متى يتعاون المركز القومي للترجمة مع المراكز المناظرة له؟

بقلم: مصطفى عبدالله
حتى لا تتكرر الجهود المبذولة

منذ أيام، استقبلني صديقي الدكتور فيصل يونس، مدير المركز القومى للترجمة، وعلى امتداد ساعة، جلسنا نتحدث عن كيفية استمرار هذا المركز في أداء مهامه على مستوى الوطن، وعلى المستوى القومي أيضاً، لا سيما وأنه، على حداثته بين هيئاتنا الثقافية في مصر، يعد أقدم المراكز المعنية بشأن الترجمة في عالمنا العربي، فقد بدأ نشاطه عبر "المشروع القومي للترجمة" قبل أن يرى النور "المركز الوطني للترجمة" في تونس، و"المركز الدولي للترجمة" في الشارقة، ومشروع "كلمة" في أبوظبي.

فالكثير منا تخوفوا على مصير هذا المركز، وتقلص ميزانيته بعد ثورة 25 يناير، وتساءلوا كيف سيستمر في أداء واجبه؟ وكيف يقوم بالوفاء بالحقوق المتأخرة لكثير من المترجمين الذين يتعاملون معه؟ وكيف يمكن أن يمارس التأثير المرجو منه لدى المتلقي، وهو الذي يقصر مُنتَجه على منافذ تسويق ضيقة؟

وقد أسعدني كثيراً أن ينتقل هذا المركز بإصداراته المهمة المترجمة عن مختلف لغات البشر إلى طلاب جامعة القاهرة، وأساتذتها لكي يتيح لهم اقتناء ما يحتاجون إليه من كتب ومراجع تتعلق بتخصصاتهم بشكل مباشر أو تسهم في صنع ثقافتهم العامة، وأتصور أن مثل هذا المعرض - الذي يبدأ اليوم ويستمر حتى نهاية هذا العام - يمكن أن يطوف بجامعاتنا المختلفة، كما ينتقل إلى النوادي والمؤسسات الكبرى، لأنني على يقين من أن الكثيرين من المهتمين بالشأن الثقافي لا تربطهم صلة حميمة بهذا المركز على الرغم من الندوات التي ينظمها مواكبة لصدور عناوينه الجديدة في مواقع ثقافية معروفة مثل المجلس الأعلى للثقافة.

وأنا واثق في أن انتظام هذه المعارض سيؤدي إلى نفاد كتب وسلاسل كاملة مثل سلسلة "دساتير العالم" التي يحتاج كل مواطن مصري في هذا التوقيت إلى الاطلاع عليها، وقد نهض المركز بتعريبها وتقديمها مواكبة للظروف التي تمر بها البلاد.

وقائمة إصدارات المركز من الكتب المترجمة من عشرات اللغات تطول، وتواكب كافة المستجدات في المنطقة وفي العالم، في نفس الوقت الذي تلبي فيه احتياجات القارئ المهتم بالاطلاع على عيون الإبداع العالمي، كلاسيكياً كان أم معاصراً.

ومن بين العناوين اللافتة التي صدرت مؤخراً عن هذا المركز: ترجمة توفيق على منصور لكتاب "نهر النيل.. مشاركة فى مورد نادر"، الذى اجتمعت على تأليفه نخبة من المتخصصين، وقام بتحريره: بى. بى. هاويل وجى. آ. آلان، وقد نال عنه مترجمه جائزة رفاعة الطهطاوى فى دورتها الأخيرة نظراً لدقته فى تعريب هذا الكتاب وأهميته كمرجع وثائقى لنهر النيل بكل مشتملاته الجيولوجية والطبوغرافية والطبيعية والمناخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتنموية.. والقانونية أيضاً، وهذا الكتاب المهم الذى يدخلنا إلى عالم أدق أسرار الخلية، المعروف ب"DNA"، وهو يحمل عنوان "عصر علوم ما بعد الجينوم.. كيف تحوّل تكنولوجيا علوم دنا طريقة حياتنا، وكيف تحول كينونتنا"، تأليف جينا سميث وقد نقله إلى العربية، وقدم له بأسلوبه البديع العالم الدكتور مصطفى إبراهيم فهمى، الحائز على العديد من الجوائز العربية فى مجال ترجمة العلوم، وترجمة الأديب الدءوب سمير عبد ربه لرائعة بن أوكرى "طريق الجوع"، التى وصفها الناقد الأدبى فيليب هاورد على صفحات" التايمز" البريطانية بأنها رواية رائعة غمرته بمتعة القراءة، لم يجد لها شبيهاً فى كل ما قرأه من قبل، وبن أوكرى، فى تقديرى، واحداً من أهم الأصوات فى الأدب الإفريقى المعاصر المكتوب بالإنجليزية، وتتميز أعماله بالهجاء والنقاد الأزمات الاقتصادية والسياسية التى أصابت الدول الأفريقية بالبلاء منذ نهاية فترة الاستعمار، وهذه الترجمة التى أنجزها الدكتور محمد أبو العطا عن الإسبانية لكتاب بورخيس "مديح الظل" الذى سبق أن أفردت له مقالاً كاملاً، وترجمة المفكر الكبير الدكتور محمد عناني لرواية كيبلنج "كيم"، وتعريب عميد الدراسات الألمانية الدكتور مصطفى ماهر لرائعة جوته "مأساة كلافيجو"، وترجمة سمير محفوظ لرواية أنتوني ترولوب "البيت الصغير في ألنجتون"، وكذا ترجمة الأديبة ابتهال سالم لـ "الأمير بادورو" لماري روز جومي سوكهو كوناتيه، وترجمة الدكتور محسن فرجانى عن الصينية لكتاب "فن الحرب عند سونبين"، وأحدث ترجمة لـ "إنيادة" فرجيل التي عكف على إنجازها نخبة من المترجمين الثقاة، وترجمة منار رشدي لرواية ألبير قصيري "ألوان العار"، وهذه الترجمة الجديدة لرائعة إليوت التي أنجزها الأديب والناقد الكبير الدكتور نبيل راغب بعنوان "أرض الضياع" بعد أن ترجمها الدكتور لويس عوض، والصديق عبدالله البشير تحت عنوانين مختلفين: "الأرض الخراب"، و"الأرض اليباب".

ولعلها فرصة للمهتمين بالدراسات المقارنة كى يخضعوا هذه الترجمات الثلاث للبحث، وأنا على يقين من أنهم سيهدوننا عملاً بديعاً.

وقد آن الأوان لمركزنا القومي للترجمة أن يتعاون مع المراكز المناظرة له في الخارج لتوفير قاعدة البيانات المنشودة للكتاب الأجنبي المترجم إلى العربية، حتى تكون المرجع الأمين لكل من يفكر في الإقدام على ترجمة نص من لغة أجنبية بحيث لا تتكرر الجهود المبذولة في ترجمة نص بعينه إلا إذا كان الباعث على هذا هو البحث العلمي.

mostafa4100500@hotmail.com