غزوةَ الصناديق: ربيعُ العرب أو ربيعُ الأصوليات؟

بقلم: سجعان القزي

الأصوليّون الإسلاميون سيطروا على المجالسِ الانتقاليةِ التي تألّفت إثرَ الثوراتِ العربية، وفازوا في الانتخاباتِ النيابيةِ حتى في بلدانٍ عربيةٍ لم تحصُل فيها ثوراتٌ بعد كالأردن والمغرب. إنه ربيعُ الأصوليات. هذا الربيعُ الأصوليُّ يُضعِف المراهنةَ على ما بعدَ الثوراتِ، يُمدِّدُ حياةَ الأنظمةِ التي لم تَسقُطْ بعد، ويَعوق تَموضُعَ العربِ في الحداثةِ والعولمة.

وإذا كان فوزُ مسلمين طبيعياً في عالمٍ عربيٍّ، أنظمتُه غيرُ عَلمانيةٍ وغالِبيةُ سكّانِه الساحقةِ مسلمةٌ، فالمُربِكُ، ولا أقول المفاجِئ، هو انتصارُ الأصوليين الإسلاميين على التياراتِ الإسلاميةِ المدنيةِ في كلِّ مكان. هذا يعني: أنَّ التغييرَ في الإسلامِ هو الإسلامُ وأن الثورةَ في الإسلامِ هي العودةُ إلى الإسلام. أما الديمقراطيةُ، فليست سوى أداةٍ انتخابية. ألم يُعلِن أحدُ مشايخِ السلفيةِ في مِصرَ أن الاستفتاءَ على التعديلاتِ الدستوريةِ في 9 آذار الماضي كان "غزوةَ الصناديق"، وأن مصرَ دولةُ المسلمين؟"

هذا الانتصارُ الانتخابيُّ يشكِّل تحديّاً للسُنَّةِ المتنوِّرين، على غرارِ تيارٍ مثل "المستقبل" في لبنان. في ظلِّ الأصوليّات، أإسلاميةً كانت أم مسيحية، لا دورَ للآخَر حتى لو كان من نفسِ الدين. والمرحلةُ المقبلةُ ستشهدُ صراعاً داخلَ الإسلامِ السياسيِّ بين الجهاديين والسلفيين والإخوانيين والمسالمين والمعتدلين والعَلمانيين حولَ دورِ الإسلامِ في الحياةِ والسياسةِ والحكمِ، وحولَ تفسيرِ الشرائعِ والتشريع. ها هو عُضو "هيئة كبار العلماء السعودية"، الشيخ صالح اللحيدان، يقول: "إنَّ رئيسَ الاتحادِ العالميِّ لعلماءِ المسلمين يوسف القرضاوي، يَنتمي إلى جماعةِ الإخوان المسلمين، وهي جماعةٌ غيرٌ صافيةِ العقيدة"، واعتَبرَ أن "المظاهراتِ هي إفسادٌ في الأرض".

الملاحظُ في هذا الفوزِ الانتخابيِّ أمران: الأول هو أنَّ لا أحدَ من الإسلاميين يتحدث عن الوحدةِ العربيةِ أو عن وحدةِ الأمةِّ الإسلامية، إذ تَطغى النزعةُ المحليةُ والسِجالُ المذهبيُّ والمشاكلُ الاجتماعيةُ على برامجِ الحركاتِ الإسلاميةِ في كل هذه البلدان. ولا عجب، طالما أن جريدةَ "الوطنِ" السورية، أحدُ أصواتِ حزبِ البعث السوري، تُعلن أنه "حان الوقتُ لتتخلّى سوريا عن العروبةِ التي جَلبت لها المصائب (28 تشرين الثاني 2011). سبحان الله...

والثاني هو أن سيطرةَ الإسلامِ السياسيِّ وقعت في دولٍ عربيةٍ غنيةٍ وفقيرة، ملكيةٍ وجُمهورية، يمينيةٍ ويسارية، مَغربيةِ ومشرقية، آسيويةٍ وأفريقية، تعيشُ ضيقةً اجتماعيةً أو رخاءً معيشياً. هذا يؤكد أن الصعودَ الإسلاميَّ ليس نتيجةَ وضعٍ مأزومٍ في مجتمعٍ ما فقط، بل هو ظاهرةٌ دينيةٌ بامتياز، ومرتبطٌ، عضوياً، بالفتحِ الإسلاميِّ التاريخي المتواصِل منذ سنةِ 622.

واللجوءُ إلى الإسلامِ السياسيِّ يكشِفُ عن أن التياراتِ الإسلاميةَ لا تزال، في القرنِ الحادي والعشرين، تعتبرُ أن الإسلامَ مصدرُ الحلولِ للمشاكلِ لا مصدرَ التشريعِ للدولةِ فقط. وتُهمِل هذه التيّاراتُ كلَّ الإبداعاتِ الفكريةِ والعلميةِ والدستوريةِ والأنظمةِ التي ابتدعَها الإنسانُ الحديث، بمن فيه الإنسانُ المسلم أحياناً، لحلِّ المعضلاتِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والتربويةِ والإنمائيةِ والثقافية.

*********

كل ذلك يجعلُ الحديثَ عن الدولةِ المدنيةِ بمفهومِها الديمقراطي العَلماني، مؤجَّلٌ إلى زمنٍ آخَر وثوراتٍ أخرى. لكن لا يكفي "أخذُ العِلم والخبَر" بانتصارِ الأصوليين الإسلاميين، فهناك أسبابٌ تاريخيةٌ وظرفيةٌ واستراتيجيةٌ تُفسِّر هذه الظاهرةَ التي يُمكِن أن تتراجعَ في حالِ فشلِ النظامِ الإسلاميِّ في إخراجِ الشعوبِ العربيةِ من معاناتِها المتنوِِِِِّعة. أبرزُ هذه الأسباب هي:

1. المجتمعاتُ الإسلاميةُ لا تزال إسلاميةً بامتياز، ولا تَفصُل بين الدينِ والدولة. وتعتقد أن الإسلامَ هو النظامُ الطبيعيُّ وأن الأنظمةَ الأخرى القائمةَ هي حالاتٌ استثنائية.

2. الحركاتُ الإسلاميةُ، الأصوليةُ بخاصة، تَعِدُ بإقامةِ إدارةٍ نزيهةٍ في مجتمعاتٍ عربيةٍ تشكو من الفَسادِ أساساً، وهي تربُط استشراءَ الفسادِ بالطبقةِ السياسيةِ المدنيةِ أو العسكريةِ الحاكمةِ أو المعارِضَة.

3. المسلمون، على الأقلّ الذين صوّتوا للحركاتِِ الإسلامية، يعتبرون الحكمَ الإسلاميَّ يوّفر لهم التغييرَ والقوّةَ والاستقرارَ من خلالِ التراث، وكأن الحكمَ الإسلاميَّ هو "الجيشُ البديل" عن العسكرِ الحاكم.

4. غيابُ الحياةِ الديمقراطيةِ في البلدانِ العربيةِ، وضُعفُ الأحزابِ فيها دفعَ المواطنين نحو الجوامعِ والمساجدِ والتجمعاتِ الدينيةِ لممارسةِ نشاطِهم الدينيِّ والسياسيّ والعقائدي، فالتقَطتْهم التنظيماتُ الأصوليةُ وجنَّدتهم.

5. تزايدُ الحالةِ الشيعيةِ الإيرانيةِ المترافِقةِ مع سعيِ إيران لإكمالِ مشروعِها النووي، دفع المسلمين السُنةَ في العالمِ العربي إلى شدِّ عصبِ السُنيةِ السياسيةِ الأصوليةِ لمواجهةِ الهجمةِ الإيرانيةِ التي خرقت أرضَ العربِ واستقرَّت فيها بِدءً من العراق وسوريا مروراً بلبنانَ وفِلسطين وصولاً إلى دولٍ خليجية.

6. نجاحُ حزبِ العدالةِ والتنميةِ التركي في أن يكونَ حُكماً يَتقبَّلَه الشعبُ التركي والعالمُ العربي والمجتمعُ الدولي لدرجةِ أنهم يقدِّمونه نَموذجاً للحكمِ الإسلاميّ المدني.

7. انسدادُ أفقِ حلِّ القضيةِ الفلسطينيةِ واتِّسامُ الموقفِ العربيِّ بالرخاوةِ تجاه إسرائيل وأميركا، في حين بَدت منظماتٌّ كـ "حماس" الأصوليةِ حركةَ مقاومَةٍ بعدَ حركةِ "فتح".

8. نشاطُ حركةِ الإخوانِ المسلمين وما شابَهها في الخطوطِ الخلفيةِ ولدى العائلات، بينما تصدّرت التياراتُ العَلمانيةُ واليساريةُ الحِراكَ الإعلاميَّ فقط بسببِ انعدامِ موارِدها.

9. حصولُ الحركاتِ الإسلاميةِ في الدولِ العربيةِ على مساعداتٍ ماليةٍ دسمة، لاسيما من دولِ الخليج، سَمحت لها بإعانةِ المحتاجين أفراداً وعائلاتٍ وجماعات.

10. ترنُّحُ المشاعرِ القوميةِ العربيةِ وتعثُّر الحالاتِ العلمانيةِ وسقوطُ العقائدِ اليساريةِ أمام المدِّ الإسلاميِّ منذ الثمانيناتِ في القرن الماضي، واتهامُ الحركاتِ اليسارية والأنظمةِ العسكريةِ بالتبعيةِ للخارج (الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا).

*********

إذا كان مجموعُ هذه الأسبابِ يُبرّرُ موضوعياً صعودَ الأصوليةِ السُنية، فبين هذه الأسبابِ ما هو ظرفيٌّ وما هو تاريخي. وبالتالي إن انحسارَ الحالةِ الأصوليةِ السُنيةِ مرتبطٌ بانحسارِ الحالةِ الشيعيةِ الجهادية، بتغييرِ الأوضاعِ الداخليةِ في كلِّ مجتمعٍ ودولة، بحلِّ القضايا المرتبطةِ بالوِجدانِ الإسلاميِّ كالقضيةِ الفِلسطينية، وبتعديلِ مفهومِ المسلمِ للدين. ولأن الانحسارَ سيستغرقُ زمناً، نرى الدولَ الكبرى تتعامل مع ظاهرةِ الانتصارِ الأصوليِّ انطلاقاً من سياستين خبيثتين: تصويرُ المنتصرين معتدلين لتبريرِ دعم الغربِ للثورات العربية، واللعبُ على التناقضاتِ المختلفةِ لإضعافِ الإسلاميين في مرحلةٍ لاحقة.

إن التياراتِ المدنيةَ في العالمِ العربي، والمسيحيون جزء منها، يُقلقهم صعودُ الأصولياتِ والموقفُ الغربي في آن معاً. ويَجدُر بالمكوِّنات العربيةِ الأخرى، مع هذا الربيعِ المكفهِرّ، أن تفكِّر في مصيرِها ضمنَ انتمائِها الوطنيِّ والمشرقيِّ والعربي. إن الثورات، وقد تعاطفْنا معها ضدَّ الأنظمةِ القائمة، لا تُبشِّر، مع الأسف، بفجرِ الديمقراطيةِ الصحيحة. الانتخاباتُ وحدَها لا تصنعُ ديمقراطية، خصوصاً حين تُسفِر عن فوزِ قوى لا تؤمن بالديمقراطيةِ ومندرجاتِها.

إن الحركاتِ الإسلاميةَ العربية، تحاول طمأنةَ المسيحيين والغربِ مرحلياً. ترفعُ شعاراتِ الديمقراطيةِ والحريةِ والمساواةِ والدولةِ المدنيةِ من دون أن تُطبَّقَها. وإن طبقتّها فبشكلٍ مخالِفٍ لمفهومِها الصحيحِ المتعارفِ عليه دولياً. هذا "التكتيك" يذكِّرنا بالأنظمةِ الشيوعيةِ التوتاليتاريةِ السابقةِ في أوروبا الشرقيةِ حيثُ كانت تنادي بالديمقراطيةِ وتُطبِّق الديكتاتورية. لم ننسَ بعد أن ألمانيا الغربية ذو النظامِ الديمقراطيِ كانت تُدعى "ألمانيا الاتحادية"، وكانت ألمانيا الشرقيةُ الشيوعيةُ تسمّي نفسَها "ألمانيا الديمقراطية".

نحن لا نحدِّدُ موقفَنا من الأنظمةِ الجديدةِ على هوى ما تريدُ أميركا أو أوروبا، بل حسبَ تقييمِنا ومصالحِنا الوطنيةِ والحضارية. ثقتُنا بالدولِ الكبرى والغربِ محدودةٌ. في لبنان ذُقنا طعمَ التواطؤ الغربيِ علينا بين سنوات 1975 و2005. وفي العالم العربي سَلَّم الغربُ، وأميركا بخاصة، طَوال ستين سنة (1950 /2010)، شعوبَ الشرقِ لأنظمةٍ ديكتاتوريةٍ عسكريةٍ أو عائلية، ويتّجه اليومَ "للتسليمِ" بالحالةِ الإسلاميةِ الأصولية.

لا يكون الإسلامُ الأصوليّ معتدِلاً إذا قِبلَ الحوارَ مع أميركا ووافقَ على هُدنةِ الجولان ومعاهدةِ كمب دايفيد واتفاقِ وادي عَربة وتسويةِ أوسلو، وأبدى استعدادَه للتفاوضِ مع إسرائيل. الاعتدالُ يكون بالتشريعِ الدستوريِّ المدني، بالانفتاحِ على الآخَر من موقعِ النِديّةِ الإنسانيةِ والمساواةِ المواطنية، باحترامِ حقوقِ الجماعاتِ والأقلياتِ وكلِّ مكوّنات المجتمعِ بغضِّ النظرِ عن جِنسِها وعِرقِها ودينِها وعددِها. ما همّي إذا احترم الأخوانُ المسلمون في مصرَ اتفاقات كامب دايفيد ولم يحترموا حقوقَ الأقباط؟ فهل أمنُ اليهودِ أهمُّ من أمنِ الأقباط؟ ما همّي إذا احترم الإسلاميون في سوريا هُدنةَ الجولان ولم يحترموا حقوقَ الأقليات السورية؟ وما همّي إذا احترم الإسلاميون في تونس والمغرب العلاقة مع فرنسا ولم يحترِموا حقوقَ الإنسانِ والمرأةِ في الدولةِ والمجتمع؟

تجاهَ القلقِ المتنامي، حريّ بالمرجعياتِ الإسلاميةِ أن تتحركَ فوراً لمعالجةِ هذا الواقعِ الجديد الذي من شأنِه أن يؤجِّجَ صراعَ الحضارات. فلانتصارِ الإسلاميين في العالمِ العربي وتعاظمِ القوةِ الإيرانيةِ انعكاسٌ كبيرٌ على وحدةِ كياناتِ العالمِ العربي وعلى اتجاهات الشعوبِ الأوروبيةِ، حيثُ ستَقوى نَزعةُ اليمينِ المتطرِّف في أوروبا وتَنتعشُ التياراتُ المسيحيةُ الأصولية.

قد تكون مبادرةُ شيخِ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وموقفُ رئيسِ الحكومةِ التركية رجَب طيّب أردوغان بداية جيدة. الأولُ وضَعَ ميثاقاً للتعايشِ الأهلي في مصر، والثاني شرحَ للإسلاميين العرب أن إسلاميةَ المواطن لا تتعارضُ مع عَلمانيةِ الدولة. لكن هل يفهمُ العربُ اللغةَ التركية؟

سجعان القزي

نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية