'السيرة الهلالية' وثيقة اجتماعية للمجتمعات العربية

كتب ـ محمد الحمامصي
كثرة عدد الرواة والشعراء

يرى البعض أن السيرة الهلالية مجرد مجموعة حكايات غنائية يؤديها مجموعة من الشعراء يهدفون إلى التكسب المادي من جمهور معظمه الآن من أبناء الريف، يرغبون في تسليتهم وتزجية أوقات فراغهم، لكن السيرة الهلالية في حقيقة الأمر، ولمن يتأملها ليست كذلك، حيث أنها تاريخ شفاهى، ليست لقبيلة بنى هلال فحسب، وإنما لعدد ضخم من القبائل والشعوب العربية التي تناقلتها، صحيح أنها ليس تاريخاً حرفياً لها، لأن هذا ليس هدفها، وإنما هي تاريخ شفهي "مأمول"، يجمع بين ما كان في سلبياته وإيجابياته، وبين ما يرغب فيه الوجدان العربي "أن يكون".

والباحث د. خالد عبدالحليم أبوالليل في كتابه "السيرة الهلالية .. دراسة للراوي والرواية"، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، يؤكد أنها "وثيقة اجتماعية" تعكس لنا على مدار عصور روايتها المتعدد "الثابت والمتغير"، "الأصيل والوافد الجديد" من العادات والتقاليد والمعتقدات الشعبية فى مجتمعاتنا العربية.

بل يذهب أبوالليل إلى أنها بمثابة دراسة نفسية للإنسان العربي، تحلل لنا طبيعة عقليته في انتمائها وتعصبها، في انتصارها وهزيمتها، والتي لخصها المثل الشعبي القائل "كأنك يا أبو زيد ما غزيت"، ويقول: "القارئ للسيرة الهلالية يمكنه تفسير أو قراءة واقعنا العربي الحالي بقضاياه وهمومه، فالسيرة الهلالية لا تعتمد فى مواجهتها العدو على القوة الغاشمة غير المحكومة بالمنطق والعقل، على نحو ما مثلها دياب الزغبى، كما إنها لا تعتمد على الحكمة واللين والسياسة فقط دون القوة التي تحميها، على نحو ما جسدها السلطان حسن الدريدي"، وإنما تمثلت في نموذج "أبى زيد الهلالي سلامة" الذي جمع بين قوتي العقل والسيف فهو بطل الأبطال وصاحب الأجيال.

لكن القول بما للهلالية من أدوار تاريخية واجتماعية ونفسية وأنثروبولوجية، لا يعنى التقليل من أدبية السيرة الهلالية، فالهلالية قبل كل هذا "نص أدبي، يعده جمهورها مقدساً، فذهبوا في نسبته إلى مصدره مذاهب شتى، ولكنها جميعاً عزت الهلالية إلى أنها إلهام إلهي، يؤتيه الله – عز وجل – من يشاء من خلقه، على غرار الأنبياء ورسائلهم، ولما كان الملائكة هم قناة الاتصال / الوحي مع الأنبياء، فإن الوجدان الشعبي اختار قطب الأقطاب الخضر – عليه السلام – ليكون وحى الرسالة الهلالية إلى الشعراء، وهو أمر تؤكده آراء الشعراء وحكايات كثيرة.

وإذا كانت هذه هي رؤية الجمهور فإن الشعراء بوعي أو بدون وعى ـ حسب الباحث ـ راحوا يؤكدون تلك القدسية، "تارة بالميل إلى الفصحى المهمشة فى افتتاح قصائدهم، وبالميل إلى الحكمة والوعظ وما إلى ذلك، وطوراً آخر في ارتدائهم زى رجال الدين "الجبة والقفطان والكاكولا"، كما هو الحال مع شعراء الوجه البحري، والهلالية – فى نظري – نص أدبي معجز في شعريته وطوله وبقائه".

السيرة الهلالية في محافظة قنا: دراسة للراوي والراوية، هو العنوان الأصلي لهذه الدراسة، وعندما تكون الهلالية موضوعاً لإحدى الدراسات فلا بد أن تستثار في الأذهان أسئلة شتى، على رأسها سؤالان ملحان، هما ما الذي كتب لهذا العمل المطول – دون غيره من السيرة الشعبية العربية الأخرى – البقاء والاستمرارية لقرون حتى وقتنا الراهن؟ ثم – وهذا هو السؤال الثاني – كيف لهذا العمل المتسع مكاناً، (إذ يشمل مكان أحداثه معظم – إن لم يكن كل – أنحاء الوطن العربي آسيوياً وأفريقياً، ودولاً أفريقية مثل "الحبشة" (أثيوبيا حالياً)، وأخرى أوروبية مثل "قبرص واليونان"، وأخرى أماكن مجهولة اكتفى الراوى بالإشارة إليها)، والممتد في زمان أحداثه (الذي يشمل أجيالاً متعددة)، وفى زمان روايته "فالرواية المدونة الواحدة تستغرق آلاف الصفحات، كما تستغرق الرواية الشفاهية الواحدة مئات الساعات، التى قد تمتد للعام"، والمتسع – أيضاً – في أعداد شخصياته وقضاياه .. كيف لهذا العمل المتسع أن تستوعبه جغرافيا لها، فإن هناك تساؤلاً ثالثاً فرض نفسه على الباحث، هو ما خصوصية رواية السيرة الهلالية في مجتمع قنا؟

ولقد انطلقت دراسة أبوالليل من محاولة الإجابة عن التساؤل الثالث، فخصصت له فصلها الأول، وذلك من خلال دراسة العلاقة بين الهلالية والمجتمع القناوي، فلمست تلك الخصوصية على مستويات عدة، منها دورة حياة الإنسان والعادات والتقاليد والنظام القبلي والألعاب الشعبية في قنا، ومدى انعكاس تلك الظواهر الاجتماعية في السيرة الهلالية ثم انتقلت في الفصول التالية للإجابة عن التساؤلين الآخرين.

قد يثير البعض عدداً من القضايا الأخرى المهمة، حول قضية النوع الأدبي، والعلاقة بين الهلالية والتاريخ، ومدى اتفاق الهلالية – كنص أدبي شعبي – مع ما تنوقل فى كتب التاريخ عن تاريخ هذه القبيلة وحروبها، كذلك قد تثار قضية أسباب تعاطف الجمهور مع قبيلة بنى هلال، رغم ما تناقله المؤرخون حول همجيتهم ووحشيتهم، حتى أصبحوا رمزاً للدمار والخراب، ويكفى – شاهداً على ذلك – وقائع الخراب التي حدثت على أيديهم، فى شمال أفريقيا فى القرن السادس الهجرى.

رغم كثرة هذه الأسئلة وأهميتها، فإن الباحث آثر في دراسته الإجابة على الأسئلة الثلاثة السابقة، وذلك لسببين كما أوضح، أولهما "أن هذه القضايا التي أشرت إلى بعض منها، قام عدد من الدارسين بمعالجتها، عالجها عبدالحميد يونس في كتابه (الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي)، ومحمد فهمي عبداللطيف في (أبوزيد الهلالي)، وأحمد شمس الدين الحجاجي في كتابيه (مولد البطل) و(النبوءة أو قدر البطل)، وفى عدد من مقالاته، التي ركزت على السيرة، على اعتبارها – كنوع أدبي – تمثل أحد الأصول التي بزغت عنها الرواية العربية، كما عالجها فاروق خورشيد ومحمد رجب النجار في عدد من دراساتهما المتعددة، ومحمد حافظ دياب في (إبداعية الأداء)، ومحمد حسن عبدالحافظ في رسالته (روايات السيرة الهلالية في محافظة أسيوط)، هذا إلى جانب معالجة عدد من الدارسين الغربيين لها، مثل ليونز ودوايت رينولدز، وسوزان سليموفيتش، وأنيتا بيكر، وبريجيت كونللى".

السبب الثاني "أن الدراسة الحالية لن تنطلق – بالفعل – من هذه الأسئلة، ولكن هذا لا يعنى أنها ستتجاهلها كلية، فهي انطلقت من تساؤلات الدراسة الثلاثة الرئيسية، ولكنها توقفت – في ثناياها – عند هذه القضايا، على نحو مباشر تارة، وغير مباشر تارة أخرى، أي على النحو الذي تطلبته طبيعة الدرس العلمي، دون أن يعنى ذلك أن هذه الوقفات كانت دائماً وقفات عابرة، ففصول الدراسة كلها مجتمعة تعرفنا – إلى جانب الإجابة على تساؤلاتها الأساسية – على خصوصية الهلالية كنوع أدبي شعبي، من حيث الأداء والرواة (هواة ومحترفين)، والسياق الذي تؤدى فيه، والمضمون والشكل (الشعر والنثر).

ويؤكد أبوالليل أن دراسته لم تنطلق في تساؤلاتها من فراغ، وإنما كانت هناك لبنات ارتكزت عليها، تمثل بعضها في دراسة الأميركية "أنيتا بيكر" للنسخ المدونة، و"سوزان سليموفيتش" فى "تاجر الفن"، و"دوايت رينولدز" فى "الشعراء البطوليون"، وفى الإشارة السريعة – والمهمة – لعبدالرحمن الأبنودي في مقدمة أحد أجزاء "السيرة الهلالية".

تقع الدراسة تقع فى جزأين، الجزء الأول يتكون من مدخل يتضمن الدراسات السابقة، والمنهج الذي تبنته الدراسة، والدليل اللغوي لقراءة النصوص الهلالية المجموعة، كما يتضمن هذا الجزء خمسة فصول، أولها: "السيرة الهلالية والمجتمع القناوى"، بهدف دراسة العلاقة بين مجتمع الدراسة – محافظة قنا – والسيرة الهلالية، والثاني هو العمل الميداني الصعوبات والمشاكل، واستعرض فيه المؤلف تجربته الميدانية في جمع نصوص السيرة المهمة الهلالية من قنا، ويدرس الفصل الاختلاف بين أداء الهلالية عند الرواة الهواة والشعراء المحترفين، وكيف أن الاختلاف بينهما لا يتمثل – فقط – في مجرد التكسب المادي الذي يتحصل عليه الشعراء المحترفون، وإنما هناك عدد من الاختلافات بينهما التي تتجاوز هذا الاختلاف الضيق وهو ما لمسته الدراسة من خلال عدة عناصر: الرواة، النص الهلالي، الجمهور، السياق الأدائي، زمكان الرواية.

ويدرس الفصلان الرابع والخامس "السيرة الهلالية بين المدون والشفاهي"، غير أن أولهما يدرسها على مستوى "الشعر والنثر"، فتوقف عند الأشكال الشعرية والنثرية التقليدية (مثل القصيد والزجل) والمستحدثة (مثل استخدام الموال في روايتها المربع) في رواية الهلالية الشفاهية، والطريقة التي يحفظ بها الرواة الهلالية، ودور الارتجال، وهناك الذاكرة، وإيقاع الشعر الهلالي وقافيته، أما الفصل الأخير فيدرس الهلالية على مستوى "الأحداث والشخصيات"، فيقارن بين الأحداث فى الهلالية المدونة والشفاهية، مثل الريادة والتغريبة، كما يقارن بينهما من حيث شخصيات الأبطال، والدور الذي تلعبه المرأة فيهما وصورها المتعددة.

أما الجزء الثاني فهو بمثابة الملاحق التي يرفقها المؤلف بدراسته، أحد هذه الملاحق يتمثل فى الروايات الهلالية الشفاهية التي قمت بجمعها، والتي تقع فى ثلاثة مجلدات ضخمة، فلقد تمكن الباحث من جمع مائة وخمس وتسعين ساعة للسيرة الهلالية، مسجلة صوتاً وفيديو وموثقة بالصور الفوتوغرافية، ولقد تمت عملية الجمع الميداني من تسع مراكز، هي: فقط – قوص – إسنا – نقادة – قنا – دشنا – أبو تشت – نجع حمادي – الوقف. أي من جميع مراكز المحافظة باستثناء مركزي فرشوط وأرمنت.

ونظراً لضخامة المادة المجموعة، و"نظراً لكثرة عدد الرواة والشعراء الذين قمت بالتسجيل معهم، فلقد تم اختيار بعض هذه الروايات في الوقت الحالي، مع التركيز على روايات الرواة الهواة في الاختيار، نظراً لتهميش الدارسين السابقين لها، مع اختيار عينات من قصص بعض الشعراء المحترفين"، وقد وقع الاختيار في هذه المرحلة على خمسة عشر راوياً (11 هواة، 4 محترفين)، هذا بالإضافة إلى بعض رواة المواويل والمربعات الهلالية المتفرقة.