مثقفو مصر الرقميون يفتتحون مؤتمر الإسكندرية الثاني للثقافة الرقمية

الإسكندرية ـ من أحمد جابر
إعادة بناء الشخصية من خلال استخدام وسائل إعلامية جديدة

أكد اللواء علي عرفة نائب محافظ الإسكندرية أن الأمة العربية حاليا تعيش وقتا ذهبيا بكل المقاييس، فنحن في رحاب ربيع الثورات العربية وعلى أبواب مرحلة جديدة تشهدها مصر من تحول ديمقراطي يشاهده العالم بإعجاب وانبهار، تم على إيدي شباب واع استطاع أن يغير نظرة العالم كلها لنا، حتى أصبحنا قدوة لهم بعد أن كانوا قدوة لنا.

جاء هذا خلال الكلمة التي ألقاها عرفة نيابة عن الدكتور أسامة الفولي محافظ الإسكندرية في افتتاح مؤتمر الإسكندرية الثاني للثقافة الرقمية والذي أقيم بعنوان "الثورة الرقمية وتشكيل المستقبل" والذي أداره الأديب منير عتيبة.

وأضاف اللواء عرفة أن الأمية الرقمية أصبحت من أخطر أنواع الأمراض التي يمكن أن تصيب الأمم والأفراد بالشلل؛ وتقلل من القدرة على التفاعل داخل المجتمع، فالأمي في هذا المجال لن يستطيع الاندماج في شبكة التآلف الاجتماعي العالمية، ولن يكون أمامه إلا التحلي بالثقافة الرقمية ومفرداتها مع عالم أصبح يتكلم لغة واحدة بلهجات متعددة، حتى أنه لا يكاد يمر يوم دون أن نتلقى فيه اكتشافا جديداً أو وسيلة جديدة غير مألوفة فيصبح التعامل أكثر رقمية ومن ثم أكثر دقة ومتعة في الوقت ذاته.

وأضاف الشاعر سعد عبدالرحمن رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة أن العصر الذي نعيشه في المرحلة التاريخية الحالية هو عصر الثقافة الرقمية مؤكدا على أهميتها في فهم وتطوير قدرة الانسان لمواكبة المجتمعات المدنية المختلفة والمشاركة فيها بصورة أكثر فاعلية، ووصف رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة تجاهل النظم العربية لقدرة الثقافة الرقمية في التغيير بالغباء السياسي لافتا إلى أن الشعوب كانت على حافة الثورات في ظل سياسات الظلم والقهر والاستبداد المتبعة من هذه النظم تجاه الشعوب التي استطاعت أن تطور من ثقافتها في ظل الثقافة الرقمية.

وأكد عبدالرحمن أننا في حاجة مستمرة لبذل جهد أكبر من أجل إثراء الثقافة الرقمية بالمزيد من المؤتمرات والندوات الثقافية التي تهتم في مقامها الاول بالثقافة الرقمية لغة هذا العصر.

وفي ذات السياق أكدت سلوى توفيق مدير قصر التذوق بسيدى جابر على دور قصور الثقافة وبالذات القصور المتخصصة في مواكبة كل جديد في المجال الثقافي والتقني معا، ومواكبة التغييرات الكبيرة التي يموج بها العصر الحالي، والحرص على التواصل مع المجتمع المحيط سواء مجتمع الإسكندرية أو المجتمع المصري والعربي بشكل عام، تواصلا قائما على الإيجابية والتفاعل البناء لخدمة بلدنا ومواطنينا.

ومن جانبه أكد الدكتور زين عبدالهادى مدير دار الكتب ورئيس المؤتمر أن الصراع التاريخي دائما كان بين جماعات تنتمي لعصر جديد وجماعات تنتمي لعصر قديم، وفي كل مرة كان يكتب النصر لأهل العصر الجديد، وكل حوادث التاريخ وكتبه تؤكد على ذلك.

ومؤتمر هذا العام يأتي في ظل ربيع الثورات التى تجتاح العالم العربى، كتب النصر فيها لشعوب، بينما مازالت شعوب تكافح من أجل حريتها المنتشودة، تلك الثورات التي قامت لإزالة جمهوريات عالمنا العربي السعيد الذي حولت حياته إلى جحيم بدلا من أن تقوده إلى مستقبل واعد ومشرق، وأثبت الحكام العرب الجمهوريون مرة أخرى أنهم لا يقلون إفكا عن الملوك الراحلين، وأنهم لا يعنيهم مستقبل شعوبهم ولا أي شيء سوى هذا الكرسى القابع في غرفة مغلقة محاطة بآلاف من رجال الأمن، لكن شيئا ما صغيرا تسلل من خلال كل هؤلاء ليقلب حياتهم جحيما، هذا الشيء كان مقدمة الثورة المعلوماتية التي اجتاحت العالم في السنوات الأخيرة.

وأضاف أنه كانت هناك أسباب عدة لهذا النجاح لم يستطع أحد قراءتها بشكل جيد، ولم يستطع أقوى المحللين السياسيين التنبؤ بها، لأنها مثلا أتت مغايرة لنجاح أوباما (الأسود) الذي سعى لتغيير سلوك الناخبين في ظل استقرار الدولة الأميركية وثبات أركانها الدستورية والقانونية والديمقراطية والمؤسسية، بينما سعى الشباب المصري إلى التغيير في ظل عدم ثبات أركان الدولة من رأس النظام إلى أصغر عضو فيه، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أن المتابع للحركة السياسية للشباب المصري في الشارع يرى أنها كانت أشبه بحركة عالمية، ولم يحسب النظام في مصر حسابا لما يعرف "بالشفافية المعلوماتية"، لقد كان الشارع المصري بكل ما يحدث به تحت دائرة الضوء على المحيط العالمي عبر الإنترنت، فيما كان النظام يرى أن قواته الأمنية التي تبلغ مئات الآلاف ستحميه، لقد كان المجتمع السيبراني كله يرى حركة الشباب ويتابعها ويدعمها بأشكال عدة منها مؤسسات المجتمع المدني وتزايد الحركات الاحتجاجية خلال السنوات الست الماضية، أضف إلى ذلك أن عبقرية ثورتهم المعلوماتية أتت من تفاعلهم، فالنظام لا يعترف بالآخر وتم تكميمهم وتكتيفهم وتعذيبهم واعتقالهم، إسكاتا إلى صوتهم، صوتهم الذي تحملته شبكة الإنترنت كلها، تقدم الإنترنت إذن لهم ميزة افتقدوها في الشارع الذي لا ينصت إليهم بشكل كان يجب فيه أن يتنازل فيه عن كبريائه المزيف، كان حوارهم يتصادم ويتعالى ويتفق ويختلف، لكنه حوار بين طرفين يؤمن فيه كل طرف بقيمة الآخر، فيما انعدمت قيمتهم لدى الدولة التي مارست كل أساليب الديكتاتورية القابعة في جعبتها لإسكاتهم أو لتزوير إرادتهم، أو لخنقها تماما، فالجامعات لم تعد تصلح للديمقراطية، وأصبح التعيين في كل المؤسسات هو السائد، ولم يعد مسموحا بممارسة حق الاختيار، بمعنى أن الحزب الوطني مثلا بعدد أعضائه البالغ 2.7 مليون عضو أغلبهم من الشباب، لم يستطع مواجهة 600 ألف ناشط على شبكة الإنترنت نزل منهم إلى الشارع مائة ألف تقريبا فقط!

وأشار د. زين عبد الهادي أن الثورة المعلوماتية التي اجتاحت العالم في السنوات الاخيرة وبدت كشيء صغير لم يستطع أقوى المحللين السياسين التنبوء بقدرتها في العالم العربي أن تقلب كافة أنظمة الحكام العرب الجمهوريين الذين لا يختلفون كثيرا عن الملوك الراحلين الذين أبوا عن تحسين مستقبل شعبوهم على حساب مصالحهم لشخصية وحلم التوريث والفساد.

في الجلسة الأولى لمؤتمر الثورة الرقمية وتشكيل المستقبل:

وأكد الدكتور خالد عزب مدير إدارة الاعلام بمكتبة الاسكندرية إلى ضرورة إعادة بناء الشخصية المصرية من خلال استخدام وسائل إعلامية جديدة وهي وسائل الاعلام الرقمي من خلال توفير بيئات إعلامية بسيطة تعمل على تيسير إنشاء شبكات تواصل اجتماعي رقمية داخلية، وإذاعات داخلية من شأنها العمل على إعادة بناء وتحسين صورة الشعب والدولة والمجتمع خاصة وأن السينما المصرية أخطأت خطأً فادحا في تصوير الشخصية المصرية حيث صدرت للعالم أن مصر هى بلد الدعارة والمخدرات وأن المصري ما هو إلا الفهلوي.

وحول اعتماد طلاب الجامعة على وسائل الإعلام كمصدر للمعلومات عن ثورة 25 يناير قدم الدكتور أحمد إبراهيم المدرس بكلية الإعلام جامعة فاروس ورقته والتي أكد فيها أن اعتماد الجمهور على وسائل الاعلام يزداد بشدة في فترات الأزمات، وقد لعبت وسائل الإعلام دورا لا يمكن إغفاله في نقل المعلومات عن أحداث تلك الثورة مما جعل الثوار والنظام الحاكم والمراقبين يتابعون وسائل الاعلام للتعرف على آخر تطورات الثورة.

مضيفا أن جمهور الطلاب اعتمد على شبكة الانترنت بنسبة 90% في الحصول على معلومات عن ثورة 25 يناير بينما اعتمد على التليفزيون بنسبة 10% فى حين أن باقي وسائل الاتصال لم تحصل على أي نسبة، وكانت نسبة اعتماد جمهور الطلاب على شبكة فيسبوك 44.6% في الحصول على معلومات عن ثورة 25 يناير بينما اعتمد على موقع اليوتيوب بنسبة 24.9% يليها المواقع الإخبارية بنسبة 21.1% ثم شبكة تويتر والمنتديات والمدونات بنسبة 5.8% و1.9% و1.7% على الترتيب.

وحول المجتمع الافتراضي والهوية قدمت الباحثة الإعلامية ولاء مسعد خزام دراسة أكدت فيها اتصال وتفاعل الأفراد داخل جماعات متعددة عبر شبكة الإنترنت أدى إلى اندماجهم داخلها وتكوينهم علاقات اجتماعية جديدة خلقت مجتمعًا افتراضيًا له أسس وقواعد مختلفة تمامًا عن قواعد وأسس النسق الاجتماعي الذي يتعايشون عبره في المجتمعات التقليدية، وذلك باختلاق عدة هويات يتعايشون بها داخل الجماعات الافتراضية المختلفة، بما يخلق مفهومًا جديدًا لمعاني الزمان والمكان، ويمنحهم قدرًا كبيرًا من المجهولية، والتحرر من الضبط الاجتماعي، ومن السيادة الثقافية للدولة، ويجعلهم ينفتحون على الثقافات المختلفة عبر العالم، وهو ما يؤدي للتأثير على رؤيتهم للواقع، وإدراكهم لذواتهم ومجتمعاتهم والعالم حولهم، ويغير بشكل أو بآخر علاقتهم بموروثاتهم الثقافية سواء دين أو لغة أو عادات وتقاليد كما قد يغير منظومة الآراء والاتجاهات والصور الذهنية التي يكونوها عن كل ما يحيط بهم، ويغير أيضًا سلوكياتهم.

مضيفة أن إحساس المدونين تعاظم قبل اندلاع الثورة بأن ثروات مصر تنهب بينما أكثر من نصف سكانها تحت خط الفقر، ونشر بعض الأخبار عن قضايا الفساد والرشوة والمحسوبية في جميع قطاعات الدولة، وتأكيد ذلك بنشر الخطب والتصريحات الكاذبة والمستفزة.

ويضاف إلى ذلك تعاظم الاحتقان من مشروع التوريث وعدم تقبل شخصية جمال مبارك من قبل المدونين، كما حصلت شخصيات من رجال النظام السابق ورموزه على أكبر قدر من البغضاء والكره من المدونين، وكان تزوير الانتخابات البرلمانية 2010 من الأحداث التي جعلت الغضب والاستهجان يتفاقم لدى المدونين لتجاهل الإرادة الشعبية، يضاف إليها السخط والغضب العارم من تعدد قضايا تنكيل الشرطة بالشعب، والتعذيب في السجون وأقسام الشرطة والأساليب القمعية للشرطة عامة، وأمن الدولة خاصة، وسخرية القادة الرسميين من الحركات والجماعات السياسية المعارضة للنظام، بالإضافة إلى نجاح الثورة التونسية الذي ألهم المصريين، وأمدهم بالأمل فى إمكانية التغيير.

موضحة أن فساد الجهاز الإعلامي الحكومي في مصر كان من أهم القضايا التي استفزت المدونين بسبب تحريض الإعلام المصري الرسمي بشكل صريح على قتل الثوار والفتك بهم أثناء وبعد الثورة، إضافة إلى أداء السلطة المسئولة عن إدارة شئون البلاد (المجلس العسكرى، والحكومة الانتقالية) بعد الثورة بصفة عامة، خاصةً فيما يتعلق بقضية محاكمة رموز النظام السابق، كان السبب الرئيسي في عدم رضا المدونين عموما، وعدم الرضا عن الممارسات السياسية للأحزاب والقوى السياسية بعد الثورة، وهو ما أدى إلى تفتيت قوى الثورة، وخاصة ممارسات جماعة الإخوان، واعتبار ذلك من أهم أسباب الوقيعة بين الجيش والثوار. وهو ما نتج عنه رفض أى محاولات لإصلاح النظام السابق، والمطالبة بتغييره.