التعرية في 'قصائد عارية'

بقلم: محمود محمد أسد
هذا المدى واسع

هذا الديوان "قصائد عارية" للشاعر محمود محمد كلزي الباكورة الأولى له، وقد جاء متأخراً عن مسيرة الشاعر الطويلة والحافلة بالنشر والنتاج على صفحات المجلات والصحف على مدى عقودٍ أربعة تخللها بعض التوقف لأسباب فنية تبنّاها الشاعر الذي واكب الكثير من الشعراء الذين تألّقوا وشقّوا طريقهم.

وإصدار الديوان بعد هذا الزمن يُذَكّرنا بشعراء في مدينة حلب ما زالت تلاحقهم الأسئلة عن عدم تقديم ونشر أعمالهم الشعرية كالشاعر أحمد ديبة ومحمد خطيب عيان وجميل حافظ ومحمد كمال. وكلَّ واحد من هؤلاء له باع طويل وتجربة في الساحة الشعرية، وهذه قضية يجب الالتفات إليها لأن الإبداع في النهاية ليس حقاً لصاحبه بل من حق المتابع والمجتمع. وهي دعوة للأساتذة الشعراء وللمؤسسات الثقافية لتبنّي بعض من يصعب عليه النشر في هذا الزمن الصعب، أو لكسل حط عليه.

الديوان يحمل عنوانه مضامينه، ويكشف العنوان رؤية صاحبه والقصيدة الأولى فيه "القصائد تخرج عارية" تضيء لنا نهج صاحبه الفني والمضموني، وتلقي الضوء على المجموعة فهي المدخل والمنهج والمفتاح للولوج إلى عالم الشاعر الغني بالمواقف القومية والإنسانية الحادة حيناً والشفافة أحياناً.

الشاعر محمود محمد كلزي واضحٌ في رؤيته للحياة والشعر ولا يترك حاجزاً بينه وبين قارئه وهذه رسالة يتبناها بوعي وقوة، صحيح أنه يتواصل مع الآخرين ولكن ليس على حساب الفن.

فهذا بيانه الشعري:

"تجيء القصيدة فوق صراط سويًّ / على سندسٍ من شعور / فليست تلفُّ وليستْ تدور / وليست تخبّئ خلف الغمام / معانيهَا المشرقةْ.. / فهاهي تخرج للناس عاريةً / لا تنمَّقها سفسطات التمائم / أو هندسات المناجم / أو منطق الحلزون المخبّأ / في تيه قوقعة مغلقهْ".

الشاعر يُحمَّل شعرَه أفكاره ومشاعره ورؤيته، فانتماؤه القومي من ناحية وغيرته على موروثه الثقافي المسلح بالوعي يدفعه لتعرية الواقع على مختلف مستوياته دون مقدمات وتمهيد، مستعيناً بالأثر الديني مرّة والثقافي أخرى.

"وترفض لون القميص البهيّ / وتختال في زيّها البدويّ / وتختار لون العباءة / من رمل صحرائنا المرهقةْ.. / وتمتع من مهبط الوحي / زيتاً لمشكاتنا / فلا هي شرقيّة / ولا هي عربيّة / ولا هي تنحت من صخر ملهاتنا / صنماً من تمور / ولا قفصاً من حرير / تمزّقه كي تسافر من عتمة الشرنقةْ".

شاعرنا يحمل رسالة تستحق الوقوف والتقدير، فما جدوى الأدب إن لم يؤدّ رسالته، وقد ذهب وراء الهلوسات والحذلقات اللفظية وغاب في دياجير التجريب اللامجدي بغير وعي، فهو ينوّع بإيقاعات شعره بين العمودي والتفعيلة وينوّع التفعيلة بالقصيدة الواحدة، وهذا وارد في أكثر من قصيدة.

وفي قصيدة "هنا يسكن الشعراء" يحدّد الشاعر معاناة الشعراء وعالمهم الخاص، فيلامسها بشفافية موجعة وبعبارات موحية أجاد الشاعر فيها بتنويع أسلوبه في العبير فأكثر من الأسئلة المفتوحة، والجمل الإنشائية الراسمة منهجه.

"افتحوا الباب هذا المدى واسعٌ / فلماذا؟.. / يضيع المدى متعباً.. ويضيع هديل الحمام.. / لماذا..؟ / يصوَّح زهرُ العيون.. وينمو على وجهنا عوسجٌ ودخان / نسافر في الجرح.. / نغمس أقلامنا بالدماء / وبالدمع.. نشرب نخب الجياع / ونحن صعاليك هذا الزمان / نشرَّدُ.. نحمل حجراً من الأبجدية.. / لا نستريح على قارعات الغناء / وتأتي القصائد.. موغلة في الحصاد.. / ونحصد منها الهشيم.. الغثاء".

لدى الشاعر هاجس يلاحقه ويحمل مسؤوليته ويريد للأدباء أن يحملوا مسؤولياتهم برسالة الحرف، والشاعرُ في ديوانه مزيجٌ من الثورة والسكينة ولكلّ منها سمةٌ خاصة فثورته ليست شعاراً بل خلاصة وعي فهي ثورة مبنية على امتلاك اللحظة والحالة التي يعايشها عن قرب بعد رؤيته السالب والموجب فيها ويقيني هذا أحدُ أسباب تسمية الديوان.

وسكينته التي نتوخّاها في بعض قصائده هي حالة من حالات التأمّل والإيمان المطلق والحب الخالص، والحالتان تتعانقان في قصيدة "أغنية السفر" والتي نظمها الشاعر بعد تعرّضه لحادث فتذكّر قصاصة فيها قصيدة "الوصيّة" للشاعر بدر شاكر السيّاب فأهداه القصيدة؛ وقد ضمّنها بعض جمل قصيدة السياب مع الإشارة إليها. فالقصيدة مزيجٌ من الألم والدراما والبوح مع انسياب عاطفي يمسك بخيوط القصيدة فنياً:

"وأنت يا صديقي المسافر / بلا شراع. في عباب هائج القدر/ تصيح بي: مطر.. مطر.. / وفي جبيني خيبة السفر.. / ومزقة من ورق في جيبي الخاوي سوى من الجراح.. / قصيدة تقولها (وصية): إقبال يا زوجتي الحبيبة / لا تعذليني ما المنايا بيدي / .. ولست لو نجوت بالمخلّد)".

وما وُضِعَ بين قوسين مأخوذ من قصيدة السياب.. إلى أن يقول:

"يا واهب الحياة.. يا لطيف / لا حول.. لا قوة إلا بك/ كأنني سمعت ترتيل الملائك / تقول: لا إله إلا الله".

في هذا الديوان الكثير مما يقال ويثار حوله من قضايا نقديه ذات جدوى، فالشاعر يُعرّي الواقع وهو يمسك زمام الفن والقصيد فيتعانقان بقوة بعيدين عن الضبابية التي تشغل ذهن الشاعر وتزعجه.

الشاعر يملك هذه المعادلة التي تحتاج لربّان قادر مُلمّ بمناخه من كلّ الجهات، فالشاعر تحيط به مسحة من الحزن والألم التي تبرز في أغلب قصائده ويقيني أن هذا الحزن مجداف يعزف عليه الشاعر ويبوح بهمومه وهموم الآخرين، وهذا الحزن في المحصلة حزن إنساني ومُحصّلة لحالة إنسانية عامة، تشمل الكون من حولنا:

"أنا لا أريدك أن تجيء / يا لعنة سوداء تلحق بي.. وتخنق لي سنا عمري القميء / يا صفعة هوجاء تلطم وجهي المغبرَّ من ربح الليالي.. / فأفيق من نوم الكهوف/ وأحسُّ خنجرك المدَمّى في عروقي / برودة تسري بأضلاعي.. ونهراً من نزيفْ / فيموت شيء في الفؤاد من الشعور.. من الحنين/ للحب.. للآلام.. في دنيا يُكبّلها التراب / ويشدّها.. ويغلُّ أرجلَها بأصفاد العذاب / فيهيمُ فيها المائتون.. وراء أشباح السراب".

كلّ كلمة تخفي وراءها غصة وتروي قصة، هذا ما يقوله الشاعر في قصيدة نُظّمتْ مع بداية عام جديد ورحيل عام حافل بالآلام، ولكنها كانت حافلة بالإدانة للمجتمع العام الذي تخلىّ عن إنسانيته.

"ومدينتي.. شيء ضبابيّ يعانقها النعاس / وتسير في بطء عقارب ساعتي.. وتدق في عنقي الرتابة / وأنا وأوراقي.. وشيء من عيوني فوقها يحكي الكآبة / شيء سكبت له رفيف مشاعري.. أطعمته من قلبي الظمآن / من خفقاته صغت الأغاني / ومدينتي.. لا شيء يجذبها إلى صدر الحنانْ / لا شي غير الطين والصدأ المقيتِ / وراء خيط من دخانْ".

في أعماق شاعرنا مخزون دفين من الألم، أرى أنه لا يخرجه إلا مع أول شحنة، فالشاعر لا يكدُّ ذهنه، ولا يفتعل الموضوع بل يتفاعل مع الحالة الشعرية التي تنتابه على حين غرّة فتشعل شرارة الشعر والألم معاً، فيعبر الشاعر عن انكسار الحلم في أكثر من مكان كما مرّ معنا من قبل قصيدة "رأس السنة" وكذلك في قصيدة "عودة فارس الأحلام":

رفيقة دربيَ المخضلّ بالأنداء. بالأزهار.. بالألوان../ أحسُّ بغربتي.. شوقَ الرمال إلى الينابيع/ إلى الشطآن.. والأطيار.. والحملان/ أحسُّ كأنّ آلافاً من الأيامِ / تزحف في ضلوعي.. ترتمي موتي / أُغَالِبها.. لتنقلني إليك برحلة عالم فينان../ إلى خلف الرؤى.. والأفق والآلام../ للأرض التي ماداسها إنسان.

ويستعين الشاعر للتعبير عن مضامينه بأساليب مختلفة منها استحضار التاريخ وهذا واردٌ بكثرة في الشعر الحديث ولكنه يحتاج لإلمام بالحدث التاريخي وللحفاظ على المقدّسات التي تكتنه بعض أحداثه واستحضار التاريخ والأسطورة والاستفادة من القصَّ القرآني قضايا نقدية هامة تستدعي متابعتها والانتباه إلى بعض المزالق التي يقع فيها الشعراء.. في قصيدة / زنوبيا وعقم النسا / يبرز العنوان واضحاً ومُعرّياً المجتمع الذي ما عادت أمهاتُه قادراتٍ على إنجاب الأبطال:

"عودي إلى هذي الحجارة. يا حنين الأرض للمطر البخيل/ واستشر في الأبعاد.. وتشهد ما تسامق من نخيل / هذا الزمان يشيخ فوق قصورك الزهراء يحكي قصة تبدو خرافهْ / أحفاده متحلّقون.. يزحزحون الرمل عن أكتافهم/ وعيونهم بلهاء.. تنظر في السراب على مدى هذي الرمالْ / ويدٌّ تلوّح: أن محالْ / كانت هنا دنيا صحاريها فراديس الخيالْ".

ويبقى الحزن والانكسار مبعث قول الشاعر التواق إلى النهوض والإقلاع:

"عودي إلى هذي المعابد.. كلّها تشتاق للوجه الملفّع بالإباءِ/ (بَعلُ) تململ بارتخاءْ/ لا صوت ناقوس يدقّ.. ولا حداءْ / الكلُّ مات.. ولم يعد ظلٌّ لتاريخ على أبواب بابل".

وتمتد جراح الأمة وآلامها تتشعب في فلسطين التي ولدت أيلول وحزيران وعمليات السلام والتطبيع وكلها جراح تدمي الفؤاد:

"أتى أيلول يحمل كلّ أحزاني / يمزّق كلّ أشرعة الضياءِ / يكفّنُ كلّ أشرعة الضياء / يكفّنُ الأمل المصادر في حزيران / حملت هويَّتي.. ورحلت أبحث عن رؤى خضراءَ../ في وطن الرؤى العجفاءِ / كانت رايتي البيضاءُ قد نُسِجَتْ لأكفاني: وكان نشيديَ المبتور من كهف العمايات: وكانت كلّ آياتي: / على بوابتي أيلول ينتحبُ / وفي شفتيَّ نزفٌ من حزيران".

في الديوان نزفُ جارفُ وألمُ معذبٌ للضمير، فيحلو للشاعر أن يوخز نفوسنا وضمائرنا عسانا ننهض ونثور على واقعنا ولكن الخيبة سيدة الموقف والجدار الذي يرتسم أمام عينيه.

"وفي غزّة الأهل ينتظرون سقوط المطرْ../ وما زال كفُّ السلام يمدُّ / ليستجديَ الخبزَ / والمجرمون يغطّون أوجههمْ كالنعامة / وباسم السلام نجوع / وباسم السلام تمدّ الجريمة كف النجيع / وكفاً تمرّ على الياسمين بناب الصقر".

وهذا حال الشاعر المنكسر الذي أبى إلا أن يقربنا ويكشف لنا عن سوءات حالنا:

"من يرفع عن عيني الحزن ويستل الخنجر من خاصرتي / من يمسح عن جبهتي المخضلّة ألف علامة / من يسرج خيلي.. من يطلقها من مربضها..؟ / فأنا الفارس / أنكرني كلُّ رجال قبيلتيَ الراقصة على الأشلاء / إني أدمنت الحزن.. أعبّئه بين حقائب أسفاري / أدمنت الموت.. تمنَّيت لو أني أغدو بعض رمادٍ يُلقى في نهر الأحجارْ/ أو لافتةً يحملها الثوارْ / وإطاراً مطّاطيّاً في ساحات الثورة في بيسان / أو حجراً في يد طفل يُلقي في وجه الغربان".

إلى أن يقول:

"يا وطن الأموات / كلُّ النكسات مبرّرة.. كلّ النكساتِ / سأكسر أغصان الزيتونِ / إذا لم تَمْسَسْها نار الغضبْ / ويكاد الزيت يضيء ويكشف ما خلف السحب / يا وطني الطفل.. ألا تكبرْ؟.. / إنّ أعطيناك الخنجرْ / إنّ أعطيناك السيف / فصل لربك وانحر!".

الشاعر تنتابه حمّى القلق على مصير أمته في عصر يتهافت المنظرون من وراء طاولاتهم وفي حاناتهم يرسمون العالم مجتمعين على كأس رديء من الخمر.

هذا الديوان صغير بحجمه ولكنه غني بمضامينه وجميلٌ بفنيته الناضجة التي ملك الشاعرُ مفاتيحَها، ولا بدّ من قضايا لافتة. فالديوان نشر بالتعاون مع اتحاد الكتاب العرب وعن دار عكرمة وقد حوى خمساً وعشرين قصيدة. وكثرت فيه قصائد التفعيلة على حساب القصيدة العمودية التي وردت في ثلاثة مواضع وهذا يستدعي السؤال والتساؤلات فالمعروف عن الشاعر إكثارُهُ من النظم العمودي وهو أحد شعراء القصيدة العمودية القادرين والمتميزين.