الشباب العربي يتكلم 'العربيزي'

بيروت - من جورج جحا
اللغة كائن حيّ ينمو ويتطور ويموت

يقول الباحث الاكاديمي نادر سراج في كتابه الجديد "الشباب ولغة العصر .. دراسة لسانية اجتماعية" ان هناك في هذا المجال اشكالية يجب الاعتراف بها.

وفي خلاصة اخيرة قال الدكتور نادر سراج "ما نخلص إليه في هذه الدراسة هو ان ثمة اشكالية حقيقية ذات مظهر سلوكي لغوي علينا ان نعترف بوجودها وأن تدخل في وعي الجمهور ناشئة وآباء ومربين وأساتذة ولغويين بحكم انها باتت تدخل حيز الممارسة الفعلية لدى ابنائنا".

واضاف يقول ".. فناشئتنا ينزعون بشكل مطرد الى ان يشاكلوا الغرب بثقافته ويتشبهوا بأبنائه افرادا وجماعات في السلوك والمظاهر والممارسات، لذا نراهم يعبّرون عن انفسهم ويكتبون بالانكليزية وبحدود اقل بالفرنسية ولا يكتبون العربية الا نادرا وبصعوبة.

ويلاحظ سراج "ان الانكليزية كلغة حية تعبر اكثر فأكثر من العام الى الخاص في سيرورات حياتهم. فهي لا تدخل في سلوكيات فئة من شبابنا بوصفها لغة الدراسة والاطلاع والثقافة العالمية والترقي الاجتماعي فحسب، بل هي اللغة المنشودة التي يلجأون اليها لكتابة رسائلهم ويومياتهم، ولقرض الشعر وصوغ مشاعرهم الخاصة ورقيا أو إلكترونيا... وما نراه اليوم هو نموذج عن الانزياح القيمي في المشهد اللغوي العربي لصالح اللغات الاجنبية".

والملاحظ كما يقول ان المقترضات الدخيلة "تؤخذ عادة من قبل مستخدمي العربية على تنوع بيئاتهم بمعانيها وتسمياتها وبلغاتها الاصيلة او بصيغ مترجمة او باخرى معربة تعدل تراكيبها وفق الامزجة الشبابية وحسب سياقات الاستخدام المستجدة... ولكنها لا تؤخذ في اغلب الاحيان بمعانيها القاموسية بل بأخرى تواطأ عليها الشباب وباتت تتوافق مع طبيعة استخداماتها الجديدة في قاموسهم الخاص بالالفاظ الذي يسترسلون في تكوينه واستخدامه حتى يمسي اشبه ما يكون 'بلغة' خاصة بهم".

ويقول أن هذه "الظاهرة ليست حكرا على البيئات الشبابية اللبنانية بل هي تنسحب على بيئات عربية اخرى وما من متلق –متوسط- سيدرك بلا عائق تواصلي المحمول الدلالي لجملة يطلقها شباب قاهريون عن زميل لهم القول 'كان في الباي باي' اي انه لا يفهم اي شيء".

وقال نادر سراج ان هذه الظاهرة "لا ننظر اليها من جانب سلبي محض. فهي واحدة من نتائج ومفاعيل العولمة التي تتمدد معالمها وذيولها على كل الصعد وهي تحمل في احدى وجوهها آثار التلاقح الحضاري ونتائج التماس اليومي للناطقين بلغة الضاد مع مختلف اللغات الحية".

وتحدث عن طريقة عمله وجمعه للمواد من مصادر مختلفة وغزيرة فقال "وكما اظهرت المعطيات المجموعة من المسموعات او المقروءات او الاستشهادات الموثقة من وسائل الاعلام.. فهم يدمغون هذا المشهد اللغوي الدينامي بطابعهم الشبابي المتميز".

ويضيف "لذا نراهم يلجأون باطراد الى اعتماد مبدأ الاقتراض اليومي نسجا على منوال من سبقهم او انتهاجا لطرق صياغة جديدة تتماشى مع امزجتهم وطرق تفكيرهم واهتماماتهم فيبتدعون المقترضات ألفاظا مفردة او مركبات او مختصرات ويتناقلون مختلف صيغها المتناسلة عبر وسائل الاعلام الجديد او سلاح المستضعفين - كما اطلقت عليه فضائية عربية ونعني بذلك الـ "اس ام اس" او "الفايس بووك" او "التشات" او "التويتر" ورسائل الخلوي والرسائل المتلفزة او شريط الرسائل المتحرك، ويفاخرون بنسبتها اليهم باعتبارها "ماركتهم الشبابية المسجلة".

ويقول سراج "ولا ننسى... الاشارة ايضا الى شيوع ظاهرة المختصرات التي باتت المفضلة في العناوين الصحافية الفرعية او "الترويسات" وتحديدا في ما يتصل بالمواضيع الاقتصادية والمالية والجامعية والتربوية والسياسية اخيرا (س. س.) في اشارة الى سوريا والسعودية في ما يتعلق بشؤون لبنان بينهما".

ويضيف ان "آخر هذه المقترضات واحد شائع جدا في صفوف خريجي الجامعات الطامحين الى التوظيف وهو الـ "سي في" وهو للمناسبة يجمع بصيغة عربية 'سيفيات'".

وقال "فعسى ان نقر بوجود هذا التمايز التعبيري ونقرأ بعناية المسار التطوري لهذه الظاهرة اللغوية الاجتماعية ونعي ظروف انتشارها ونرصد كيفيات تشكل ألفاظها وتراكيبها ونتبين مفاعيلها التي تمددت حتى تعددت توصيفاتها: 'العربيزية' و'العربيسية' و'العربيزي' و'الارابيش'".

وضاف "وكما يتبين لنا من وفرة المقتطفات الصحافية التي عدنا اليها (حوالى الالف وخمسماءة)... فالصحافة العربية ما غابت عن متابعة هذه المسألة اللغوية المظهر والسلوكية المضمون والتربوية البعد... وللحقيقة فقد كان للصحف دور اساسي في تسليط الضوء على نشوء ظواهر مواكبة للتفاعل الحادث بين افرازات العولمة وطغيان الموجات الاستهلاكية مثل ثقافة 'الفاست فود' و'ثقافة الديجيتال'".

وقد جاء الكتاب الغني بمحتوياته في 405 صفحات كبيرة القطع وبلوحة غلاف للفنان التشكيلي شارل خوري وصدر عن (الدار العربية للعلوم ناشرون) في بيروت.