شوكت الربيعي لا يزال يبحث في المجهول!

بقلم: زيد الحلي
الألوان تسيل على ضفاف القصب والماء

محبتي الكبيرة للفنان والأديب المبدع شوكت الربيعي، توسعت وازداد ألقها وانا أطالع كتاباً عنه في 555 صفحة من القطع الكبير بعنوان "شوكت الربيعي .. فضاء ابداعي متوهّج" ضم شهادات ودراسات لنخبة من الفنانين والادباء والنقاد وأساتذة الجامعة، أضاءت مسيرة وجهادية الرجل "الميساني" في الحياة حتى رسّخ اسمه في تاريخ وثقافة العراق والوطن العربي وأصبح احد أبرز الفنانين التشكيليين، والأسم الأكثر اثارة في تدوين ثقافة فن التشكيل في عالمنا العربي ومن أعمدة هذا الفن الراقي وواحد من الثقاة المعتمدين في الجامعات الاجنبية والعربية.

الكتاب الذي تشرفتُ بالكتابة فيه الى جانب 70 كاتباً من الذين عرفوا وعايشوا الربيعي أصدرته "موسسة المثقف العربي" في سدني بأستراليا بإشراف رئيس المؤسسة الباحث ماجد الغرباوي، احتوى على ملف ملون ضم 30 لوحة للفنان شوكت الربيعي وهي من الأعمال المهمة التي تؤشر ملامح التطور الذي رافق مسيرة الربيعي.

والربيعي ابن مدينة "العمارة" الميسانية ولد فيها سنة 1940 وفي عام 1963 انهى دراسته الفنية، ويحسب له انه أقام اول معرض تشكيلي في اهوار العراق وتحديدا في اهوار "الهدام"، ويحسب له مبادرته في تأسيس جماعة (الجنوب) التشكيلية في مدينة العمارة. وله مبادرات عديدة في أرشفة ومتابعة الفن التشكيلي العراقي، وأصبح بذلك وتداً رئيساً في خيمة الفن في العراق لا يمكن تجاهلها بل لا يمكن لباحث دون ان يستظل بها ويقف عندها مستفيداً من كنوزها.

شاهدتُ العديد من لوحات الصديق الربيعي في معارضه التي أقامها ببغداد، فلاحظت ان فعل التناقض ابرز صفاتها، بمعنى انك تجد في اللوحة العذوبة الى جانب الخشونة، والتطمين يلازم الصدمة، والرمز لا ينفصل عن الواقعية، والوهم يتداخل مع الحقيقة، والوضوح وجه آخر من عالم الغموض والغموض يلبس جسد الوضوح والمعقول كأنه الاّمعقول. وتلك هي اهم صفات الربيعي في مسيرته التشكيلية، وهي صفات تؤكد منهجية اصبحت لازمة لهذ الفنان في معظم ـ ان لم اقل في كل ـ اعماله. وهو الى جانب ذلك، أمتلك ريشة جزلى وافكار للوحات، أثارت وتثير أسئلة عديدة في عمق دلالاتها ومعانيها، واستهواه تاريخ الفن التشكيلي في العراق والوطن العربي، فرفد المكتبة 15 كتاباً مهماً، لعل أبرزها "مقدمة في تاريخ الفن العراقي" وكتاب "الفن التشكيلي في العراق" و"لوحات وأفكار" و"رسامون كتاب" و"طائر الشوف الاصفر" وغيرها.

وله الريادة في تأصيل تجارب العديد من أعلام فن التشكيل والنحت العراقي، حيث زين واجهات المكتبات بكتب راقية وعلمية تحدثت عن (فائق حسن ويحيى جواد ونزار سليم و د. قتيبة الشيخ نوري ومحمد غني حكمت وغيرهم) ولولا مبادرته تلك لضاعت تجارب الفنانين المذكورين في أتون اللامبالاة التي تستشري في رواق الابداع العراقي، فالكثير من المبدعين طواهم النسيان بسبب عدم وجود دراسات عنهم. والصديق الربيعي يؤمن تماما بان الله جلا وعلا يهب كل طائر رزقه، لكنه مؤمن أكثر بان هذا الرزق لا يلقى الى الطائر في عشه، لذلك كان الأجتهاد اهم سمات الربيعي في الحياة، وأنجز كل ابداعاته في السعي والمثابرة والقراءة والمتابعة.

ولعلي على يقين بان الربيعي من خلال متابعتي لأعماله وكتاباته ومن احاديثه لم يرسم ويكتب عن الماضي فقط كما يتوهم البعض، بل ان الحاضر والمستقبل هما محط اهتمامه ايضاً، لقناعته بأنه ليس ثمة ماض خال من الإضافة الى المستقبل، وليس ثمة حاضر إلاّ وهو السيرورة الى الماضي.

الفن والحياة

وجاء في مقدمة الكتاب التي كتبها الزميل الباحث ماجد الغرباوي رئيس مؤسسة المثقف العربي "الفن ظاهرة لازمت حياة الانسان، منذ وطئت قدماه الارض، والرسم كان أحد ادواته في التعبير عن حاجاته ومشاعره وتصوراته، فتجلت عبر رسومات انسان الكهوف طبيعة حياتهم والمخاطر التي تهددهم، كما جسدت تلك الرسومات عاداتهم وتقاليدهم، وظل الفن رفيق الانسان يؤثر فيه ويتأثر فيه. يطور أحدهما الآخر، حتى رسى الاجتماع البشري على ثروة فنية هائلة، وتراثاً يؤرخ لمسيرة الانسان عبر مراحل حياته المختلفة".

واشار الغرباوي الى ان الكتاب جاء متكاملا، شاملا، حيث أستوعبت القراءات النقدية فيه جوانب مهمة من منجز الربيعي الفني وسلطت الضوء على لوحاته ورسوماته بحرية نقدية كاملة وعكست الشهادات التي ضمها الكتاب مسيرة الربيعي انطلاقا من بيئته الاولى، فسجل كتّاب تلك الشهادات حكايات كشفت عن نبؤة مبكرة وتميزا حقيقيا انفرد به عن اقرانه ومجايليه، رغم حياته القاسية ورغم ما كانت تعتري البيئة الاجتماعية من عادات وتقاليد وما كان يعانيه من شظف العيش وانعدام الخدمات. وبرغم وجود اسماء كبيرة أسهمت في اثراء كتاب "شوكت الربيعي ... فضاء ابداعي متوهّج" إلاّ انني وجدت في الصفحات الـ 11 التي كتبها زميل مسيرة الربيعي الفنان الدكتور ماهود احمد، ركيزة مهمة في رصد شوكت الربيعي فنانا وانسانا وكاتبا، حيث اتاح لغير عارفي الفنان شوكت ان يعرفوا الكثير من ملامحه، ولعل في خاتمة تلك الدراسة ما يغني عن السرد، حين كتب ماهود احمد بحق الربيعي: "كانت كل تفاصيل ذاكرته تتجمع في الدلالة الانسانية كلما شرع بنقل الافكار التي تحاصره على قماشة اللوحة، وبالصيغة التي تكشف عن (لحظة التطهر) من الاحزان والعذابات المتواصلة، في لحظة واحدة أشبه بلحظة يقسم فيه العشاق بالحب .. أيغني لذلك الوجع؟ لا فرق عنده بين اللحن والشعر واللوحة. انها تشكل قيمة عليا. انها قسم العشاق في لحظة الفيض بحب الوطن والحياة .. من بعد اي نوع من الازمات التي ستجتاح أمته، تتنفس رئتاه الفكرية هواء المعرفة؟ من اين له بمصفاة التخيل حينما تتلوث كل الاجزاء، لتتشوه لباب الاشياء الحبيبة؟ ويظل صامتا امام اللوحة البيضاء، كالطفل قبل ان يتعلم ابجدية ذاكرته، وهو ينشد تلك اللمسة من فرشاة الوحشة، أيمسك بها كلما اعتصرته مشقة الجفاف، وغيبته لحظات التجلي وهي تنضجه خبزا لأفواه الجياع من امثاله، فأي طفل شحوب هو يسير في أثلام الستينيات الاخيرة، منكسرا باتجاه بوابة (اعتلال السبعين) من عمره، هو النائح بل أنين، الجرس الذي لا يقرع .. السلام عليك يا صديقي يوم ولدت ويوم تبدع فنا وادبا وحبا، تنشره بين ربى وحقول الوطن ... العراق"".

وحسنا فعلت مؤسسة المثقف في جعل سطور ماهود احمد مفتتحاً لأستذكارات اصدقاء الربيعي.

ويلفت الدكتور مصدق الحبيب النظر الى غزارة مشاركات الربيعي في خارج العراق مشيرا الى ان مشاركات الفنان الكبير غطت مساحات جغرافية مترامية الاطراف ووصلت الى شعوب وامم بعيدة، فقد سافرت معارضه وانتشرت نشاطاته من الشرق الافصى في اليابان والصين واندونيسيا والفلبين والهند الى الغرب الاميركي، مرورا بأوروبا الشرقية والغربية، كما رافقت لوحاته محاضرات وندوات عن الفن العراقي.

أما الشاعرة والقاصة مي المظفر فأشارت الى ان تجربة شوكت الربيعي مرت بمراحل متعددة لتوصله الى شواطئه الاخيرة ذات النظرة الموضوعية والنبرة الهادئة والافق المتسع، وهي نظرة تستمد حيويتها من التمازج المتناغم بين التجربة الحية المباشرة وتلك المكتسبة من المعرفة بعد ان نضجت كلا التجربتين على نار السنوات وتخلصت من الاندفاع بقدر ما تخلصت من النظر الى الحياة والفن معا من زاوية محددة كانت تخضع معايير الجمال والانسانية الى مقياس واحد.

وفي رؤية استقرائية لفن الربيعي كتب الشاعر والناقد عبد الستار نور علي من السويد عن حس التفاؤل عند الفنان، فقال ان حس التفاؤل في روح الربيعي لم يبتعد عن مسار ابداعه انعكاسا فنيا في لوحاته، حتى في رسمه وتعبيره التصويري عن الحرب، فنجد الالوان الفاتحة المضيئة الى جانب المعتمة اشارة الى تفاؤله بأن السلام حلم ازلي في النفس البشرية وأمل لا ينمحي.

فيما يشير الشاعر والكاتب عبدالرزاق الربيعي الى رعاية الفنان الربيعي الى افكاره بطريقة الحلم وهو يرسم كما يكتب. لهذا كانت روحه تتملك الالوان ومفردات اللغة محولة اياها الى فسيفساء من كلمات ونوازع التشكيلي وتوهجات الشاعر، بل يحولها من تاريخ خاص الى موقف انساني تمر به المجموعة البشرية، حالة من وصف قيمة التاريخ والانسان المبدع الفاعل في تفاصيل الحياة بمزيد من الترميز والدلالة إذ هو تاريخ خارج ذاته. لذلك نؤثر ان نلازمه بأفكارنا لأننا نرافق (قيمة فنية) شقت طريقها في الفضاء والعتمة والحياة. بل هي سفر مخضب بأفكار التجربة المتسعة شكلا جديدا ومضمونا حيا ورؤية مستقبلية.

رأي سايكولوجي لم أقتنع به!

وفي مقال أ. د قاسم حسين صالح رئيس الجمعية النفسية العراقية نتعرف على تحليل سيكولوجي للربيعي. فماذا جاء في التحليل؟ ان اكبر نقاط ضعف الربيعي هو خوفه من المجهول وهذا يدل على انه يعيش حالة اغتراب نفسي وانه شخصية استرضائية يحاول ان يرضي الجميع ويختار الحلول الوسط وهو يعيش حالة تناقض بين فكرتين: فكرة الأخرين عنه بأنه شخصية انطوائية وفكرته عن نفسه بأنه شخصية مرحة، وان شوكت يعاني من صعوبة التوفيق بين حبه للآخرين وسعادته في ان يكون بين آخرين يحبهم وخوفه منهم .. و... و.. وانا من خلال معرفتي "القديمة" بشوكت، فلا أتفق مع تحليلات الدكتور قاسم حسين، اللهم إلاّ إذا طرأ بعض "التغير" عليه في غربته الطويلة. فسلوكية الربيعي كما يؤكد معارفه وأصدقاؤه، وأنا منهم والذين عايشوه في بواكير شبابه وحتى غربته، يرون ان شوكت الربيعي هو سفر جريء في العالم، وذهاب للأصقاع المجهولة وغوص في الأهوار السحيقة للتجربة الانسانية، وهو دائما يهوى السير في دروب غابة كثيفة متشابكة الأغصان. فهل مثل هكذا رجل يوصف بأنه شخصية أسترضائبة؟ وعلى 51 سؤلاً وجهته الاعلامية المبدعة نوال الغانم، وهي تشكيلية وكاتبة أجاب الربيعي عليها جميعا بأستطراد بديع لا يسع المجال الى التجول في مفردات الاجابة، لكن نجتزأ الاجابة التالية حول سؤال للغانم بشان استحضار شخصيات الربيعي: "تدهشني مشاهدة الناس الذين أريد التعبير عنهم وهم في حركات مختلفة رائعة، أراهم في كل مكان وفي كل لحظة؟ كان ابي يسالني: من علمك الرسم والحكي الحلو الجميل يا ولدي؟ فقلت له: الناس يا ابي. انتم اهلي في البيت والاولاد في المدرسة والناس في السوق والمقهى والمسجد والدنيا، هؤلاء هم ابطال لوحاتي، كنزي الحقيقي وينبوع إبداعي في اعمالي الفنية والادبية".

وفي اجابة على سؤال للدكتورة انعام الهاشمي من اميركا عن المحطات التي ذرف فيها الدموع قال الربيعي: "بكيت يوم ولدت ويوم مات ابي وامي وعماتي واخوتي ويوم احتل الغزاة فيه وطني".

وعن سؤال للأديبة وفاء عبدالرزاق حول من يكون شوكت الربيعي، قال الفنان: "انا رسام يتعلم نطق الحرف ورسم الصورة، يتهجى من اسماء الابداع اسماء لونا يطوف رحاب الوحة .. عبر اللون، أعاني من وهج الروح معاناة العشاق، ارسم الجهات، أغني وازرع وافكر بالفراغ على الارض. هذه اللوحة التي اسعى الى املاء مساحاتها بآفاق ما اكتسبته وهضمته وتعلمته وادركته وابدعت فيه عبر سنوات القحط واعوام العافية وبكائيات الايام الموحشة وارتعاشات اللحظة المغبطة.

وسألته الكاتبة رشا فاضل عن ما يود قوله للقائمين على المؤسسات الثقافية، فأجاب: ان يغادر القائمون على وزارات الثقافة، ليفسحوا المجال للشباب من ذوي الكفاءة والارادة الحرة كي ينعكس أسلوب عملهم على المؤسسات وعلى أعمالهم الابداعية.

أما التشكيلية الدكتورة وسماء الاغا فقد سالت الربيعي عن من تاثر بهم الربيعي، فقال: قرات الكثير وتاملت مناهج من كتب في الفنون الزمانية والمكانية وفي ادب النقد التشكيلي من العرب والافرنج شرقا وغربا، ولكني لم اجد نفسي منقادة الى منهج هذا الباحث او ذلك الكاتب إلاّ في ما يتعلق بمنهجية الواقعية النقدية وتجربة (بليخانوف) التي تجاوزتها المرحلة الراهنة كثيرا.

وقد لفت انتباه د. وسماء الاغا وهي تستذكر مسيرة الربيعي لوحته المسماة "فتاة وفانوس" التي رسمها عام 1964 فذكرت ان اللوحة المذكورة شدت انتباهها كمشاهدة وفنانة لا سيما منظر أعواد القصب التي جعل منها الفنان غابة كثيفة (موطنأ للسعلاة) لا يمكن اخترافها، فنرى الخضرة في كل مكان، وايضا الوحدة والسكون يعمان الجو العام للمشهد، حتى ان الفتاة وفانوسها يوحيان بالحزن والوحدة ولا تعطي القوارب الثلاثة عند جهة اليمنى اية فرصة امل حتى في العودة الى الضفة الاخرى، لكونها مهجورة تماما واذا كان بيت القصب (الكوخ) في الضفة الاخرى يوحي بانه بيت الاحلام، وبنفس الوقت بيت مسكون باللعنة لا يستطيع اي شخص ان يسكنه، او حتى أن يصل اليه، وتذكرني (والحديث للفنانه وسماء) اللوحة بعمل للفنان "اندرواويت" المسماة ــ الكسيحة ــ رغم الاختلاف في اسلوب التقديم والمنظر العام، ان اللوحة تكتظ فيها الاساطير والحكايات ولهذا فهي تبقى افتراضية في كل شئ، وهي محاولة محاولة ابداعية في اضفاء الروح الاسطورية او السردية الحكائية، ولهذا يبقى موضوعها يتجه بمسار عائد وماضوي هاربا من الواقع المؤلم الذي يعيشه الفنان من اجل تطمين حاجاته الروحية والجمالية.

رأيان مهمان لرموز التشكيل

الكتاب ضم في صفحاته شهادات قديمة بحق الفنان الربيعي منها شهادة الاديب الكبير المرحوم جبرا إبراهيم جبرا، حيث ذكر جبرا إنه شاهد احدى تفجر امكانات الربيعي الفنية، قائلاً: "كنت انا وشوكت في زيارة لمدينة موسكو ولننجراد.. في نوفمبر وديسمبر عام 1978 بدعوة من رابطة نقاد الفن واتحاد الرسامين والنحاتين والكتاب السوفييت للاطلاع على الحركة الفنية والثقافية والمعالم الحضارية فيهما .. إذ قال لي الربيعي حينما خيم الليل، فراح يستجمع الألوان ويفرشها على سرير النوم، وبدأ يرسم على جدار الغرفة حتى صباح اليوم التالي. ثم شعر بالارهاق والتعب وأخذته سطوة النوم، وخلد الى النوم. ايقظت شوكت من نومه، فإذا هو يرى أمامه حشداً من الوجوه المغبشة، وهي تنتظر منه تفسيرا لواحدة من تفجيرات الرسم التي أطلقها نفسه وهي مفعمة برموزها الشجية، وكأنه كان يعيش حلما مدهشا لا نهاية له. وتشققت قشور النواة التي تغلفه، لتنبثق مثل هذه النار الجياشة وقد تحسست سناها في أعماق شوكت، ورايت وهجها في تلك الرحلة الجليدية التي نتنفس في أجوائها هواء منغمسا بخمس واربعين درجة تحت الصفر".

ويضيف جبرا: "تكامل اللوحات عند شوكت الربيعي فيما يشبه المتوالية الشعرية بحيث يحتاج المشاهد الى رؤيتها جميعا ليوالف بين اشتات معانيها في كل يتنامى ويرفض التوقف عند حد، لكن كل لوحة من لوحاته قصيدة متفردة في حد ذاتها، تحمل في تضاعيفها رموز العمل التكاملي الاكبر. فالفنان هنا يستقصي ماضيا مائجا باللون والحركة، بالحدث والانفعال، وهو في كل لوحة يحاول ان يضع شيئا مركبا من مجموع تجاربه وذكرياته، فتستقل اللوحة من ناحية وتصل بكل اللوحات الاخرى من ناحية اخرى، إنها في معظمها تجربة الاهوار العراقية والرموز التاريخية بتعقيداتها النفسية، والمجتمعية بظلمتها واشراقاتها وروعتها بمغالبتها الحياة والموت، بتاكيداتها على الانسان جسدا يتفتت بالجهد ويتوهج بالحب واللوعة.

ونشر في الكتاب شهادة اخرى كان كتبها الراحل الرسام الناقد شاكر حسن آل سعيد قال فيه: "نكمن خصوصية تجربة شوكت الربيعي في حبه المفرط لأفكاره ومنطلقاته سواء في الرسم ام الكتابة موضحا سر اهتمامه بمساقط النظر ومنظور الاشياء المرئية مكانيا، وبالكتلة وثنائية الابعاد التشبيهية ثانيا وبالألوان الخضر والزرق والبرتقالي والفيروزي، في مساحات الانشاء التصويري، قصد التوازن والانسجام فقد دأب التركيز على متانة المعمار، لانه كان يعتقد بأن التنظيم استمرار للحس والذكاء".

وضم الكتاب ملحقاً باللغة الانكليزية فيه ترجمة لبعض اعمال الربيعي، وحوار اجراه الكاتب والشاعر سلام كاظم فرج ومقالة للشاعر فائز حداد وأخرى لمكي الربيعي ولعبدالجبار ناصر ولفلاح الشابندر ولرياض عبدالواحد ولاحسان وفيق السامرائي وفيصل عبدالحسن وعبدالرضا علي، كما احتوى على قصيدة جميلة ومؤثرة أهداها الشاعر الكبير يحيى السماوي لصديقه الربيعي.

إن اصدار مثل هذا الكتاب المهم، هو اضافة جديدة لمبادرات مؤسسة "المثقف" حيث سبق ان أصدرت في السنتين الاخيرتين 8 كتب في الشعر والثقافة. فهي الأولى بهذا الدرب النبيل، فمن يكون الثاني؟

zaidalhilly@yahoo.com