما لسوريا وتخليصها من عقدة الدور الاقليمي. هذا الدور ليس في واقع الحال اكثر من وهم جلب على السوريين الويلات وجعلهم يضيعون بلدهم الذي يمتلك ما يكفي من الثروات الكفيلة بتحويله الى دولة متقدمة على كل صعيد. تكفي ثروة اسمها ثروة الانسان السوري الذي استطاع ان يبني في لبنان ويساهم في ازدهار الوطن الصغير على الرغم من كل ما تعرّض له لبنان في السنوات الاربعين الماضية من ظلم ذوي القربى اوّلا. في الامكان ايضا الحديث عن مئات السوريين الناجحين في دول الخليج العربية وفي اوروبا والولايات المتحدة وكندا ودول اميركا اللاتينية. لماذا لم يوجد بين هؤلاء منْ يستثمر في سوريا، باستثناء قلّة تحالفت مع النظام ودخلت في شراكة مع اركانه لتوفير الحماية ليس الاّ!

كلام برهان غليون عن مستقبل العلاقة بايران و"حزب الله" و"حماس" اكثر من صحّي. انه كلام سليم يصب في مصلحة الشعب السوري اوّلا وفي العودة الى الاهتمام بالشأن السوري من زاوية اخرى تختلف كليا عن نظرة النظام الى سوريا والسوريين.

لا يستطيع اي عربي عاقل تجاهل ان ايران دولة كبيرة في المنطقة. ولكن ليس في استطاعة اي عاقل أكان عربيا او غير عربي الا التساؤل ما الذي لدى النظام الايراني يقدّمه لدول المنطقة غير تصدير الغرائز المذهبية والعمل على اثارتها. ولا يستطيع اي عاقل تجاهل ان عناصر "حزب الله" لبنانية ولكن لا يستطيع اي عاقل ايضا تجاهل ان كلّ ما فعله "حزب الله" حتى الآن هو تعميق الشرخ بين الطوائف والمذاهب في لبنان بغية تمكين المحور الايراني- السوري من استخدام الوطن الصغير "ساحة" لا اكثر!

كلّ المطلوب ان تكون هناك علاقة طبيعية بين اي دولة من دول المنطقة من جهة وايران من جهة اخرى. ايران موجودة في المنطقة شئنا ام ابينا وهي تمثل حضارة كبيرة ذات جذور راسخة. هذا واقع. لكن الواقع شيء وتحول هذه الدولة او تلك تابعة لايران شيء آخر.

مرّت سوريا منذ الاستقلال بمراحل كثيرة. شهدت في العام 1949 اول انقلاب عسكري في المنطقة بعد حصول دولها على الاستقلال. وشهدت اوّل وحدة بين دولتين عربيتين في العام 1958. كانت الوحدة المصرية- السورية تجربة فاشلة نظرا الى انها لم تقم على اسس علمية بمقدار ما انها كانت تعبيرا عن هرب سوري من ازمة داخلية راحت تتفاقم بسبب العجز عن اقامة مؤسسات ديموقراطية قابلة للحياة.

حصل الانفصال في العام 1961، لكن عملية الهروب الى امام استمرّت. جاء البعث في العام 1963 . كان مدنيا في البداية وما لبث ان تحوّل عسكريا. كان مجيء البعث تغطية لانقلاب عسكري قادته مجموعة من الضباط اشتهروا بالمزايدة على بعضهم بعضا، فكان التوريط السوري لجمال عبدالناصر في حرب العام 1967. تلك الحرب التي لا تزال نتائجها تتفاعل حتى الآن.

لا حاجة الى ذكر ان النظام العسكري تحول تدريجا الى نظام طائفي ثم الى نظام طائفي تتحكّم به عائلة واحدة ابتداء من العام 1970 وصولا الى نظام لا مكان فيه سوى للعائلة ابتداء من العام 2000. كلّ ما في الامر ان افضل ما فعلته المعارضة السورية يتمثّل في الاهتمام بسوريا كسوريا وفي اعادتها الى كنف العروبة الحضارية بعيدا عن الارتباط بايران وغير ايران.

ما تبدو سوريا في حاجة اليه مستقبلا هو فترة نقاهة تفسح المجال امام التفكير في كيفية اخراج البلد من الوصاية الايرانية. هذه الوصاية منعت عمليا النظام من التفكير باكرا في كيفية الخروج من ازمته عن طريق اصلاحات جذرية كان مفترضا ان يباشر بها لرئيس بشّار الاسد في السنة 2000 وليس في السنة 2011، اي عندما كان لا يزال قادرا على اخذ مبادرات بدل القراءة من كتاب قديم عفى عنه الزمن. كتاب يقول ان ان الغاء الآخر هو الحل وان في الامكان استعباد الشعب السوري الى ما لا نهاية ما دامت ايران تقف مع النظام في دمشق. لم يستفد هذا النظام حتى من خروجه العسكري من لبنان. بقي اسير وهم الدور الاقليمي الذي لم يفارق الكيان السوري منذ الاستقلال!

خيرالله خيرالله